المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿إذ﴾ يحتمل أن تكون ظرفاً لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع، فتكون ﴿إذ﴾ متعلقة بقوله ﴿كان ذلك في الكتاب مسطوراً﴾ [الأحزاب: ٦]، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين من الأول، وهذا «الميثاق » المشار إليه قال الزجاج وغيره إنه الذي أخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب آدم كالذر، قالوا فأخذ الله تعالى حينئذ ميثاق النبيين بالتبليغ وبتصديق بعضهم بعضاً وبجميع ما تتضمنه النبوءة، وروي نحوه عن أبيّ بن كعب، وقالت فرقة بل أشار إلى أخذ الميثاق على كل واحد منهم عند بعثه وإلى إلقاء الرسالة إليه وأوامرها ومعتقداتها، وذكر الله تعالى ﴿النبيين﴾ جملة، ثم خصص بالذكر أفراداً منهم تشريفاً وتخصيصاً، إذ هؤلاء الخمسة صلى الله عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو العزم، ذكره الثعلبي، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفاً خاصاً له أيضاً، وروي عنه عليه السلام أنه قال :«كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث(١) ».
وكرر «أخذ الميثاق » لمكان الصفة التي وصف بها قوله ﴿غليظاً﴾ إشعار بحرمة هذا الميثاق وقوتها.
١ أخرجه ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه، قال:﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾، قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول:(كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث)، وأخرج ابن شيبة عن قتادة رضي الله عنه، قال: كان النبي ﷺ إذا قرأ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ قال:(بدئ بي في الخير وكنت آخرهم في البعث)،(الدر المنثور)، ولا شك أن بعث الرسل هو الخير للبشر جميعا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى