البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ثم نفى تعالى كون رسوله ﴿أبا أحد من رجالكم﴾، بينه وبين من تبناه من حرمة الصهارة والنكاح ما يثبت بين الأب وولده.
هذا مقصود هذه الجملة، وليس المقصود أنه لم يكن له ولد، فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين.
وإضافة رجالكم إلى ضمير المخاطبين يخرج من كان من بنيه، لأنهم رجاله، لا رجال المخاطبين.
وقرأ الجمهور ؛ ﴿ولكن رسول﴾، بتخفيف لكن ونصب رسول على إضمار كان، لدلالة كان المتقدّمة عليه ؛ قيل : أو على العطف على ﴿أبا أحد﴾.
وقرأ عبد الوارث، عن أبي عمرو : بالتشديد والنصب على أنه خبر لكن، والخبر محذوف تقديره :﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ هو، أي محمد ﷺ.
وحذف خبر لكن واخواتها جائز إذا دل عليه الدليل.
ومما جاء في ذلك قول الشاعر :
فلو كنت ضبياً عرفت قرابتيولكنّ زنجياً عظيم المشافر
أي : أنت لا تعرف قرابتي.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة : بالتخفيف، ورفع ورسوله وخاتم، أي ولكن هو رسول الله، كما قال الشاعر :
ولست الشاعر السقاف فيهمولكن مدرة الحرب العوال
أي : لكن أنا مدرة.
وقرأ الجمهور :﴿خاتم﴾، بكسر التاء، بمعنى أنه ختمهم، أي جاء آخرهم.
وروي عنه أنه قال : أنا خاتم نبي، وعنه : أنا خاتم النبيين في حديث واللبنة.
وروي عنه، عليه السلام، ألفاظ تقتضي نصاً أنه لا نبي بعده ﷺ، والمعنى أن لا يتنبأ أحد بعده، ولا يرد نزول عيسى آخر الزمان، لأنه ممن نبىء قبله، وينزل عاملاً على شريعة محمد ﷺ مصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته.
قال ابن عطية : وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بالهداية، من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف، وما ذكره الغزالي في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بالاقتصاد، وتطرق إلى ترك تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد ﷺ النبوة، فالحذر الحذر منه، والله الهادي برحمته.
وقرأ الحسن، والشعبي، وزيد بن علي، والأعرج : بخلاف ؛ وعاصم : بفتح التاء بمعنى : أنهم به ختموا، فهو كالخاتم والطابع لهم.
ومن ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي، فهو زنديق يجب قتله.
وقد ادعى النبوة ناس، فقتلهم المسلمون على ذلك.
وكان في عصرنا شخص من الفقراء ادعى النبوة بمدينة مالقة، فقتله السلطان بن الأحمر، ملك الأندلس بغرناطة، وصلب إلى أن تناثر لحمه.
﴿وكان الله بكل شيء عليماً﴾ : هذا عام، والقصد هنا علمه تعالى بما رآه الأصلح لرسوله، وبما قدّره في الأمر كله،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى