المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم خاطب تعالى المؤمنين بحكم الزوجة تطلق قبل البناء(١)، واستدل بعض الناس بقوله ﴿ثم طلقتموهن﴾ وبمهلة ثم على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، وأن من طلق المرأة قبل نكاحها وإن عينها فإن ذلك لا يلزمه، وقال هذا نيف على ثلاثين من صاحب وتابع وإمام، سمى البخاري منهم اثنين وعشرين(٢)، وقالت طائفة عظيمة من أهل العلم : إن طلاق المعينة الشخص أو القبيل أو البلد لازم قبل النكاح، فمنهم مالك وجميع أصحابه وجمع عظيم من علماء الأمة، وقرأ جمهور القراء «تمسوهن »، وقرأ حمزة والكسائي وطلحة وابن وثاب «تماسوهن » والمعنى فيهما الجماع وهذه العدة إنما هي لاستبراء الرحم وحفظ النسب في الحمل، فمن لم تمس فلا يلزم ذلك فيها، وقرأ جمهور الناس «تعتدّونها » بشد الدال على وزن تفتعلونها من العدد، وروى ابن أبي بزة عن أبي بكر «تعتدُونها » بتخفيف ضمة الدال من العدوان، كأنه قال فما لكم عدة تلزمونها عدواناً وظلماً لهن(٣)، والقراءة الأولى أشهر عن أبي بكر، وتخفيف الدال وهم من ابن أبي بزة(٤).
ثم أمر تعالى بتمتيع المطلقة قبل البناء، واختلف الناس في المتعة، فقال فرقة هي واجبة، وقالت فرقة هي مندوب إليها منهم مالك وأصحابه، وقالت فرقة المتعة للتي لم يفرض لها ونصف المهر للتي فرض لها، وقال سعيد بن المسيب : بل المتعة كانت لجميعهن بهذه الآية، ثم نسخت آية البقرة بالنصف لمن فرض لها ما تضمنته هذه الآية من المتعة.
وهذه الآية خصصت آيتين إحداهما، والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء(٥)، فخصصت هذه الآية من لم يدخل بها، وكذلك خصصت من ذوات الثلاثة الأشهر، وهن من قعدن عن المحيض(٦)، ومن لم يحضن من صغر المطلقات قبل البناء، و «السراح الجميل » هو الطلاق تتبعه عشرة حسنة وكلمة طيبة دون مشادة ولا أذى.
١ يقال: بنى بزوجته وعليها: دخل بها.(المعجم الوسيط)..
٢ سماهم البخاري في باب(لا طلاق قبل النكاح)، لكنه ذكر أربعة وعشرين اسما..
٣ في بعض النسخ:"فما لكم من عدة تلزمونها عدوانا وظلما وظلما لهن"..
٤ قال أبو حيان تعقيبا على كلام ابن عطية بعد أن ذكره:"وليس بوهم؛ إذ قد نقلها عن ابن كثير ابن خالويه، وأبو الفضل الرازي في كتاب"اللوامح" في شواذ القراءات، ونقلها الرازي المذكور عن أهل مكة، وقال: هو من الاعتداد لا محالة، لكنهم كرهوا التضعيف فخففوه، فإن جعلت من الاعتداء الذي هو الظلم ضعف؛ لأن الاعتداء يتعدى بعلى"، ثم أكمل أبو حيان كلامه فقال:"وإذا كان يتعدى بعلى فيجوز أن يحذف(على) ويصل الفعل على الضمير، نحو قوله:
تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني
أي: لقضى علي". وقال الزمخشري:"وقرئ(تعتدونها) مخففا، أي: تعتدون فيها، كقوله: ويوما شهدناه، والمراد بالاعتداء ما في قوله:﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾، ومعنى كلامه أنه لما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى ضمير العدة، وذلك قول الشاعر: د
ويوما شهدناه سليما وعامرا
أي: شهدنا فيه سليما وعامرا، أما على تقدير(على) فيكون المعنى: تعتدون عليهن فيها..

٥ من الآية(٢٢٨) من سورة(البقرة)..
٦ وهن اللائي ذكرهن الله سبحانه وتعالى في قوله:﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾-من الآية(٤) من سورة(الطلاق)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى