الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله تعالى ذكره :﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾٥٠ إلى قوله :﴿على كل شيء رقيبا﴾ ٥٢ أي : أحل لك يا محمد أزواجك اللاتي أعطيتهن صدقاتهن وأحل لك ما ملكت يمينك من السبي (١)، وأحل لك بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك من هاجر منهن معك دون من لم يهاجر. هذا معنى قول الضاحك (٢).
قال ابن زيد : كل امرأة أتاها مهرها فقد أحلها الله له (٣).
وروى أبو صالح (٤) عن أم هانئ (٥) أنها قالت : " خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى :﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ إلى قوله :﴿هاجرن معك﴾ ولم أكن هاجرت وإنما كنت من الطلقاء فكنت لا أحل له (٦).
وفي قراءة ابن مسعود : " واللاتي هاجرن معك " بالواو (٧) فهذا يدل على أنه قد أحل له من هاجر ومن لم يهاجر.
وقوله :﴿وامرأة مومنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ أي : وأحللنا له امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها له بغير صداق. ﴿إن وهبت﴾ شرط وجوابه محذوف، والتقدير : إن وهبت نفسها حلت له، أي : إن تهب نفسها تحل.
ويجوز أن يكون الجواب هو المحذوف الناصب لامرأة.
وقرأ الحسن : " أن وهبت " بفتح أن (٨) أي لأن وهبت أي : من أجل أن وهبت (٩).
وقيل : هي بدل من " امرأة " على بدل الاشتمال (١٠).
وفي قراءة ابن مسعود : " وامرأة مؤمنة وهبت " بغير إن (١١). والمعنى على ما مضى نقول : كل طعاما إن ملكته، وكل طعاما ملكته أي : ملكته في ما مضى.
ثم قال تعالى :﴿إن أراد النبي أن يستنكحها﴾ أي : ينكحها فحلال له نكاحها إذا وهبت له نفسها بغير مهر.
﴿خالصة لك﴾ أي : لا يحل ذلك لأحد غيرك.
قال قتادة : ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ كانت له خالصة دون سائر أمته (١٢). وروي أنها نزلت في ميمونة بنت الحارث وهبت نفسها للنبي عليه السلام، قاله الزهري وعكرمة ومحمد بن كعب وقتادة (١٣). وقيل : لم يكن عند النبي امرأة وهبت له نفسها بغير صداق وإنما المعنى : إن وقع ذلك فهو حلال يا محمد قاله مجاهد وابن عباس (١٤) وقال علي بن الحسين وعروة (١٥) والشعبي : هي أم شريك (١٦) (١٧) وقيل : هي زينب بنت خزيمة (١٨) (١٩) ولا تكون إلا مكسورة على قول ابن عباس ومجاهد لأنها بمعنى : إن وقع ذلك فيما يستقبل. ويجب أن تكون مفتوحة على قول غيرهما لأنه شيء قد وقع وكان على قولهم.
وقوله :﴿خالصة لك﴾ يرجع على المرأة التي وهبت نفسها دون ما قبلها من قوله :﴿إنا أحللنا لك﴾/ وما بعده. وإنما قال تعالى للنبي ولم يقل لك، لئلا يتوهم أنه يجوز ذلك للغير كما جاز ذلك في :﴿وبنات عمك وبنات عماتك﴾ أي : بنات العم والعمة والخال والخالة يحللن للناس.
وقيل : إنما جاز ذلك لأن العرب تخبر عن الحاضر بأخبار الغائب ثم ترجع فتخاطب.
وروي أن النبي ﷺ كان قبل نزول الآية يتزوج أي النساء شاء فقصره الله على هؤلاء (٢٠)، فلم يعداهن وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ورباع.
ثم قال :﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم﴾ يعني المؤمنين لا يحل لأحد نكاح إلا بولي وعقد وصداق وشهود عدول، وأن لا يزوج الرجل أكثر من أربع وما ملكت اليمين، قاله قتادة وغيره (٢١) ( فالمعنى ) (٢٢) قد علمنا ما في ذلك من الصلاح.
وقال أبي بن كعب في معناها : هو مثنى وثلاث ورباع (٢٣).
ثم قال تعالى :﴿لكيلا يكون عليك حرج﴾ أي : أحللنا لك ما تقدم ذكره لئلا يكون عليك إثم وضيق في نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف المسميات لك في هذه الآية.
ثم قال :﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ أي : غفورا لك ولأهل الإيمان بك، رحيما بك وبهم أن يعاقبهم على ذنوب تابوا منها.
١ المقصود بالسبي هنا النساء المسبيات (الأسيرات).
٢ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٠.
٣ انظر: المصدر السابق.
٤ هو أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني من أجل الناس وأوثقهم، روى عن سعيد وأبي الدرداء وعائشة وأبي هريرة وغيرهم، وروى عنه بنوه سهيل وعبد الله وصالح، وروى عنه أيضا بن عطاء بن أبي رباح توفي سنة ١٠١ هـ انظر: تهذيب التهذيب ٣/٢١٩ والتقريب ١/٢٣٨، ٢.
٥ تقدمت ترجمتها.
٦ أخرجه الترمذي في سننه: أبواب التفسير تفسير سورة الأحزاب ٥/٢٣ (٣٢٦٦) والحاكم في المستدرك ٢/٤٢٠ وأورده الطبري في جامع البيان ٢٢/٢٠، وابن العربي في أحكامه ٣/١٥٥٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٣/٨٥ ـ٨٦ والقرطبي في الجامع ١٤/٢٠٦ وابن كثير في تفسيره ٣٠/٥٠٠ والسيوطي في الدر المنثور ٦/٢٢٨.
٧ انظر: جامع البيان ٢٢/٢١.
٨ انظر: المختصر لابن خالويه ١٢٠ والمحتسب لابن جني ٢/١٨٢ وإعراب النحاس ٣/٣٢٠ ومشكل الإعراب لمكي ٢/٥٧٩، وأحكام ابن العربي ٣/١٥٥٩، والمحرر الوجيز ١٣/٨٦ وقد عزا ابن جني هذه القراءة أيضا إلى أبي بن كعب والثقفي وسلام..
٩ انظر: هذا التعليل في المحتسب ٢/١٨٢.
١٠ انظر: إعراب النحاس ٣/٣٢٠ ومشكل الإعراب لمكي ٢/٥٧٩ والتبيان للعكبري ٢/١٠٥٩ والإملاء له أيضا ـ ١٩٣ والمبدل من امرأة هو "إن وهبت" وبدل الاشتمال هو بدل الشيء مما يشتمل عليه على شرط أن لا يكون جزءا منه، ومن الأمثلة لهذا البدل: "بهرني عمر عدله" راقني معاوية حلمه"، "سرتني عائشة علمها ودينها" فعلي يشتمل على العدل ومعاوية على الحلم، وعائشة على العلم، إذن فالكلمات "عدل"، "حلم"، "علم" بدل اشتمال كل واحدة منها تعين أمرا خاصا في المتبوع، وهو أمر عرضي لا يدخل في تكوين الذات تكوينا ماديا أصيلا. ولا بد في بدل الاشتمال من ضمير يطابق المتبوع في الإفراد والتذكير وفروعهما. وبدل الاشتمال لابد لصحته من صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه وعدم فساد المعنى بحذفه. انظر: النحو الوافي لعباس حسن ٣/٣٦٩، ٦٧٠ وجامع الدروس العربية لمصطفى الغلاييني ٢/٢٣٧.
١١ انظر: المختصر لابن خالويه ١٢٠ وجامع البيان ٢٢/٢١ والمحرر الوجيز ١/٨٦.
١٢ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٢ وتفسير ابن كثير ٣/٥٠١.
١٣ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٣، وأحكام ابن العربي ٣/١٥٥٧ والبحر المحيط ٧/٢٤١ والدر المنثور ٦/٦٣١.
١٤ انظر: الجامع البيان ٢٢/٢٣، والجامع للقرطبي ١٤/٢٠٩ وتفسير مجاهد ٥٥٠.
١٥ هو عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله الأسدي القرشي أخو عبد الله بن الزبير، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة، توفي سنة ٩٣، وقيل سنة ٩٤ هـ انظر: وفيات الأعيان ٣/٢٥٥ (٤١٦) وتذكرة الحفاظ ١/٦٢ (٥١).
١٦ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٣، وأحكام ابن العربي ٣/١٥٥ ومجمع الزوائد للهيثمي كتاب التفسير تفسير سورة الأحزاب ٧/٩٥، والدر المنثور ٦/٥٣٠ ـ ٥٣١.
١٧ أم شريك هي غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية، صحابية يقال: هي الواهبة انظر: الاستيعاب ٤/١٨٨٨ (٤٠٤٥) والإصابة ٤/٣٧٢ (٨٠٥) وتقريب التهذيب ٢/٦٢٢ (٤٨).
١٨ انظر: الجامع للقرطبي ١٤/٢٠٩ وفي نسبة هذا القول إلى عروة والشعبي..
١٩ هي زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو الهلالية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ كانت يقال لها: أم المساكين لأنها كانت تطعمهم وتتصدق عليهم، تزوجها رسول الله ﷺ بعدما توفي زوجها عبد الله بن جحش يوم أحد، ولم تلبث عند رسول الله إلا شهرا أو شهرين وتوفيت انظر: الاستيعاب ٤/١٨٥٣، والإصابة ٤/٣١٥.
٢٠ هو قول ابن عباس في البحر المحيط ٧/٢٤١.
٢١ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٤، والمحرر الوجيز ١٣/٨٦، والجامع للقرطبي ١٤/٢١٤.
٢٢ مثبت في طرة أ.
٢٣ انظر: المحرر الوجيز ١٣/٨٧.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى