البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿إلا ما شاء الله﴾، الظاهر أنه استثناء مقصود.
قال الحسن وقتادة وغيرهما : مما قضى الله نسخه، وأن ترتفع تلاوته وحكمه.
وقال ابن عباس : إلا ما شاء الله أن ينسيك لتسن به، على نحو قوله عليه الصلاة والسلام :« أني لأنسى وأنسى لأسن » وقيل : إلا ما شاء الله أن يغلبك النسيان عليه، ثم يذكرك به بعد، كما قال عليه الصلاة والسلام، حين سمع قراءة عباد بن بشير :« لقد ذكرني كذا وكذا آية في سورة كذا وكذا » وقيل :﴿فلا تنسى﴾ : أي فلا تترك العمل به إلا ما شاء الله أن تتركه بنسخه إياه، فهذا في نسخ العمل.
وقال الفراء وجماعة : هذا استثناء صلة في الكلام على سنة الله تعالى في الاستثناء، وليس ثم شيء أبيح استثناؤه.
وأخذ الزمخشري هذا القول فقال : وقال : إلا ما شاء الله، والغرض نفي النسيان رأساً، كما يقول الرجل لصاحبه : أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله، ولا يقصد استثناء شيء، وهو من استعمال القلة في معنى النفي، انتهى.
وقول الفراء والزمخشري يجعل الاستثناء كلا استثناء، وهذا لا ينبغي أن يكون في كلام الله تعالى، بل ولا في كلام فصيح.
وكذلك القول بأن لا في ﴿فلا تنسى﴾ للنهي، والألف ثابتة لأجل الفاصلة، وهذا قول ضعيف.
ومفهوم الآية في غاية الظهور، وقد تعسفوا في فهمها.
والمعنى أنه تعالى أخبر أنه سيقرئه، وأنه لا ينسى إلا ما شاء الله، فإنه ينساه إما النسخ، وإما أن يسن، وإما على أن يتذكر.
وهو ﷺ معصوم من النسيان فيما أمر بتبليغه، فإن وقع نسيان، فيكون على وجه من الوجوه الثلاثة.
ومناسبة ﴿سنقرئك﴾ لما قبله : أنه لما أمره تعالى بالتسبيح، وكان التسبيح لا يتم إلا بقراءة ما أنزل عليه من القرآن، وكان يتذكر في نفسه مخافة أن ينسى، فأزال عنه ذلك وبشره بأنه تعالى يقرئه وأنه لا ينسى، استثنى ما شاء الله أن ينسيه لمصلحة من تلك الوجوه.
﴿إنه يعلم الجهر﴾ : أي جهرك بالقرآن، ﴿وما يخفى﴾ : أي في نفسك من خوف التفلت، وقد كفاك ذلك بكونه تكفل بإقرائك إياه وإخباره أنك لا تنسى إلا ما استثناه، وتضمن ذلك إحاطة علمه بالأشياء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى