التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حدد - سبحانه - وظيفة رسوله ﷺ وأثنى عليه بما هو أهله، فقال - تعالى - :﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أى : لم يكن محمد ﷺ أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقة، تترتب عليها آثارها وأحكامها من الإِرث، والنفقة والزواج.... وزيد كذلك ليس ابنا له ﷺ فزواجه ﷺ بزينب التى طلقها زيد لا حرج فيه، ولا شبهة فى صحته، وقوله :﴿ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين﴾ استدراك لبيان وظيفته وفضله.
أى : لم يكن ﷺ أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة، ولكنه كان رسولا من عند الله - تعالى - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان وكان - أيضا - خاتم النبيين، بمعنى أنهم ختموا به، فلا نبى بعده، فهو كالخاتَم والطابَع لهم. ختم الله - تعالى - به الرسول والأنبياء، فلا رسول ولا نبى بعده إلى قيام الساعة.
قال القرطبى : قرأ الجمهور ﴿وَخَاتَمَ﴾ - بكسر التاء - بمعنى أنه ختمهم، أى : جاء آخرهم.
وقرأ عاصم ﴿وخاتم﴾ - بفتح التاء - بمعنى أنهم ختموا به، فهو كالخاتم والطابع لهم.
وقيل : الخاتم والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان، مثل طابع وطابع..
وقد روى الإِمام مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال : " مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخولنها ويتعدبون منها ويقولون : ما أجمل هذه الدار، هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال ﷺ فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء ".
وقد ذكر الإِمام ابن كثير عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الإِمام مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال : " فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لى الغنائم، وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون ".
ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : والأحاديث فى هذا كثيرة، فمن رحمة الله - تعالى - بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الحنيف له، وقد أخبر - تعالى - فى كتابه، وأخبر رسوله فى السنة المتواترة عنه، أنه لا نبى بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم..
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله :﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾.
أى : وكان - عز وجل - وما زال، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه، وبما ينفعهم ويصلحهم، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم فى حاجة إليه من تشريعات، واختار رسالة نبيكم محمد ﷺ لتكون خاتمة الرسالات، فعليكم أن تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة، ليزيدكم - سبحانه - من فضله وإحسانه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى