محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ لما بين تعالى وعيد من يؤذي نبيه ﷺ، من استحقاقه اللعنة في الدارين، تعريضا بمن صدر منهم شيء من الأذى في قصة زيد وزينب، التي سيقت السورة لأجلها، ختمها أيضا بالوصية بالتباعد عن التشبه بقوم صدر منهم إيذاء لموسى عليه السلام، بتنقصه تارة، وقلة الأدب معه طورا، ونسبته إلى ما ينافي الرسالة آونة. كما يمر كثير من ذلك بقارئ توراتهم. مما ينبئ عن عدم إيفائهم رسالته ونبوته حقها، من التعظيم له والصلاة عليه والتسليم لأمره وقضيته. فكانت النتيجة أن غضب الله عليهم ورماهم بأفانين العقوبات، ولحقتهم المخازي، وبرأ رسوله موسى عليه السلام من إفكهم، ونزه مقامه عن تنقيصهم، بأن حقق فضله، وأسمى منزلته، وآتاه الوجاهة – وهي العظمة والقرب – عنده. وهكذا حقت كلمة اللعنة والخزي على مؤذي رسول الله ﷺ، ولحقهم الدمار، وشرح لنبيه صدره، ورفع له ذكره، وأعلى منزلته، وفخم وجاهته، ما تعاقبت الأدوار. ويقرب من هذه الآية، في المعنى والإشارة، قوله تعالى (١) :﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ وفيهما كلتيهما تسلية للنبي ﷺ بتأسيه بأخيه موسى صلوات الله عليه وسلامه عليهما. وكثيرا ما كان يقول ﷺ في جواب جفاة الأعراب حين ما يبلغه أو يسمع ما يكره :( رحمة الله على موسى. لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ).
وقد روى المفسرون ها هنا آثارا. أحسنها ما أخرجه البزار عن أنس مرفوعا :( كان موسى رجلا حييا. وأنه أتى الماء ليغتسل. فوضع ثيابه على صخرة. وكان لا يكاد تبدو عورته. فقال بنو إسرائيل إن موسى آدر (٢) أو به آفة. يعنون أنه لا يضع ثيابه. فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء بني إسرائيل. فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال. أو كما قال. فذلك قوله :﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ورواه (٣) البخاري في ( صحيحه ) عن أبي هريرة أيضا.
قال الرازي : وحديث إيذاء موسى مختلف فيه – أي لكثرة الروايات فيه – مع أن الإيذاء المذكور في القرآن كاف لقولهم (٤) :﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ وقولهم (٥) :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ وقولهم (٦) ﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ إلى غير ذلك. فقال للمؤمنين : لا تكونوا أمثالهم. انتهى.
وقال ابن كثير : يحتمل أن يكون كل ما روي مرادا. وأن يكون معه غيره. انتهى. أي لعموم المعمول المحذوف. وما بيناه أولا، هو الأقرب. والله أعلم.
تنبيهات :
الأول – ( الوجيه ) لغة بمعنى السيد، كالوجه يقال : هؤلاء وجوه البلد ووجهاؤه. أي أشرافه. وبمعنى ذي الجاه – والجاه القدر والمنزلة. مقلوب عن ( وجه ) فلما أخرت ( الواو ) إلى موضع ( العين ) وصارت جوها، قلبت ( الواو ) ألفا. فصارت ( جاها ). كذا في ( القاموس وشرحه ).
الثاني – قال الزمخشري :﴿وجيها﴾ أي ذا جاه ومنزلة عنده. فلذلك كان يميط عنه التهم ويدفع الأذى ويحافظ عليه لئلا يلحقه وصم لا يوصف بنقيصه. كما يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة. وقال ابن جرير (٧) : أي كان موسى عند الله مشفعا فيما يسأل، ذا وجه ومنزلة عنده. بطاعته إياه، أي مقبولا ومجابا فيما يطلب لقومه من الله تعالى، عناية منه تعالى وتفضيلا.
الثالث – اتخذ العامة، وكثير من المتعالمين، وصف الوجاهة للأنبياء، ذريعة للطلب والرغبة منهم، مما لا ينطبق على عقل ولا نقل، ولا يصدق على المعنى اللغوي بوجه ما. وقد كتب في ذلك الإمام الشيخ محمد عبده فتيا، أبان وجه الصواب فيما تشابه من هذه المسألة. وذلك أنه سئل، رحمه الله، عمن يتوسل بالأنبياء والأولياء، معتقدا أن النبي أو الولي يستميل إرادة الله تعالى عما هي عليه، كما هو المعروف للناس من معنى الشفاعة والجاه عند الحكام. وأن التوسل بهم إلى الله تعالى كالتوسل بأكابر الناس إلى الحكام.
فقال امرؤ : إن هذا مخل بالعقيدة وإن قياس التوسل إلى الله تعالى على التوسل بالحكام محال. وإن عقيدة التوحيد أن لا فاعل ولا نافع ولا ضار إلا الله تعالى. وإنه لا يدعي معه أحد سواه. كما قال تعالى (٨) :﴿فلا تدعو مع الله أحدا﴾ وإن النبي ﷺ، وإن كان أعظم منزلة عند الله تعالى من جميع البشر، وأعظم الناس جاها ومحبة، وأقربهم إليه. ليس له من الأمر شيء، ولا يملك للناس ضرا ولا نفعا ولا رشدا ولا غيره. كما في نص القرآن. وإنما هو مبلغ عن الله تعالى. ولا يتوسل إليه تعالى إلا بالعمل بما جاء على لسانه ﷺ، وإتباع ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون من هديه وسنته. وإنه لا سبب لجلب المنافع ودفع المضار إلا ما هدى الله الناس إليه. ولا معنى للتوسل بنبي أو ولي إلا باتباعه والاقتداء به. يرشدنا إلى هذا كثير من الآيات الواردة في القرآن العظيم، كقوله تعالى (٩) :﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه﴾ (١٠) إلى غير ذلك من الآيات. هذا هو اعتقادي وهو الذي قلته للناس. فإن كنتم ترون فيه خطأ فأرجو بيانه. وإن كان هو الصواب فأرجو إقراري عليه كتابة، لأدافع بذلك من أساء بي الظن.
فأجاب رحمه الله، بعد البسملة والحوقلة : اعتقادك هذا هو الاعتقاد الصحيح. ولا يشوبه شوب من الخطأ. وهو ما يجب على كل مسلم يؤمن بما جاء به محمد ﷺ أن يعتقده. فإن الأساس الذي بنيت عليه رسالة النبي محمد ﷺ هو هذا المعنى من التوحيد. كما قال الله تعالى (١١) :﴿قل هو الله أحد * الله الصمد﴾ و ﴿الصمد﴾ هو الذي يقصد في الحاجات، ويتوجه إليه المربوبون في معونتهم على ما يطلبون، وإمدادهم بالقوة فيما تضعف عنه قواهم. والإتيان بالخبر على هذه الصورة يفيد الحصر. كما هو معروف عند أهل اللغة، فلا صمد إلا هو. وقد أرشدنا إلى وجوب القصد إليه وحده بأصرح عبارة في قوله (١٢) :﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾ وقد قال الشيخ محيي الدين بن العربي، شيخ الصوفية، في صفحة ٢٢٦ من الجزء الرابع من ( فتوحاته ) عند الكلام على هذه الآية : إن الله تعالى لم يترك لعبده حجة عليه. بل لله الحجة البالغة. فلا يتوسل إليه بغيره. فإن التوسل إنما هو طلب القرب منه. وقد أخبرنا الله أنه قريب. وخبره صدق. انتهى ملخصا.
على أن الذين يزعمون جواز شيء مما عليه العامة اليوم في هذا الشأن، إنما يتكلمون فيه بالمبهمات، ويسلكون طرقا من التأويل لا تنطبق على ما في نفوس الناس. ويفسرون الجاه والواسطة بما لا أثر له في مخيلات المعتقدين. فأي حالة تدعوهم إلى ذلك ؟ وبين أيديهم القرون الثلاثة الأولى، ولم يكن فيها شيء من هذا التوسل ولا ما يشبهه بوجه من الوجوه. وكتب السنة والسير بين أيدينا شاهدة بذلك، فكل ما حدث بعد ذلك فأقل أوصافه أنه ( بدعة ) في الدين وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وأسوأ البدع ما كان فيه شبهة الإشراك بالله تعالى وسوء الظن به. كهذه البدع التي نحن بصدد الكلام فيها، وكان هؤلاء الزاعمين يظنون أن في ذلك تعظيما لقدر النبي ﷺ، أو الأنبياء أو الأولياء. مع أن أفضل التعظيم للأنبياء هو الوقوف عند ما جاءوا به، واتقاء الزيادة عليهم فيما شرعوه بإذن ربهم. وتعظيم الأولياء يكون باختيار ما اختاروه لأنفسهم. وظن هؤلاء الزاعمين أن الأنبياء والأولياء يفرحون بإطرائهم وتنظيم المدائح وعزوها إليهم، وتفخيم الألفاظ عند ذكرهم، واختراع شؤون لهم مع الله، لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا رضيها السلف الصالح. هذا الظن بالأنبياء والأولياء هو أسوأ الظن. لأنهم شبهوهم في ذلك بالجبارين من أهل الدنيا، الذين غشيت أبصارهم ظلمات الجهل قبل لقاء الموت، وليس يخطر بالبال أن جبارا لقي الموت وانكشف له الغطاء عن أمر ربه فيه، يرضى أن يفخمه الناس بما لم يشرعه الله. فكيف بالأنبياء والصديقين ؟ إن لفظ ( الجاه ) الذي يضيفونه إلى الأنبياء والأولياء عند التوسل، مفهومه العرفي هو السلطة. وإن شئت قلت نفاذ الكلمة عند من يستعمل عليه أو لديه، فيقال فلان اغتصب مال فلان بجاهه، ويقال فلان خلص فلانا من عقوبة الذنب بجاهه، لدى الأمير أو الوزير مثلا. فزعم زاعم أن لفلان جاها عند الله بهذا المعنى، إشراك جلي لا خفي. وقلما يخطر ببال أحد من المتوسلين معنى اللفظ اللغوي، وهو المنزلة والقدر. على أنه لا معنى للتوسل بالقدر والمنزلة في نفسها. لأنها ليست شيئا ينفع. وإنما يكون لذلك معنى، لو أولت بصفة من صفات الله، كالاجتباء والاصطفاء، ولا علاقة لها بالدعاء ولا يمكن لمتوسل أن يقصدها في دعائه. وإن كان ( الآلوسي ) بنى تجويز التوسل بجاه النبي خاصة على ذلك التأويل وما حمله على هذا إلا خوفه من ألسنة العامة وسباب الجهال. وهو مما لا قيمة له عند العارفين. فالتوسل بلفظ الجاه مبتدع بعد القرون الثلاثة. وفيه شبهة الشرك والعياذ بالله، وشبهة العدول عما جاء به الرسول ﷺ. فلم الإصرار على تحسين هذه البدعة ؟
يقول بعض الناس :( إن لنا على ذلك حجة لا أبلغ منها. وهي ما رواه الترمذي (١٣) بسنده إلى عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال : إن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال : ادع الله أن يعافيني. فقال : إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال : فادعه. قال فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد ! إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي. اللهم فشفعه في ). قال الترمذي : وهو حديث حسن صحيح غريب، ونقول أولا : قد وصف الحديث بالغريب، وهو ما رواه واحد. ثم يكفي في لزوم التجوز عن الأخذ به، أن أهل القرون الثلاثة لم يقع منهم مثله، وهم أعلم منا بما يجب الأخذ به من ذلك. ولا وجه لابتعادهم عن العمل به، إلا علمهم بأن ذلك من باب طلب الاشتراك في الدعاء من الحي. كما قال عمر (١٤) رضي الله عنه، في الاستسقاء :( إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك العباس فاسقنا )، قال ذلك، رضي الله عنه، والعباس بجانبه يدعو الله تعالى، ولو كان التوسل ما يزعم هؤلاء الزاعمون، لكان عمر يستسقي ويتوسل بالنبي ﷺ، ولا يقول ( كنا نستسقي بنبيك ) وطلب الاشتراك في الدعاء مشروع حتى من الأخ لأخيه، بل ويكون من الأعلى للأدنى، كما ورد في الحديث. وليس فيه ما يخشى منه، فإن الداعي ومن يشركه في الدعاء وهو حي، كلاهما عبد يسأل الله تعالى، والشريك في الدعاء شريك في العبودية، ولا وزير يتصرف في إرادة الأمير كما يظنون (١٥) ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ ثم المسألة داخلة في باب العقائد، لا في باب الأعمال. ذلك في أن الأمر فيها يرجع إلى هذا السؤال ( هل يجوز أن نعتقد بأن واحدا سوى الله يكون و
١ (٦١ / الصف / ٥)..
٢ أي أدرة، بضم فسكون، وهي انتفاخ الخصيتين وكبرهما جدا..
٣ أخرجه البخاري في: ٥ – كتاب الغسل، ٢٠، باب - من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، حديث رقم ٢٠١..
٤ (٥ / المائدة / ٢٤)..
٥ (٢ / البقرة / ٥٥)..
٦ (٢ / البقرة / ٦١)..
٧ انظر الصفحة رقم ٥٠ من الجزء الثاني والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
٨ (٧٢ / الجن / ١٨)..
٩ (٣ / آل عمران / ٣١)..
١٠ (٦ / الأنعام / ١٥٣)..
١١ (١١٢ / الإخلاص / ١ و ٢)..
١٢ (٢ / البقرة / ١٨٦)..
١٣ أخرجه في: ٤٥ – كتاب الدعوات، ١١٨ – باب حدثنا محمود بن غيلان.
.

١٤ أخرجه البخاري في: ١٥ – كتاب الاستسقاء، ٣ – باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء، إذا قحطوا، حديث ٥٧٢..
١٥ (٣٧ / الصافات / ١٧٠)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى