تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة ) قال ابن عباس : الأمانة الفرائض. وقال الضحاك : الطاعة. وعن أبي العالية الرياحي : ما أمر به ونهى عنه. وقال أبي بن كعب : الأمانة ها هنا حفظ الفرج.
وأولى الأقاويل ما ذكرنا عن ابن عباس، وقول الضحاك وأبي العالية قريب من ذلك. وفي بعض التفاسير : أن أول ما خلق الله تعالى من ابن آدم فرجه وأتمنه عليه، وقال : إن حفظته حفظتك.
وعن أبي حمزة السكري أنه قال : إني أعلم من نفسي أني أؤدي الأمانة في مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، ومائة ألف دينار إلى أن ينقطع النفس، ولو باتت عندي امرأة وأتمنت عليها خفت ألا أسلم منها.
وعن ابن مسعود أنه قال : من الأمانة أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والصدق في الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكاييل والموازين، قال : وأشد من هذا كله الودائع. وهذا القول قريب من قول ابن عباس.
وقال أهل العلم : الأمانة قطب الإيمان، قال النبي ﷺ :«لا إيمان لمن لا أمانة له »(١).
ومن الأمانة أن يكون الباطن موافقا للظاهر، فكل من عمل عملا يخالف عقيدته فقد خان الله ورسوله. وقد قال الله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) (٢) نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وقد كان وضع أصبعه على حلقه، يشير إلى بني النضير إنكم إن نزلتم فهو الذبح، وقد بينا.
وقوله :( على السموات والأرض والجبال ) فيه أقوال :
الأول : وهو قول أكثر السلف، وهو المحكي عن ابن عباس وجماعة التابعين : هو أن الله تعالى عرض أوامره على السموات والأرض والجبال عرض تخيير لا عرض إلزام، وقال لهن : أتحملن هذه الأمانة بما فيها ؟ قلن : وما فيها ؟ ! فقال : إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن، فقلن : لا نتحمل الأمانة، ولا نريد ثوابا ولا عقابا، وعرضها على آدم فتحملها بما فيها. وفي بعض التفاسير : أنه قال : بين أذني وعاتقي.
قال ابن جريج : عرض على السماء، فقالت : يا رب، خلقتني وجعلتني سقفا محفوظا، وأجريت في الشمس والقمر والنجوم، ومالي قوة لحمل الأمانة، ثم عرضها على الأرض، فقالت : يا رب، خلقتني وجعلتني بساطا ممدودا، وأجريت في الأنهار، وأنبت في الأشجار، وما لي قوة لحمل الأمانة، وذكر عن الجبال قريبا من هذا، وجملها آدم وأولاده. وعن مجاهد قال : أبت السموات والأرض والجبال أن يحملوا الأمانة، وجملها آدم فما كان بين أن حملها وخان فيها وأخرج من الجنة إلا ما بين الظهر والعصر.
وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال : مثلت الأمانة كصخرة ملقاة، ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، وقالوا : لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعي وحرك الصخرة، وقال : لو أمرت بحملها. فقلن له : احمل، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت فقلن : احمل، فحملها حتى بلغ حقوه ثم وضعها وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن : احمل، فحملها حتى وضع على عاتقه، وأراد أن يضعها، فقال الله تعالى : مكانك، فهي في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة.
فإن قال قائل : كيف عرضها على السموات والأرض والجبال، وهي لا تعقل شيئا ؟ قلنا : قد بينا الجواب عن أمثال هذا من قبل. وقال بعض أهل العلم : يحتمل أن الله تعالى خلق فيها عقلا وتمييزا حين عرض الأمانة عليهن حتى أعقلت الخطاب، وأجابت بما أجابت.
وأما قوله :( فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) أي : لم يقبلوا حمل الأمانة وخافوا منها.
وقوله :( وحملها الإنسان ) يعني : آدم عليه السلام.
وقوله :( إنه كان ظلوما جهولا ) قال الحسن البصري : ظلوما لنفسه، جهولا بربه، حكاه أبو الحسين بن فارس. والقول الثاني : ظلوما لنفسه بأكل الشجرة، جهولا بعاقبة أمره.
وعن جماعة من العلماء : أن المراد بالظلوم الجهول هو المنافق والمشرك. وقد حكى هذا عن الحسن في رواية.
والقول الثاني، في أصل الآية أن المراد من العرض على السموات والأرض والجبال هو العرض على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال وهو مثل قوله :( واسأل القرية ) (٣) أي : أهل القرية.
والقول الثالث ذكره الزجاج وغيره من أهل المعاني قالوا : إن الله تعالى ائتمن آدم وأولاده على شيء، وأتمن السموات والأرض والجبال على شيء، فأما الأمانة في حق بني آدم معلومة، وأما الأمانة في حق السموات والأرض والجبال فهو بمعنى الخضوع والطاعة. قال الله تعالى :( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين ) (٤).
وحكى السجود عن السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وذكر في الحجارة قوله :( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) (٥).
وقوله :( فأبين أن يحملنها ) أي : أدين الأمانة فيها، يقال : فلان لم يتحمل الأمانة أي : لم يخن فيها.
وقوله :( وأشفقن منها ) أي : أدين الأمانة خوفا منها.
وقوله :( وحملها الإنسان ) أي : خان فيها وأثم، يقال : فلان حمل الأمانة أي : أثم فيها بالخيانة، قال الله تعالى :( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) (٦) وقوله :( إنه كان ظلوما جهولا ) قد بينا، قال الأزهري : وقد أحسن وأجاد أبو إسحاق الزجاج في هذا القول وأثنى عليه، وقول السلف ما بينا من قبل.
١ - تقدم تخريجه..
٢ - الأنفال: ٢٧..
٣ - يوسف: ٨٢..
٤ - فصلت: ١١..
٥ - البقرة: ٧٤..
٦ - العنكبوت: ١٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى