تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
﴿ياأيها النبى إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ وبنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأَةً مُّؤمِنَةً إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِىِّ إنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ﴾.
نداء رابع خوطب به النبي ﷺ في شأن خاص به هو بيان ما أحلّ له من الزوجات والسراري وما يزيد عليه وما لا يزيد مما بعضه تقرير لتشريع له سابق وبعضه تشريع له للمستقبل، ومما بعضه يتساوى فيه النبي عليه الصلاة والسلام مع الأمة وبعضه خاص به أكرمه الله بخصوصيته مما هو توسعة عليه، أو مما روعي في تخصيصه به علوّ درجته.
ولعل المناسبة لورودها عقب الآيات التي قبلها أنه لما خاض المنافقون في تزوّج النبي ﷺ زينب بنتِ جحش وقالوا : تزوج من كانت حليلة متبنّاه، أراد الله أن يجمع في هذه الآية مَن يحل للنبيء تزوجهن حتى لا يقع الناس في تردد ولا يفتنهم المرجفون. ولعل ما حدث من استنكار بعض النساء أن تهدي المرأة نفسها لرجل كان من مناسبات اشتمالها على قوله :﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيء﴾ الآية، ولذلك جمعت الآية تقرير ما هو مشروع وتشريع ما لم يكن مشروعاً لتكون جامعة للأحوال، وذلك أوعب وأقطع للتردد والاحتمال.
فأما تقرير ما هو مشروع فذلك من قوله تعالى :﴿إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن﴾ إلى قوله :﴿وبنات خالاتك﴾، وأما تشريع ما لم يكن مشروعاً فذلك من قوله :﴿اللاتي هاجرن معك﴾ إلى قوله :﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب: ٥٢].
فقوله تعالى :﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ خبر مُراد به التشريع. ودخول حرف ( إنّ ) عليه لا ينافي إرادة التشريع إذ موقع ( إنَّ ) هنا مجرد الاهتمام، والاهتمام يناسب كلاّ من قصد الإِخبار وقصدِ الإِنشاء، ولذلك عُطفت على مفعول ﴿أحللنا﴾ معطوفات قيدت بأوصاف لم يكن شرعها معلوماً من قبل وذلك في قوله :﴿وبنات عمك﴾ وما عطف عليه باعتبار تقييدهن بوصف ﴿الاتي هاجرن معك﴾، وفي قوله :﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها﴾ باعتبار تقييدها بوصف الإِيمان وتقييدها ب« إن وهبت نفسها للنبي وأراد النبي أن يستنكحها ». هذا تفسير الآية على ما درج عليه المفسرون على اختلاف قليل بين أقوالهم.
وعندي : أن الآية امتنان وتذكير بنعمة على النبي ﷺ وتؤخذ من الامتنان الإِباحة ويؤخذ من ظاهر قوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ [الأحزاب: ٥٢] الاقتصار على اللاتي في عصمته منهن وقت نزول الآية، ولتكون هذه الآية تمهيداً لقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ الخ.
وسيجيء ما لنا في معنى قوله :﴿من بعدُ﴾ وما لنا في موضع قوله ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها﴾.
ومعنى ﴿أحللنا لك﴾ الإِباحة له، ولذلك جاءت مقابلته بقوله عقب تعداد المحلّلات له ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾.
وإضافة أزواج إلى ضمير النبي ﷺ تفيد أنّهن الأزواج اللاتي في عصمته، فيكون الكلام إخباراً لتقرير تشريع سابق ومسوقاً مساق الامتنان، ثم هو تمهيد لما سيتلوه من التشريع الخاص بالنبي ﷺ من قوله :﴿اللاتي هاجرن معك﴾ إلى قوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب: ٥٢]. وهذا هو الوجه عندي في تفسير هذه الآية.
وحكى ابن الفرس عن الضحاك وابن زيد أن المعنى بقوله :﴿أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ أن الله أحلّ له أن يتزوج كل امرأة يُصدقها مهرها فأباح له كل النساء، وهذا بعيد عن مقتضى إضافة أزواج إلى ضميره. وعن التعبير ب ﴿آتيت أجورهن﴾ بصيغة المضيّ. واختلف أهل التأويل في محمل هذا الوجه مع قوله تعالى في آخر الآية :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ فقال قوم : هذه ناسخة لقوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ ولو تقدمت عليها في التلاوة. وقال آخرون : هي منسوخة بقوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾.
و ﴿اللاتي آتيت أجورهن﴾ صفة ل ﴿أزواجك﴾، أي وهن النسوة اللاتي تزوجتهن على حكم النكاح الذي يعم الأمة، فالماضي في قوله :﴿آتيت أجورهن﴾ مستعمل في حقيقته. وهؤلاء فيهن من هن من قراباته وهن القرشيات منهن : عائشة، وحفصة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وفيهن من لسن كذلك وهنّ : جويرية من بني المصطلق، وميمونة بنت الحارث من بني هلال، وزينب أم المساكين من بني هلال، وكانت يومئذٍ متوفاة، وصفية بنت حيي الإِسرائيلية.
وعطف على هؤلاء نسوة أخر وهنّ ثلاثة أصناف :
الصنف الأول : ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، أي مما أعطاه الله من الفيء، وهو ما ناله المسلمون من العدوّ بغير قتال ولكن تركَه العدو، أو مما أعطي للنبيء ﷺ مثل مارية القبطية أمّ ابنه إبراهيم فقد أفاءها الله عليه إذ وهبها إليه المقوقس صاحب مصر، وإنما وهبها إليه هدية لمكان نبوءته فكانت بمنزلة الفيء لأنها ما لوحظ فيها إلا قصد المسالمة من جهة الجوار، إذ لم تكن له مع الرسول ﷺ سابق صحبة ولا معرفة، والمعروف أن النبي ﷺ لم يتسرّ غير مارية القبطية. وقيل : إنه تسرى جارية أخرى وهبتها له زوجه زينبُ ابنة جحش ولم يثبت. وقيل أيضاً : إنه تسرى ريحانَة من سبي قريظة اصطفاها لنفسه ولا تشملها هذه الآية لأنها ليست من الفيء ولكن من المغنم إلا أن يراد ب ﴿مما أفاء الله عليك﴾ المعنى الأعم للفيء وهو ما يشمل الغنيمة.
وهذا الحكم يشركه فيه كثير من الأمة من كل من أعطاه أميره شيئاً من الفيء، كما قال تعالى :﴿ما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الحشر: ٧] فمن أعطاه الأمير من هؤلاء الأصناف أمة من الفيء حلّت له.
وقوله :﴿مما أفاء الله عليك﴾ وصف لما ملكت يمينك وهو هنا وصف كاشف لأن المراد به مارية القبطية، أو هي وريحانة إن ثبت أنّه تسراها.
الصنف الثاني : نساء من قريب قرابته ﷺ من جهة أبيه أو من جهة أمه مؤمنات مهاجرات. وأغنى قوله :﴿هاجرن معك﴾ عن وصف الإِيمان لأن الهجرة لا تكون إلا بعد الإِيمان، فأباح الله للنبيء عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من يشاء من نساء هذا الصنف بعقد النكاح المعروف، فليس له أن يتزوج في المستقبل امرأة من غير هذا الصنف المشروط بشرط القرابة بالعمومة أو الخؤولة وشرط الهجرة. وعندي : أن الوصفين ببنات عمه وعمّاته وبناتتِ خاله وخالاته، وبأنهن هاجَرْن معه غير مقصود بهما الاحتراز عمن لسن كذلك ولكنه وصف كاشف مسوق للتنويه بشأنهن.
وخص هؤلاء النسوة من عموم المنع تكريماً لشأن القرابة والهجرة التي هي بمنزلة القرابة لقوله تعالى :﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢]. وحكم الهجرة انقضى بفتح مكة. وهذا الحكم يتجاذبه الخصوصية للرسول ﷺ والتعميم لأمته، فالمرأة التي تستوفي هذا الوصف يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام ولأمته الذين تكون لهم قرابة بالمرأة كهذه القرابة تزوجُ أمثالها، والمرأة التي لم تستوف هذا الوصف لا يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها، وهو الذي درج عليه الجمهور، ويؤيده خبر روي عن أمّ هاني بنت أبي طالب. وقال أبو يوسف : يجوز لرجال أمته نكاح أمثالها. وباعتبار عدم تقييد نساء الرسول ﷺ بعدد يكون هذا الإطلاق خاصاً به دون أمته إذ لا يجوز لغيره تزوج أكثر من أربع.
وبنات عمّ النبي ﷺ هن بنات إخوة أبيه مثل : بنات العباس وبنات أبي طالب وبنات أبي لهب. وأما بنات حمزة فإنهن بنات أخ من الرضاعة لا يحللن له، وبناتُ عماته هن بنات عبد المطلب مثل زينب بنت جحش التي هي بنت أميمة بنت عبد المطلب.
وبناتُ خاله هنّ بنات عبد مناف بن زُهرة وهن أخوال النبي ﷺ عبد يغوث بن وهب أخو آمنة، ولم يذكروا أن له بنات، كما أني لم أقف على ذكر خالة لرسول الله فيما رأيت من كتب الأنساب والسير. وقد ذكر في « الإصابة » فريعة بنتَ وهب وذكروا هالة بنت وهب الزهرية إلا أنها لكونها زوجةَ عبد المطلب وابنتها صفية عمة رسول الله فقد دخلت من قبل في بنات عمه.
وإنما أُفرد لفظ ( عم ) وجُمع لفظ ( عمات ) لأن العم في استعمال كلام العرب يطلق على أخي الأب ويطلق على أخي الجد وأخي جد الأب وهكذا فهم يقولون : هؤلاء بنو عم أو بنات عم، إذا كانوا لعم واحد أو لعدة أعمام، ويفهم المراد من القرائن. قال الراجز أنشده الأخفش :
وقال رؤبة بن العجاج :
فأما لفظ ( العمة ) فإنه لا يراد به الجنس في كلامهم، فإذا قالوا : هؤلاء بنو عمةٍ، أرادوا أنهم بنو عمةٍ معيّنة، فجيء في الآية :﴿عماتك﴾ جمعاً لئلا يفهم منه بنات عمة معينة. وكذلك القول في إفراد لفظ ( الخال ) من قوله :﴿بنات خالك﴾ وجمع الخالة في قوله :﴿وبنات خالاتك﴾.
وقال قوم : المراد ببنات العم وبنات العمات : نساء قريش، والمراد ببنات الخال : النساء الزهريات، وهو اختلاف نظري محض لا ينبني عليه عمل لأن النبي قد عُرفت أزواجه.
وقوله :﴿اللاني هاجرن معك﴾ صفة عائدة إلى ﴿بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ كشأن الصفة الواردة بعد مفردات، وهو شرط تشريع لم يكن مشروطاً من قبل.
والمعية في قوله :﴿اللاتي هاجرن معك﴾ معية المقارنة في الوصف المأخوذ من فعل ﴿هاجرن﴾ فليس يلزم أن يكنَّ قد خرجْنَ مصاحبات له في طريقه إلى الهجرة.
الصنف الثالث : امرأة تَهب نفسها للنبيء ﷺ أي تجعل نفسها هبة له دون مهر، وكذلك كان النساء قبل الإسلام يفعلن مع عظماء العرب، فأباح الله للنبيء أن يتخذها زوجة له بدون مهر إذا شاء النبي ﷺ ذلك، فهذا حقيقة لفظ ﴿وهبت﴾، فالمراد من الهبة : تزويج نفسها بدون عوض، أي بدون مهر، وليست هذه من الهبة التي تستعمل في صيغ النكاح إذا قارنها ذكر صداق لأن ذلك اللفظ مجاز في النكاح بقرينة ذكر الصداق ويصح عقد النكاح به عندنا وعند الحنفية خلافاً للشافعي.
فقوله :﴿وامرأة﴾ عطف على ﴿أزواجك﴾. والتقدير : وأحللنا لك امرأة مؤمنة.
والتنكير في ﴿امرأة﴾ للنوعية : والمعنى : ونُعلمك أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة بقيد أن تهب نفسها لك وأن تريد أن تتزوجها فقوله :﴿للنبيء﴾ في الموضعين إظهار في مقام الإِضمار. والمعنى : إن وهبتْ نفسها لك وأردتَ أن تنكحها. وهذا تخصيص من عموم قوله :﴿وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ فإذا وهبت امرأة نفسها للنبيء ﷺ وأراد نكاحها جاز له ذلك بدون ذينك الشرطين ولأجل هذا وصفت ﴿امرأة﴾ ب ﴿مؤمنة﴾ ليعلم عدم اشتراط ما عدا الإيمان. وقد عُدّت زينب بنت خُزيمة الهلالية وكانت تدعى في الجاهلية أمَّ المساكين في اللاتي وهبن أنفسهن، ولم تلبث عنده زينب هذه إلا قليلاً فتوفيت وكان تزوجها سنة ثلاث من الهجرة فليست مما شم
نداء رابع خوطب به النبي ﷺ في شأن خاص به هو بيان ما أحلّ له من الزوجات والسراري وما يزيد عليه وما لا يزيد مما بعضه تقرير لتشريع له سابق وبعضه تشريع له للمستقبل، ومما بعضه يتساوى فيه النبي عليه الصلاة والسلام مع الأمة وبعضه خاص به أكرمه الله بخصوصيته مما هو توسعة عليه، أو مما روعي في تخصيصه به علوّ درجته.
ولعل المناسبة لورودها عقب الآيات التي قبلها أنه لما خاض المنافقون في تزوّج النبي ﷺ زينب بنتِ جحش وقالوا : تزوج من كانت حليلة متبنّاه، أراد الله أن يجمع في هذه الآية مَن يحل للنبيء تزوجهن حتى لا يقع الناس في تردد ولا يفتنهم المرجفون. ولعل ما حدث من استنكار بعض النساء أن تهدي المرأة نفسها لرجل كان من مناسبات اشتمالها على قوله :﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيء﴾ الآية، ولذلك جمعت الآية تقرير ما هو مشروع وتشريع ما لم يكن مشروعاً لتكون جامعة للأحوال، وذلك أوعب وأقطع للتردد والاحتمال.
فأما تقرير ما هو مشروع فذلك من قوله تعالى :﴿إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن﴾ إلى قوله :﴿وبنات خالاتك﴾، وأما تشريع ما لم يكن مشروعاً فذلك من قوله :﴿اللاتي هاجرن معك﴾ إلى قوله :﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب: ٥٢].
فقوله تعالى :﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ خبر مُراد به التشريع. ودخول حرف ( إنّ ) عليه لا ينافي إرادة التشريع إذ موقع ( إنَّ ) هنا مجرد الاهتمام، والاهتمام يناسب كلاّ من قصد الإِخبار وقصدِ الإِنشاء، ولذلك عُطفت على مفعول ﴿أحللنا﴾ معطوفات قيدت بأوصاف لم يكن شرعها معلوماً من قبل وذلك في قوله :﴿وبنات عمك﴾ وما عطف عليه باعتبار تقييدهن بوصف ﴿الاتي هاجرن معك﴾، وفي قوله :﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها﴾ باعتبار تقييدها بوصف الإِيمان وتقييدها ب« إن وهبت نفسها للنبي وأراد النبي أن يستنكحها ». هذا تفسير الآية على ما درج عليه المفسرون على اختلاف قليل بين أقوالهم.
وعندي : أن الآية امتنان وتذكير بنعمة على النبي ﷺ وتؤخذ من الامتنان الإِباحة ويؤخذ من ظاهر قوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ [الأحزاب: ٥٢] الاقتصار على اللاتي في عصمته منهن وقت نزول الآية، ولتكون هذه الآية تمهيداً لقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ الخ.
وسيجيء ما لنا في معنى قوله :﴿من بعدُ﴾ وما لنا في موضع قوله ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها﴾.
ومعنى ﴿أحللنا لك﴾ الإِباحة له، ولذلك جاءت مقابلته بقوله عقب تعداد المحلّلات له ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾.
وإضافة أزواج إلى ضمير النبي ﷺ تفيد أنّهن الأزواج اللاتي في عصمته، فيكون الكلام إخباراً لتقرير تشريع سابق ومسوقاً مساق الامتنان، ثم هو تمهيد لما سيتلوه من التشريع الخاص بالنبي ﷺ من قوله :﴿اللاتي هاجرن معك﴾ إلى قوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب: ٥٢]. وهذا هو الوجه عندي في تفسير هذه الآية.
وحكى ابن الفرس عن الضحاك وابن زيد أن المعنى بقوله :﴿أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ أن الله أحلّ له أن يتزوج كل امرأة يُصدقها مهرها فأباح له كل النساء، وهذا بعيد عن مقتضى إضافة أزواج إلى ضميره. وعن التعبير ب ﴿آتيت أجورهن﴾ بصيغة المضيّ. واختلف أهل التأويل في محمل هذا الوجه مع قوله تعالى في آخر الآية :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ فقال قوم : هذه ناسخة لقوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ ولو تقدمت عليها في التلاوة. وقال آخرون : هي منسوخة بقوله :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾.
و ﴿اللاتي آتيت أجورهن﴾ صفة ل ﴿أزواجك﴾، أي وهن النسوة اللاتي تزوجتهن على حكم النكاح الذي يعم الأمة، فالماضي في قوله :﴿آتيت أجورهن﴾ مستعمل في حقيقته. وهؤلاء فيهن من هن من قراباته وهن القرشيات منهن : عائشة، وحفصة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وفيهن من لسن كذلك وهنّ : جويرية من بني المصطلق، وميمونة بنت الحارث من بني هلال، وزينب أم المساكين من بني هلال، وكانت يومئذٍ متوفاة، وصفية بنت حيي الإِسرائيلية.
وعطف على هؤلاء نسوة أخر وهنّ ثلاثة أصناف :
الصنف الأول : ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، أي مما أعطاه الله من الفيء، وهو ما ناله المسلمون من العدوّ بغير قتال ولكن تركَه العدو، أو مما أعطي للنبيء ﷺ مثل مارية القبطية أمّ ابنه إبراهيم فقد أفاءها الله عليه إذ وهبها إليه المقوقس صاحب مصر، وإنما وهبها إليه هدية لمكان نبوءته فكانت بمنزلة الفيء لأنها ما لوحظ فيها إلا قصد المسالمة من جهة الجوار، إذ لم تكن له مع الرسول ﷺ سابق صحبة ولا معرفة، والمعروف أن النبي ﷺ لم يتسرّ غير مارية القبطية. وقيل : إنه تسرى جارية أخرى وهبتها له زوجه زينبُ ابنة جحش ولم يثبت. وقيل أيضاً : إنه تسرى ريحانَة من سبي قريظة اصطفاها لنفسه ولا تشملها هذه الآية لأنها ليست من الفيء ولكن من المغنم إلا أن يراد ب ﴿مما أفاء الله عليك﴾ المعنى الأعم للفيء وهو ما يشمل الغنيمة.
وهذا الحكم يشركه فيه كثير من الأمة من كل من أعطاه أميره شيئاً من الفيء، كما قال تعالى :﴿ما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الحشر: ٧] فمن أعطاه الأمير من هؤلاء الأصناف أمة من الفيء حلّت له.
وقوله :﴿مما أفاء الله عليك﴾ وصف لما ملكت يمينك وهو هنا وصف كاشف لأن المراد به مارية القبطية، أو هي وريحانة إن ثبت أنّه تسراها.
الصنف الثاني : نساء من قريب قرابته ﷺ من جهة أبيه أو من جهة أمه مؤمنات مهاجرات. وأغنى قوله :﴿هاجرن معك﴾ عن وصف الإِيمان لأن الهجرة لا تكون إلا بعد الإِيمان، فأباح الله للنبيء عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من يشاء من نساء هذا الصنف بعقد النكاح المعروف، فليس له أن يتزوج في المستقبل امرأة من غير هذا الصنف المشروط بشرط القرابة بالعمومة أو الخؤولة وشرط الهجرة. وعندي : أن الوصفين ببنات عمه وعمّاته وبناتتِ خاله وخالاته، وبأنهن هاجَرْن معه غير مقصود بهما الاحتراز عمن لسن كذلك ولكنه وصف كاشف مسوق للتنويه بشأنهن.
وخص هؤلاء النسوة من عموم المنع تكريماً لشأن القرابة والهجرة التي هي بمنزلة القرابة لقوله تعالى :﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢]. وحكم الهجرة انقضى بفتح مكة. وهذا الحكم يتجاذبه الخصوصية للرسول ﷺ والتعميم لأمته، فالمرأة التي تستوفي هذا الوصف يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام ولأمته الذين تكون لهم قرابة بالمرأة كهذه القرابة تزوجُ أمثالها، والمرأة التي لم تستوف هذا الوصف لا يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها، وهو الذي درج عليه الجمهور، ويؤيده خبر روي عن أمّ هاني بنت أبي طالب. وقال أبو يوسف : يجوز لرجال أمته نكاح أمثالها. وباعتبار عدم تقييد نساء الرسول ﷺ بعدد يكون هذا الإطلاق خاصاً به دون أمته إذ لا يجوز لغيره تزوج أكثر من أربع.
وبنات عمّ النبي ﷺ هن بنات إخوة أبيه مثل : بنات العباس وبنات أبي طالب وبنات أبي لهب. وأما بنات حمزة فإنهن بنات أخ من الرضاعة لا يحللن له، وبناتُ عماته هن بنات عبد المطلب مثل زينب بنت جحش التي هي بنت أميمة بنت عبد المطلب.
وبناتُ خاله هنّ بنات عبد مناف بن زُهرة وهن أخوال النبي ﷺ عبد يغوث بن وهب أخو آمنة، ولم يذكروا أن له بنات، كما أني لم أقف على ذكر خالة لرسول الله فيما رأيت من كتب الأنساب والسير. وقد ذكر في « الإصابة » فريعة بنتَ وهب وذكروا هالة بنت وهب الزهرية إلا أنها لكونها زوجةَ عبد المطلب وابنتها صفية عمة رسول الله فقد دخلت من قبل في بنات عمه.
وإنما أُفرد لفظ ( عم ) وجُمع لفظ ( عمات ) لأن العم في استعمال كلام العرب يطلق على أخي الأب ويطلق على أخي الجد وأخي جد الأب وهكذا فهم يقولون : هؤلاء بنو عم أو بنات عم، إذا كانوا لعم واحد أو لعدة أعمام، ويفهم المراد من القرائن. قال الراجز أنشده الأخفش :
| ما بَرئتْ من ريبة وذمّ | في حربنا إلا بناتُ العمّ |
| قالت بنات العم يا سلمى وإنْ | كان فقيراً مُعدماً قالت وإنْ |
وقال قوم : المراد ببنات العم وبنات العمات : نساء قريش، والمراد ببنات الخال : النساء الزهريات، وهو اختلاف نظري محض لا ينبني عليه عمل لأن النبي قد عُرفت أزواجه.
وقوله :﴿اللاني هاجرن معك﴾ صفة عائدة إلى ﴿بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ كشأن الصفة الواردة بعد مفردات، وهو شرط تشريع لم يكن مشروطاً من قبل.
والمعية في قوله :﴿اللاتي هاجرن معك﴾ معية المقارنة في الوصف المأخوذ من فعل ﴿هاجرن﴾ فليس يلزم أن يكنَّ قد خرجْنَ مصاحبات له في طريقه إلى الهجرة.
الصنف الثالث : امرأة تَهب نفسها للنبيء ﷺ أي تجعل نفسها هبة له دون مهر، وكذلك كان النساء قبل الإسلام يفعلن مع عظماء العرب، فأباح الله للنبيء أن يتخذها زوجة له بدون مهر إذا شاء النبي ﷺ ذلك، فهذا حقيقة لفظ ﴿وهبت﴾، فالمراد من الهبة : تزويج نفسها بدون عوض، أي بدون مهر، وليست هذه من الهبة التي تستعمل في صيغ النكاح إذا قارنها ذكر صداق لأن ذلك اللفظ مجاز في النكاح بقرينة ذكر الصداق ويصح عقد النكاح به عندنا وعند الحنفية خلافاً للشافعي.
فقوله :﴿وامرأة﴾ عطف على ﴿أزواجك﴾. والتقدير : وأحللنا لك امرأة مؤمنة.
والتنكير في ﴿امرأة﴾ للنوعية : والمعنى : ونُعلمك أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة بقيد أن تهب نفسها لك وأن تريد أن تتزوجها فقوله :﴿للنبيء﴾ في الموضعين إظهار في مقام الإِضمار. والمعنى : إن وهبتْ نفسها لك وأردتَ أن تنكحها. وهذا تخصيص من عموم قوله :﴿وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ فإذا وهبت امرأة نفسها للنبيء ﷺ وأراد نكاحها جاز له ذلك بدون ذينك الشرطين ولأجل هذا وصفت ﴿امرأة﴾ ب ﴿مؤمنة﴾ ليعلم عدم اشتراط ما عدا الإيمان. وقد عُدّت زينب بنت خُزيمة الهلالية وكانت تدعى في الجاهلية أمَّ المساكين في اللاتي وهبن أنفسهن، ولم تلبث عنده زينب هذه إلا قليلاً فتوفيت وكان تزوجها سنة ثلاث من الهجرة فليست مما شم