روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿يا أيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتي ءاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن كما قال مجاهد، وغيره وأطلق الأجر على المهر لأنه أجر على الاستمتاع بالبضع وغيره مما يجوز به الاستمتاع وتقييد الإحلال له بإعطائها معجلة كما يفهم من معنى ﴿ءاتَيْتَ﴾ ظاهراً ليس لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له ﷺ فإن في للتعجيل براءة الذمة وطيب النفس ولذا كان سنة السلف لا يعرف منهم غيره، وقال الإمام : من الناس من قال بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولاً وذلك لأن المرأة لها الامتناع من تسليم نفسها إلى أن تأخذ المهر والنبي ﷺ ما كان يستوفي ما لا يجب له والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حلالاً وكيف والنبي عليه الصلاة والسلام إذا طلب شيئاً حرم الامتناع فلو طلب التمكين قبل إيتاء المهر لزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا كذلك أحدنا اه، وفيه بحث لا يخفى، وحمل الإيتاء على الإعطاء وما في حكمه كالتسمية في العقد، وجعل التقييد لإيثار الأفضل أيضاً فإن التسمية أولى من تركها وإن جاز العقد بدونها ولزم مهر المثل خلاف الظاهر.
واستدل أبو الحسن الكرخي من أصحابنا بقوله تعالى :﴿يا أيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى﴾ على أن النكاح ينعقد بلفظ الإجارة كما ينعقد بلفظ التزويج ويكون لفظ الإجارة مجازاً عنه لأن الثابت بكل منهما ملك منفعة فوجد المشترك ورد بأنه لا يلزم من تسمية المهر أجراً صحة النكاح بلفظ الإجارة وما ذكر من التجوز ليس بشيء لأن الإجارة ليست سبباً لملك المنفعة حتى يتجوز بها عنه قاله في «الهداية »، وقال بعضهم : إن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح يشترط فيه نفيه فيتضادان فلا يستعار أحدهما للآخر. وتعقب بأنه إن كان المتضادان هما العرضين اللذين لا يجتمعان في محل واحد لزمكم مثله في البيع من كونه لا يجامع النكاح مع جواز العقد به عند الأصحاب، على أن التحقيق أن التوقيت ليس مفهوم لفظ الإجارة ولا جزا منه بل شرط لاعتباره فيكون خارجاً عنه فهو مجرد تمليك المنافع بعوض غير أنه إذا وقع مجرداً لا يعتبر شرعاً على مثال الصلاة فإنها الأقوال والأفعال المعروفة ولو وجدت من غير طهارة لا تعتبر، ولا يقال : إن الطهارة جزء مفهوم الصلاة هذا ومثل تقييد إحلال الأزواج بما ذكر على ما قيل تقييد إحلال المملوكة بكونها ممن باشر سباءها وشاهده في قوله تعالى :﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ﴾ فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليه الجواز كون السبي ليس في محله، ولذا نكح بعض المتورعين الجواري بعقد بعد الشراء مع القول بعدم صحة العقد على الإماء.
واستشكل ذلك بمارية بنت شمعون القبطية رضي الله تعالى عنها فإنها لم تكن مسبية بل أهداها له ﷺ أمير القبط جريج بن مينا صاحب الإسكندرية ومصر. وأجيب بأن هذا غير وارد لأن هدايا أهل الحرب للإمام لها حكم الفيء، وقد يقال : إنه يستشكل بسرية له ﷺ أخرى وهي جارية وهبتها له عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وكان هجرها عليه الصلاة والسلام في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفر فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه رضي الله تعالى عنها ودخل عليها فقالت ما أدري ما أجزيك فوهبتها له وقد عدوها من سراريه ﷺ والجواب المذكور لا يتسنى فيها، ولعل الجواب عن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام تسراها بياناً للجواز ولا يبعد أنه كان متحققاً بدء أمرها وما جرى عليها بحيث كأنه باشر سبيها وشاهده، ويحتمل أنها كانت مما أفاء الله تعالى عليه عليه الصلاة والسلام فملكتها زينب بعض أسباب الملك ثم وهبتها له ﷺ.
ومع ذلك قد أطلق عليه الصلاة والسلام حل المملوكة بعد ولم يقيد بحسب الظاهر بكونها مما أفاء الله عليه في قوله تعالى :﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢].
ثم إن هبة هذه الجارية كانت شهر وفاته ﷺ والآية نزلت قبل لأنها نزلت أما سنة الأحزاب وهي السنة الخامسة من الهجرة وإما بعيد الفتح وهو السنة الثامنة منها وعلى هذا يكون ما وقع من أمر مارية متقدماً على نزول الآية لأنها أهديت له ﷺ السنة السابعة من الهجرة فإنه عليه الصلاة والسلام فيها أرسل رسله إلى الملوك ومنهم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي أرسله إلى المقوقس أمير القبط المتقدم ذكره فقدم منه بمارية وبأختها شيرين وبأخ أو بابن عم لها خصي يقال له مابور وببغلة تسمى دلدلا وبحمار يسمى يعفورا أو عفيراً وبألف مثقال ذهباً وبغير ذلك فتدبر، ومثل ما ذكر على ما قيل تقييد القرائب بكونها مهاجرات معه ﷺ في قوله سبحانه.
﴿وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ﴾ فهن أفضل من غيرهن، والمعية للتشريك في الهجرة لا للمقارنة في الزمان كأسلمت مع سليمان، قال أبو حيان : يقال دخل فلان معي وخرج معي أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان، ولو قلت : خرجنا معاً اقتضى المعنيين الاشتراك في الفعل والاقتران في الزمان وهو كلام حسن، وحكى الماوردي قولاً بأن الهجرة شرط في إحلال الأزواج على الإطلاق وهو ضعيف جداً.
وقولاً آخر بأنها شرط في إحلال قراباته عليه الصلاة والسلام المذكورات واستدل له بما أخرجه بن سعد. وعبد بن حميد. والترمذي وحسنه. وابن جرير. وابن أبي حاتم. والطبراني. والحاكم وصححه. وابن مردويه. والبيهقي عن أم هانئ فأخته بنت أبي طالب قالت :«خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني فأنزل الله تعالى :﴿جَمِيلاً ياأيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك﴾ إلى قوله سبحانه :﴿هاجرن مَعَكَ﴾ قالت فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء » وأجيب بأن عدم الحل لفقد الهجرة إنما فهم من قول أم هانئ فلعلها إنما قالت ذلك حسب فهمها إياه من الآية وهو لا ينتهض حجة علينا إلا إذا جاءت به رواية عن النبي ﷺ، لا يقال : إنه أخرج ابن سعد عن أبي صالح مولى أم هانئ قال :«خطب رسول الله ﷺ أم هانئ بنت أبي طالب فقالت : يا رسول الله إني مؤتمة وبنى صغار فلما أدرك بنوها عرضت نفسها عليه عليه الصلاة والسلام فقال : أما الآن فلا إن الله تعالى أنزل على ﴿وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ﴾ ولم تكن من المهاجرات وهو يدل على أنه نفسه ﷺ فهم الحرمة وإلا لتزوجها لأنا نقول بعد تسليم صحة الخبر ؛ لا نسلم أنه ﷺ فهم الحرمة وعدم التزوج يحوز أن يكون لكونه خلاف الأفضل، ويدل خبر أم هانئ على أن هذه الآية نزلت بعد الفتح فلا تغفل. وادعى بعضهم أن تحريم نكاح غير المهاجرة عليه ﷺ كان أولاً ثم نسخ، وعن قتادة أن معنى ﴿هاجرن مَعَكَ﴾ أسلمن معك، قيل : وعلى هذا لا يحرم عليه عليه الصلاة والسلام إلا الكافرات وهو في غاية البعد كما لا يخفى، والظاهر أن المراد بأزواجك اللاتي آتيت مهورهن نساؤه ﷺ اللاتي كن في عصمته وقد آتاهن مهورهن كعائشة. وحفصة. وسودة وبما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك نحو ريحانة بناء على ما قاله محمد ابن إسحاق أنه ﷺ لما فتح قريظة اصطفاها لنفسه فكانت عنده حتى توفيت عنده وهي في ملكه ووافقه في ذلك غيره أخرج الواقدي بسنده إلى أيوب بن بشير قال إنه عليه الصلاة والسلام أرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها فجاءت أم المنذر فأخبرته ﷺ فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها : إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت فقالت : يا رسول الله أحب أن أخف عليك وأن أكون في ملكك فكانت في ملك رسول الله ﷺ يطؤها حتى ماتت.
وذهب بعضهم إلى أنه عليه الصلاة والسلام أعتقها وتزوجها، وأخرج ذلك الواقدي أيضاً عن ابن أبي ذئب عن الزهري ثم قال : وهذا الحديث أثبت عندنا : وروى عنها أنها قالت : لما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله ﷺ فكنت فيمن عرض عليه فأمر بي فعزلت وكان له صفي كل غنيمة فلما عزلت خار الله تعالى لي فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياماً حتى قتل الأسرى وفرق السبي فدخل على ﷺ فتجنبت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يديه فقال : إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله ﷺ لنفسه فقلت : إني أختار الله تعالى ورسوله فلما أسلمت أعتقني رسول الله ﷺ وتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ذهباً كما كان يصدق نساءه وأعرس بي في بيت أم النذر وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه وضرب على الحجاب، ولم يذكر ابن الأثير غير القول باعتاقها وتزوجها. ومنهم من ذهب إلى أنها أسلمت فأعتقها عليه الصلاة والسلام فلحقت بأهلها وكانت تحتجب عندهم وتقول : لا يراني أحد بعد رسول الله ﷺ وحكى لحوقها بأهلها عن الزهري. وادعى بعضهم بقاءها حية بعده عليه الصلاة والسلام وأنها توفيت سنة ست عشرة أيام خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. وذكر ابن كمال في «تفسيره لبيان الموصول » صفية وجويرية. والمذكور في أكثر المعتبرات في أمرهما أن صفية لما جمع سبي خيبر أخذها دحية وقد قال له ﷺ : اذهب فخذ جارية ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أنها لا تصلح إلا له لكونها بنت سيد قومه فقال لدحية : خذ غيرها وأخذها رسول الله ﷺ وأعتقها وتزوجها وكان صداقها نفسها، وأن جويرية في غزوة بني المصطلق وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكاتبته على نفسها ثم جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله أنا جويرية بنت الحرث وكان من أمري ما لا يخفى عليك ووقعت في سهم ثابت بن قيس وإني كاتبت نفسي فجئت أسألك في كتابتي فقال عليه الصلاة والسلام فهل لك إلى ما هو خير : قالت ؟ وما هو يا رسول الله ؟ قال : أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك قالت : قد فعلت، وقال ابن هشام ويقال اشتراها ﷺ من ثابت وأعتقها وتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم، ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد إحلال ما ملكت يمينه ﷺ حين الملك من حيث أنه ملك له وإن لم يحصل وطء بالفعل يدخل جميع ما ملكه عليه الصلاة والسلام من الجواري حين الملك ولا يضر الاعتاق والتزوج بعد ذلك وحل الوطء بسبب النكاح لا الملك وإن كان المراد إحلال ذلك مع وقوع الوطء بالفعل ووصف الملك قائم لا يصح بيان الموصول إلا بمملوكة وطئها عليه الصلاة والسلام وهي ملكه كريحانة في قول وجارية أصابها في بعض السبي وعدوها من سراريه ﷺ ولم يذكر المعظم اسمها وعد الجلبي من سراريه عليه الصلاة والسلام جارية سماها زليخة القرظية فلعلها هي التي لم تسم وكمارية القبط

تفسير هذه الآية من كتب أخرى