روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ عود إلى ذكر النساء، والنكاح هنا العقد بالاتفاق واختلفوا في مفهومه لغة فقيل هو مشترك بين الوطء والعقد اشتراكاً لفظياً، وقيل : حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل : بقلبه وقيل هو مشترك بينهما اشتراكاً معنوياً وهو من أفراد المشكل وحقيقته الضم والجمع كما في قوله :
ونقل المبرد ذلك عن البصريين. وغلام ثعلب الشيخ عمر والزاهد عن الكوفيين، ثم المتبادر من لفظ الضم تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها أعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه وهذا يقتضي كونه مجازاً في العقد، وإن اعتبر الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى القول جاز أن يكون النكاح حقيقة في كل من الوطء والعقد وجاز أن يكون مجازاً على التفصيل المعروف في استعمال العام في كل فرد من أفراده، واختار الراغب القول الثاني من الأقوال السابقة وبالغ في عدم قبول الثالث : فقال هو حقيقة في العقد ثم استعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنه.
واختار الزمخشري الثالث فقال : النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الاثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في حق الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسسة والقربان والتغشي والاتيان، وأراد على ما قيل إنه في العقد حقيقة شرعية منسى فيه المعنى اللغوي، وبحث في قوله لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد بأنه في قوله تعالى :﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [ البقرة : ٠ ٣ ٢ ] بمعنى الوطء وهذا ما عليه الجمهور وخالف في ذلك ابن المسيب، وتمام الكلام في موضعه، والمس في الأصل معروف وكنى به هنا عن الجماع، والعدة هي الشيء المعدود وعدة المرأة المراد بها الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج أي يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات وتزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن فما لكم عليهن من عدة بإيام يتربصن فيها بأنفسهن تستوفون عددها على أن تعتدون مطاوع عد يقال عد الدراهم فاعتدها أي استوفى عددها نحو قولك كلته فأكتلته ووزنته فأتزنته أو تعدونها على أن افتعل بمعنى فعل، وإسناد الفعل إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به قوله تعالى :﴿فَمَا لَكُمْ﴾ واعترض بأن المذكور في كتب الفروع كالهداية وغيرها أنها حق الشرع ولذا لا تسقط لو اسقطها الزوج ولا يحل لها الخروج ولو أذن لها وتتداخل العدتان ولا تداخل في حق العبد وحق الولد أيضاً ولذا قال صلى الله عليه وسلم
«لا يحل لامرئ مؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره » وفرعوا على ذلك أنهما لا يصدقان في إبطالها باتفاقهما على عدم الوطء.
وأجيب بأنه ليس المراد أنها صرف حقهم بل أن نفعها وفائدتها عائدة عليهم لأنها لصيانة مياههم والأنساب الراجعة إليهم فلا ينافي أن يكون للشرع والولد حق فيها يمنع إسقاطها ولو فرض أنها صرف حقهم يجوز أن يقال : إن عدم سقوطها بإسقاطهم لا ينافي ذلك إلا إذا ثبت أن كل حق للعبد إذا أسقطه العبد سقط وليس كذلك فإن بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه كالإرث وحق الرجوع الهبة وخيار الرؤية، ثم أن في الاستدلال بالحديث على أنها حق الولد تأملاً كما لا يخفى، وتخصيص المؤمنات من عموم الحكم للكتابيان للتنبيه على أن المؤمن شأنه أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأخرى والأليق بعد ما فصل في البقرة نكاح الكتابيات، وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق له ودخل في إيجاب العدة لاحتمال الملاقاة والجماع سراً كما أن له دخلاً في النسب، ويمكن أن تكون الإشارة إلى التراخي الرتبى فإن الطلاق وإن كان مباحاً لا كراهة فيه على ما قيل لقوله تعالى :﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [ البقرة : ٦ ٢٣ ] غير محبوب كالنكاح من حيث أنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي به تكثر الأمة ولهذا ورد كما أخرج أبو داود. وابن ماجه. والحاكم. والطبراني. وابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً «أبغض الحلال إلى الله الطلاق » ورواه البيهقي مرسلاً بدون ابن عمر بل قال العلامة ابن الهمام : الأصح حظره وكراهته إلا لحاجة لما فيه من كفران نعمة النكاح وللأخبار الدالة على ذلك، ويحمل لفظ المباح في الخبر المذكور على ما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داود ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق، والفعل لا عموم له في الأزمان والحاجة المبيحة الكبر والريبة مثلاً وعدوا من المبيح عدم اشتهائها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها مع عدم رضاها بإقامتها في عصمته من غير وطء أو قسم.
وأما ما روى عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه وكان قبل له في كثرة تزوجه وطلاقه فقال : أحب الغناء فقد قال تعالى :﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فهو رأي منه إن كان على ظاهره، وكل ما نقل عن طلاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمحمله وجود الحاجة، وظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة لأنه سبحانه نفي فيها وجوب العدة إذا طلقت قبل الجماع والخلوة ليست جماعاً وهي عندنا إذا كانت صحيحة على الوجه المبين في كتب الفروع كالجماع في وجوب العدة فتجب فيه العدة احتياطاً لتوهم الشغل نظراً إلى التمكن الحقيقي بل قالوا هو مثله في جميع أحكامه سوى عشرة نظمها أفضل من عاصرناه من الفقهاء الشيخ محمد الأمين الشامي الشهير بابن عابدين بقوله :
وظاهر قولهم بوجوب العدة فيها أنها واجبها قضاء وديانة. وفي «الفتح » قال العتابي : تكلم مشايخنا في العدة الواجبة بالخلوة الصحيحة أنها واجبة ظاهراً أو حقيقة فقيل : لو تزوجت وهي متيقنة بعدم الدخول حل لها ديانة لا قضاء اه، ولم يتعقبه بشيء وذكره سعدي جلبي في «حواشي البيضاوي » وقال : ينبغي أن يكون التعويل على هذا القول. وتعقب ذلك الشهاب الخفاجي بأنه وإن نقله فقهاؤنا فقد صرحوا بأنه لا يعول عليه ونحو لم نر هذا التصريح فليتتبع، ثم لا يخفى أن عدم وجوب العدة في الطلاق بعد الخلوة مما يعد منطوقاً صريحاً في الآية إذا فسر المس بالجماع وليس من باب المفهوم حتى يقال : إنا لا نقول به كما يتوهم فلا بد لإثبات وجوب العدة في ذلك من دليل. ومن الناس من حمل المس فيها على الخلوة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب إذا المس مسبب عن الخلوة عادة، واعترض بأنه لم يشتهر المس بمعنى الخلوة ولا قرينة في الكلام على إرادته منه، وأيضاً يلزم عليه أنه لو طلقا وقد وطئها بحضرة الناس عدم وجوب العدة لأنه قد طلقها قبل الخلوة. وأجيب عن هذا بأن وجوب العدة في ذلك بالاجماع، وبأن العدة إذا وجبت في الطلاق بمجرد الخلوة كانت واجبة فيه بالجماع من باب أولى وكيف لا تجب به ووجوبها بالخلوة لاحتمال وقوعه فيها لا لذاتها، وقيل : إن المس لما لم يرد ظاهره وإلا لزمت العدة فيما لو طلقها بعد أن مسها بيده في غير خلوة مع أنها لا تلزم في ذلك بلا خلاف علم أنه كني به عن معنى آخر من لوازم الاتصال فهو الجماع وما في معناه من الخلوة الصحيحة، وفيه نظر لأن عدم صحة إرادة ظاهرة لا يوجب إرادة ما يعم الجماع والخلوة لم لا يجوز إرادة الجماع ويرجحها شهرة الكناية بذلك ونحوه عن الجماع، وإطلاقه عليه إما من إطلاق اسم السبب على المسبب أو من إطلاق اسم المطلق على أخص بخوصه وهو الأوجه على ما ذكره العلامة ابن الهمام، وبالجملة القول بأن ظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة قول متين وحق مبين فتأمل.
وفي «البحر » لأبي حيان الظاهر أن المطلقة إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها لا تتم عدتها من الطلقة الأولى لأنها مطلقة قبل الدخول بها وبه قال داود. وقال عطاء. وجماعة : تمضي في عدتها عن طلاقها الأول وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك : لا تبني على العدة من الطلاق الأول وتستأنف العدة من يوم طلقها الطلاق لثاني وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، والظاهر أيضاً أنها لو كانت بائناً غير مبتوتة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فكالرجعية في قول داود ليس عليها عدة لابقية عدة الطلاق الأول ولا استئناف عدة للثاني ولها نصف المهر ؛ وقال الحسن : وعطاء. وعكرمة. وابن شهاب. ومالك. والشافعي. وعثمان البيتي. وزفر : لها نصف الصداق وتتم بقية العدة الأولى، وقال الثوري. والأوزاعي. وأبو حنيفة. وأبو يوسف : لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدة مستقبلة جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه اه، وفيه أيضاً الظاهر أن الطلاق لا يكون إلا بعد العقد فلا يصح طلاق من لم يعقد عليها وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين.
وقالت طائفة كثيرة منهم مالك يصح ذلك وعنى بطلاق من لم يعقد عليها قول الرجل كل امرأة أتزوجها فهي طالق أو إن تزوجت فلانة فهي طالق.
وقد أخرج جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذلك فقال : هو ليس بشيء فقيل له : إن ابن مسعود كان يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال : أخطأ في هذا وتلا الآية. وفي بعض الروايات أنه قال : رحم الله تعالى أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقائل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن﴾ ولكن إنما قال :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
وفي «الدر المنثور » عدة أحاديث مرفوعة ناطقة بأن لإطلاق قبل نكاح، والمذكور في فروعنا أن ذلك من باب التعليل وشرطه الملك أو الإضافة إليه فإذا قال : إن نكحت امرأة فهي طالق أو إن نكحتك فأنت طالق وكل امرأة أنكحها فهي طالق يقع الطلاق إذا نكح لأن ذلك تعليق وفيه إضافة إلى الملك ويكفي معنى الشرط إلا في المعينة باسم ونسب كما إذا قال : فلانة بنت فلان التي أتزوجها فهي طالق أو بإشارة في الحاضرة كما لو قال : هذه المرأة التي أتزوجها طالق فإنها لا تطلق في الصورتين لتعريفها فلغا الوصف بالتي أتزوجها فصار كأنه قال : فلانة بنت فلان أو هذه المرأة طالق وهي أجنبية ولم توجد الإضافة إلى الملك فلا يقع الطلاق إذا تزوجها فتدبر.
وقرئ ﴿تماسوهن﴾ بضم التاء وألف بعد الميم، وعن ابن كثير. وغيره من أهل مكة ﴿عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ بتخفيف الدال ونقلها عن ابن كثير ابن خالويه. وأبو ال
| ضممت إلى صدري معطر صدرها | كما نكحت أم الغلام صبيها |
واختار الزمخشري الثالث فقال : النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الاثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في حق الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسسة والقربان والتغشي والاتيان، وأراد على ما قيل إنه في العقد حقيقة شرعية منسى فيه المعنى اللغوي، وبحث في قوله لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد بأنه في قوله تعالى :﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [ البقرة : ٠ ٣ ٢ ] بمعنى الوطء وهذا ما عليه الجمهور وخالف في ذلك ابن المسيب، وتمام الكلام في موضعه، والمس في الأصل معروف وكنى به هنا عن الجماع، والعدة هي الشيء المعدود وعدة المرأة المراد بها الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج أي يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات وتزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن فما لكم عليهن من عدة بإيام يتربصن فيها بأنفسهن تستوفون عددها على أن تعتدون مطاوع عد يقال عد الدراهم فاعتدها أي استوفى عددها نحو قولك كلته فأكتلته ووزنته فأتزنته أو تعدونها على أن افتعل بمعنى فعل، وإسناد الفعل إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به قوله تعالى :﴿فَمَا لَكُمْ﴾ واعترض بأن المذكور في كتب الفروع كالهداية وغيرها أنها حق الشرع ولذا لا تسقط لو اسقطها الزوج ولا يحل لها الخروج ولو أذن لها وتتداخل العدتان ولا تداخل في حق العبد وحق الولد أيضاً ولذا قال صلى الله عليه وسلم
«لا يحل لامرئ مؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره » وفرعوا على ذلك أنهما لا يصدقان في إبطالها باتفاقهما على عدم الوطء.
وأجيب بأنه ليس المراد أنها صرف حقهم بل أن نفعها وفائدتها عائدة عليهم لأنها لصيانة مياههم والأنساب الراجعة إليهم فلا ينافي أن يكون للشرع والولد حق فيها يمنع إسقاطها ولو فرض أنها صرف حقهم يجوز أن يقال : إن عدم سقوطها بإسقاطهم لا ينافي ذلك إلا إذا ثبت أن كل حق للعبد إذا أسقطه العبد سقط وليس كذلك فإن بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه كالإرث وحق الرجوع الهبة وخيار الرؤية، ثم أن في الاستدلال بالحديث على أنها حق الولد تأملاً كما لا يخفى، وتخصيص المؤمنات من عموم الحكم للكتابيان للتنبيه على أن المؤمن شأنه أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأخرى والأليق بعد ما فصل في البقرة نكاح الكتابيات، وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق له ودخل في إيجاب العدة لاحتمال الملاقاة والجماع سراً كما أن له دخلاً في النسب، ويمكن أن تكون الإشارة إلى التراخي الرتبى فإن الطلاق وإن كان مباحاً لا كراهة فيه على ما قيل لقوله تعالى :﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [ البقرة : ٦ ٢٣ ] غير محبوب كالنكاح من حيث أنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي به تكثر الأمة ولهذا ورد كما أخرج أبو داود. وابن ماجه. والحاكم. والطبراني. وابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً «أبغض الحلال إلى الله الطلاق » ورواه البيهقي مرسلاً بدون ابن عمر بل قال العلامة ابن الهمام : الأصح حظره وكراهته إلا لحاجة لما فيه من كفران نعمة النكاح وللأخبار الدالة على ذلك، ويحمل لفظ المباح في الخبر المذكور على ما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داود ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق، والفعل لا عموم له في الأزمان والحاجة المبيحة الكبر والريبة مثلاً وعدوا من المبيح عدم اشتهائها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها مع عدم رضاها بإقامتها في عصمته من غير وطء أو قسم.
وأما ما روى عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه وكان قبل له في كثرة تزوجه وطلاقه فقال : أحب الغناء فقد قال تعالى :﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فهو رأي منه إن كان على ظاهره، وكل ما نقل عن طلاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمحمله وجود الحاجة، وظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة لأنه سبحانه نفي فيها وجوب العدة إذا طلقت قبل الجماع والخلوة ليست جماعاً وهي عندنا إذا كانت صحيحة على الوجه المبين في كتب الفروع كالجماع في وجوب العدة فتجب فيه العدة احتياطاً لتوهم الشغل نظراً إلى التمكن الحقيقي بل قالوا هو مثله في جميع أحكامه سوى عشرة نظمها أفضل من عاصرناه من الفقهاء الشيخ محمد الأمين الشامي الشهير بابن عابدين بقوله :
| وخلوته كالوطء في غير عشرة | مطالبة بالوطء إحصان تحليل |
| وفيء وارث رجعة فقد عنة | وتحريم بنت عقد بكر وتغسيل |
وفي «البحر » لأبي حيان الظاهر أن المطلقة إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها لا تتم عدتها من الطلقة الأولى لأنها مطلقة قبل الدخول بها وبه قال داود. وقال عطاء. وجماعة : تمضي في عدتها عن طلاقها الأول وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك : لا تبني على العدة من الطلاق الأول وتستأنف العدة من يوم طلقها الطلاق لثاني وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، والظاهر أيضاً أنها لو كانت بائناً غير مبتوتة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فكالرجعية في قول داود ليس عليها عدة لابقية عدة الطلاق الأول ولا استئناف عدة للثاني ولها نصف المهر ؛ وقال الحسن : وعطاء. وعكرمة. وابن شهاب. ومالك. والشافعي. وعثمان البيتي. وزفر : لها نصف الصداق وتتم بقية العدة الأولى، وقال الثوري. والأوزاعي. وأبو حنيفة. وأبو يوسف : لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدة مستقبلة جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه اه، وفيه أيضاً الظاهر أن الطلاق لا يكون إلا بعد العقد فلا يصح طلاق من لم يعقد عليها وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين.
وقالت طائفة كثيرة منهم مالك يصح ذلك وعنى بطلاق من لم يعقد عليها قول الرجل كل امرأة أتزوجها فهي طالق أو إن تزوجت فلانة فهي طالق.
وقد أخرج جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذلك فقال : هو ليس بشيء فقيل له : إن ابن مسعود كان يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال : أخطأ في هذا وتلا الآية. وفي بعض الروايات أنه قال : رحم الله تعالى أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقائل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن﴾ ولكن إنما قال :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
وفي «الدر المنثور » عدة أحاديث مرفوعة ناطقة بأن لإطلاق قبل نكاح، والمذكور في فروعنا أن ذلك من باب التعليل وشرطه الملك أو الإضافة إليه فإذا قال : إن نكحت امرأة فهي طالق أو إن نكحتك فأنت طالق وكل امرأة أنكحها فهي طالق يقع الطلاق إذا نكح لأن ذلك تعليق وفيه إضافة إلى الملك ويكفي معنى الشرط إلا في المعينة باسم ونسب كما إذا قال : فلانة بنت فلان التي أتزوجها فهي طالق أو بإشارة في الحاضرة كما لو قال : هذه المرأة التي أتزوجها طالق فإنها لا تطلق في الصورتين لتعريفها فلغا الوصف بالتي أتزوجها فصار كأنه قال : فلانة بنت فلان أو هذه المرأة طالق وهي أجنبية ولم توجد الإضافة إلى الملك فلا يقع الطلاق إذا تزوجها فتدبر.
وقرئ ﴿تماسوهن﴾ بضم التاء وألف بعد الميم، وعن ابن كثير. وغيره من أهل مكة ﴿عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ بتخفيف الدال ونقلها عن ابن كثير ابن خالويه. وأبو ال