جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بسم الله الرحمَن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى :﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ * الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ * وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ * وَالّذِيَ أَخْرَجَ الْمَرْعَىَ * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىَ * سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ * إِلاّ مَا شَآءَ اللّهُ إِنّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : سَبّحِ اسْم رَبّكَ الأعْلىَ فقال بعضهم : معناه : عظّم ربك الأعلى، لا ربّ أعلى منه وأعظم. وكان بعضهم إذا قرأ ذلك قال : سبحان ربي الأعلى. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر أنه كان يقرأ : سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلىَ : سبحان ربي الأعلى الّذِي خَلَقَ فَسَوّى قال : وهي في قراءة أُبيّ بن كعب كذلك.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن السّديّ، عن عبد خير، قال : سمعت عليا رضي الله عنه قرأ : سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى فقال : سبحان ربي الأعلى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمْداني، أن ابن عباس كان إذا قرأ : سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى يقول : سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فأتى على آخرها ألَيْسَ ذَلك بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِي المَوْتَى ؟ يقول : سبحانك اللهمّ وبلي.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان إذا قرأها قال : سبحان ربيَ الأعلَى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن خارجة، عن داود، عن زياد بن عبد الله، قال : سمعت ابن عباس يقرأ في صلاة المغرب سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى سبحان ربي الأعلَى.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : نزّه يا محمد اسم ربك الأعلى، أن تسمي به شيئا سواه، ينهاه بذلك أن يفعل ما فعل من ذلك المشركون، من تسميتهم آلهتهم بعضَها اللات، وبعضَها العزّى.
وقال غيرهم : بل معنى ذلك : نزّهِ الله عما يقول فيه المشركون كما قال : وَلاَ تَسُبّوا الّذِينَ يَدْعَونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فيَسبّوا اللّهَ عَدْوا بِغَيرِ عِلْمٍ. وقالوا : معنى ذلك : سبح ربك الأعلى قالوا : وليس الاسم معنى.
وقال آخرون : نزّه تسميتك يا محمد ربك الأعلى وذكرك إياه، أن تذكره إلاّ وأنت له خاشع متذلل قالوا : وإنما عُنِي بالاسم : التسمية، ولكن وُضع الاسم مكان المصدر.
وقال آخرون : معنى قوله : سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى : صلّ بذكر ربك يا محمد، يعني بذلك : صلّ وأنت له ذاكر، ومنه وَجِل خائف.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب : قول من قال : معناه : نزّه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت من الأخبار، عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك قالوا : سبحان ربيَ الأعلى، فبَيّن بذلك أن معناه كان عندهم معلوما : عظم اسم ربك، ونزّهه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى