جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لاّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ة تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارُ فقال بعضهم : معناه : لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بها. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ يقول : لا يحيط بصر أحد بالملك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا خالد بن عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال : هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصرُه يحيط بهم، فذلك قوله : لا تُدْركُهُ الأبْصَارُ. . . الآية.
واعتلّ قائلو هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : إن الله قال :«فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنْتُ » قالوا : فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون، ولا شكّ أن الغرق غير موصوف بأنه رآه، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئاً. قالوا : فمعنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ بمعنى : لا تراه بعيداً، لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه، كما قال جلّ ثناؤه مخبراً عن قيل أصحاب موسى ﷺ حين قرب منهم أصحاب فرعون : فَلَمّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أصْحَابُ مُوسَى إنّا لَمُدْرَكُون لأن الله قد كان وعد نبيه موسى ﷺ أنهم لا يدركون لقوله : ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسَى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى. قالوا : فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه ويدركه ولا يراه، فكان معلوماً بذلك أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ من معنى لا تراه الأبصار بمعزل، وأن معنى ذلك : لا تحيط به الأبصار لأن الإحاطة به غير جائزة. قالوا : فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم، بمعنى : أنها لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئاً يحيط به. قالوا : ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يُعلم ولا يحاط به، وكما قال جلّ ثناؤه : وَلا يُحِيطُونَ بَشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاّ بِمَا شاءَ. قالوا : فنفى جلّ ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء. قالوا : ومعنى العلم في هذا الموضع : المعلوم قالوا : فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلاّ بما شاء نفي عن أن يعلموه. قالوا : فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علماً نفي للعلم به، كان كذلك لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر نفي رؤيته له. قالوا : وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جائز أو يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية، وأن معنى الإدراك : إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل.
قالوا : فإن قال لنا قائل : وما أنكرتم أن يكون معنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ لا تراه الأبصار ؟ قلنا له : أنكرنا ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهاً في القيامة إليه ناظرة، وأن رسول الله ﷺ أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة كما يُرَى القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب. قالوا : فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر وحققت أخبار رسول الله ﷺ بما ذكرنا عنه من قيله ﷺ أن تأويل قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى ربّها ناظِرَةٌ أنه نظر أبصار العيون لله جلّ جلاله، وكان كتاب الله يصدّق بعضه بعضاً، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحد هذين الخبرين ناسخاً للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار لما قد بينا في كتابنا :«كتاب لطيف البيان عن أصول الأحكام » وغيره عُلم أن معنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ غير معنى قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ولا يدركونه بها، تصديقاً لله في كلا الخبرين وتسليماً لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار. ذكر من قال ذلك.
حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت : من حدّثك أن رسول الله ﷺ رأى ربه فقد كذب لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلّمَهُ اللّهُ إلاّ وَحْياً أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ ولكن قد رأى جبريل في صورته مرّتين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال : قلت لعائشة : يا أمّ المؤمنين : هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : سبحان الله، لقد قفّ شعري مما قلت ثم قرأت : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الخَبِيرُ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الأعلى وابن علية، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة بنحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ، قال : قالت عائشة : من قال : إن أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال الله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ.
فقال قائلو هذه المقالة : معنى الإدراك في هذا الموضع : الرؤية، وأنكروا أن يكون الله يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة. وتأوّلوا قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى ربّها ناظِرَةٌ بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابه.
وتأوّل بعضهم في الأخبار التي رُوِيت عن رسول الله ﷺ بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربهم يوم القيامة تأويلات. وأنكر بعضهم مجيئها، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله ﷺ، وردوا القول فيه إلى عقولهم، فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عزّ وجلّ بالأبصار وأتوا في ذلك بضروب من التمويهات، وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات. وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئاً إلاّ ما باينها دون ما لاصقها، فإنها لا ترى ما لاصقها. قالوا : فما كان للأبصار مبايناً مما عاينته، فإن بينه وبينها فضاء وفرجة. قالوا : فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما تُرَى الأشخاصُ اليوم، فقد وجب أن يكون الصانع محدوداً. قالوا : ومن وصفه بذلك، فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان. قالوا : وأخرى، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات، ومن شأن المتنشم أن يدرك الأعراف. قالوا : فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزاً أن يقضى للسمع بغير إدراك الأصوات وللمتنسم إلاّ بإدراك الأعراف، فسد أن يكون جائزاً القضاء للبصر إلاّ بإدراك الألوان. قالوا : ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفاً بأنه ذو لون، صحّ أنه غير جائز أن يكون موصوفاً بأنه مرئيّ.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الاَخرة فإنها تدركه. وقال أهل هذه المقالة : الإدراك في هذا الموضع : الرؤية.
واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : الإدراك وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية، فإن الرؤية من أحد معانيه وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصره شيئاً فيراه وهو لما أبصره وعاينه غير مُدرِك وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية. قالوا : فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له دون ما لم يره. قالوا : وقد أخبر الله أن وجوهاً يوم القيامة إليه ناظرة، قالوا : فمحال أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً. قالوا : وإذا كان ذلك كذلك وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادّ وتعارض، وجب وصحّ أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ على الخصوص لا على العموم، وأن معناه : لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يدرك الأبصار في الدنيا والاَخرة، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ.
وقال آخرون من أهل هذه المقالة : الاَية على الخصوص، إلاّ أنه جائز أن يكون معنى الاَية : لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والاَخرة، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله. قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة وأما بالرؤية فبلي. قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الاَخرة، وجائز أن يكون معناها : لا تدركه أبصار من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصار خلقه، فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه، هو الذي أثبته لنفسه، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلاّ فيما قوّاها جلّ ثناؤه على النفوذ فيه، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء. قالوا : ولا شكّ في خصوص قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، غير أنّا لا ندري أيّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية. واعتلوا بتصحيح القول بأن الله يرى في الاَخرة بنحو عِلَل الذين ذكرنا قبل.
وقال آخرون : الاَية على العموم، ولن يدرك الله بصر أحد في الدنيا والاَخرة ولكن الله يحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها.
واعتلوا لقولهم هذا، بأن الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه من غير أن يدل فيها أو بآية غيرها على خصوصها. قالوا : وكذلك أخبر في آية أخرى أن وجوهاً إليه يوم القيامة ناظرة. قالوا : فأخبار الله لا تتباين ولا تتعارض، وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل.
واعتلوا أيضاً من جهة العقل بأن قالوا : إن كان جائزاً أن نراه في الاَخرة بأبصارنا هذه وإن زيد في قواها وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت، لأن كلّ حاسة خُلقت لإدراك معنى من المعاني فهي وإن ضعفت كل الضعف فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه ما لم تعدم. قالوا : فلو كان في البصر أن يدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها وإن ضعف إدراكه إياه. قالوا : فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا، كان غير جائز أن تكون في الاَخرة إلاّ بهيئتها في الدنيا أنها لا تدرك إلاّ ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا. قالوا : فلما كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أن وجوهاً في الاَخرة تراه،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى