محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٣ من سورة الأنعام في ١١١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٣ من سورة الأنعام

١١١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لاّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ة تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارُ فقال بعضهم : معناه : لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بها. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ يقول : لا يحيط بصر أحد بالملك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا خالد بن عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال : هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصرُه يحيط بهم، فذلك قوله : لا تُدْركُهُ الأبْصَارُ. . . الآية.
واعتلّ قائلو هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : إن الله قال :«فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنْتُ » قالوا : فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون، ولا شكّ أن الغرق غير موصوف بأنه رآه، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئاً. قالوا : فمعنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ بمعنى : لا تراه بعيداً، لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه، كما قال جلّ ثناؤه مخبراً عن قيل أصحاب موسى ﷺ حين قرب منهم أصحاب فرعون : فَلَمّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أصْحَابُ مُوسَى إنّا لَمُدْرَكُون لأن الله قد كان وعد نبيه موسى ﷺ أنهم لا يدركون لقوله : ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسَى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى. قالوا : فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه ويدركه ولا يراه، فكان معلوماً بذلك أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ من معنى لا تراه الأبصار بمعزل، وأن معنى ذلك : لا تحيط به الأبصار لأن الإحاطة به غير جائزة. قالوا : فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم، بمعنى : أنها لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئاً يحيط به. قالوا : ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يُعلم ولا يحاط به، وكما قال جلّ ثناؤه : وَلا يُحِيطُونَ بَشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاّ بِمَا شاءَ. قالوا : فنفى جلّ ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء. قالوا : ومعنى العلم في هذا الموضع : المعلوم قالوا : فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلاّ بما شاء نفي عن أن يعلموه. قالوا : فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علماً نفي للعلم به، كان كذلك لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر نفي رؤيته له. قالوا : وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جائز أو يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية، وأن معنى الإدراك : إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل.
قالوا : فإن قال لنا قائل : وما أنكرتم أن يكون معنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ لا تراه الأبصار ؟ قلنا له : أنكرنا ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهاً في القيامة إليه ناظرة، وأن رسول الله ﷺ أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة كما يُرَى القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب. قالوا : فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر وحققت أخبار رسول الله ﷺ بما ذكرنا عنه من قيله ﷺ أن تأويل قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى ربّها ناظِرَةٌ أنه نظر أبصار العيون لله جلّ جلاله، وكان كتاب الله يصدّق بعضه بعضاً، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحد هذين الخبرين ناسخاً للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار لما قد بينا في كتابنا :«كتاب لطيف البيان عن أصول الأحكام » وغيره عُلم أن معنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ غير معنى قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ولا يدركونه بها، تصديقاً لله في كلا الخبرين وتسليماً لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار. ذكر من قال ذلك.
حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت : من حدّثك أن رسول الله ﷺ رأى ربه فقد كذب لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلّمَهُ اللّهُ إلاّ وَحْياً أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ ولكن قد رأى جبريل في صورته مرّتين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال : قلت لعائشة : يا أمّ المؤمنين : هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : سبحان الله، لقد قفّ شعري مما قلت ثم قرأت : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الخَبِيرُ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الأعلى وابن علية، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة بنحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ، قال : قالت عائشة : من قال : إن أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال الله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ.
فقال قائلو هذه المقالة : معنى الإدراك في هذا الموضع : الرؤية، وأنكروا أن يكون الله يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة. وتأوّلوا قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى ربّها ناظِرَةٌ بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابه.
وتأوّل بعضهم في الأخبار التي رُوِيت عن رسول الله ﷺ بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربهم يوم القيامة تأويلات. وأنكر بعضهم مجيئها، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله ﷺ، وردوا القول فيه إلى عقولهم، فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عزّ وجلّ بالأبصار وأتوا في ذلك بضروب من التمويهات، وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات. وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئاً إلاّ ما باينها دون ما لاصقها، فإنها لا ترى ما لاصقها. قالوا : فما كان للأبصار مبايناً مما عاينته، فإن بينه وبينها فضاء وفرجة. قالوا : فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما تُرَى الأشخاصُ اليوم، فقد وجب أن يكون الصانع محدوداً. قالوا : ومن وصفه بذلك، فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان. قالوا : وأخرى، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات، ومن شأن المتنشم أن يدرك الأعراف. قالوا : فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزاً أن يقضى للسمع بغير إدراك الأصوات وللمتنسم إلاّ بإدراك الأعراف، فسد أن يكون جائزاً القضاء للبصر إلاّ بإدراك الألوان. قالوا : ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفاً بأنه ذو لون، صحّ أنه غير جائز أن يكون موصوفاً بأنه مرئيّ.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الاَخرة فإنها تدركه. وقال أهل هذه المقالة : الإدراك في هذا الموضع : الرؤية.
واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : الإدراك وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية، فإن الرؤية من أحد معانيه وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصره شيئاً فيراه وهو لما أبصره وعاينه غير مُدرِك وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية. قالوا : فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له دون ما لم يره. قالوا : وقد أخبر الله أن وجوهاً يوم القيامة إليه ناظرة، قالوا : فمحال أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً. قالوا : وإذا كان ذلك كذلك وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادّ وتعارض، وجب وصحّ أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ على الخصوص لا على العموم، وأن معناه : لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يدرك الأبصار في الدنيا والاَخرة، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ.
وقال آخرون من أهل هذه المقالة : الاَية على الخصوص، إلاّ أنه جائز أن يكون معنى الاَية : لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والاَخرة، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله. قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة وأما بالرؤية فبلي. قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الاَخرة، وجائز أن يكون معناها : لا تدركه أبصار من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصار خلقه، فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه، هو الذي أثبته لنفسه، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلاّ فيما قوّاها جلّ ثناؤه على النفوذ فيه، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء. قالوا : ولا شكّ في خصوص قوله : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، غير أنّا لا ندري أيّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية. واعتلوا بتصحيح القول بأن الله يرى في الاَخرة بنحو عِلَل الذين ذكرنا قبل.
وقال آخرون : الاَية على العموم، ولن يدرك الله بصر أحد في الدنيا والاَخرة ولكن الله يحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها.
واعتلوا لقولهم هذا، بأن الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه من غير أن يدل فيها أو بآية غيرها على خصوصها. قالوا : وكذلك أخبر في آية أخرى أن وجوهاً إليه يوم القيامة ناظرة. قالوا : فأخبار الله لا تتباين ولا تتعارض، وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل.
واعتلوا أيضاً من جهة العقل بأن قالوا : إن كان جائزاً أن نراه في الاَخرة بأبصارنا هذه وإن زيد في قواها وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت، لأن كلّ حاسة خُلقت لإدراك معنى من المعاني فهي وإن ضعفت كل الضعف فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه ما لم تعدم. قالوا : فلو كان في البصر أن يدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها وإن ضعف إدراكه إياه. قالوا : فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا، كان غير جائز أن تكون في الاَخرة إلاّ بهيئتها في الدنيا أنها لا تدرك إلاّ ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا. قالوا : فلما كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أن وجوهاً في الاَخرة تراه،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة="فاعبدوه"، يقول: فذلُّوا له بالطاعة والعبادة والخدمة، واخضعوا له بذلك. (١) =
"وهو على كل شيء وكيل"، يقول: والله على كل ما خلق من شيء رقيبٌ وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار".
فقال بعضهم: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٩٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، يقول: لا يحيط بصر أحدٍ بالملك.
١٣٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.
١٣٦٩٦- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله:
(١) انظر تفسير ((العبادة)) فيما سلف من فهارس اللغة (عبد).
(٢) انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ١١: ٤٣٤ تعليق: ١، راجع هناك.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [سورة القيامة: ٢٢-٢٣]، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله:"لا تدركه الأبصار"، الآية. (١)
* * *
قال أبو جعفر: واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا، بأن قالوا: إن الله قال:" حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت "، (٢) [يونس: ٩٠] قالوا: فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئًا. قالوا: فمعنى قوله:"لا تدركه الأبصار" بمعنى: لا تراه، بعيد. لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى ﷺ لموسى حين قرُب منهم أصحاب فرعون: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، [سورة الشعراء: ٦١]، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى ﷺ أنهم لا يُدْرَكون، لقوله: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى)، [سورة طه: ٧٧].
قالوا: فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه، ويدركه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قوله:"لا تدركه الأبصار"، من معنى: لا تراه الأبصار،
(١) الأثر: ١٣٦٩٦ - ((سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري)) ثقة، روي عنه آنفًا برقم: ٤٣٦. وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا ((يونس بن عبد الله بن الحكم))، وهو خطأ، والصواب ما سيأتي في التفسير ٢٩: ١٢٠ (بولاق)، حيث روى هذا الخبر نفسه، بإسناده عن ((سعد بن عبد الله بن عبد الحكم)).
و ((خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروروذي)) روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأخوه ((سعد)). قال أبو حاتم: ((شيخ، ليس به بأس)). مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /٣٤١. وأما ((أبو عرفجة))، فلم أعرف من يكون.
و ((عطية العوفي))، هو ((عطية بن سعد بن جنادة العوفي))، وهو ضعيف، مضى مرارًا، واستوفى أخي السيد أحمد الكلام فيه في رقم: ٣٠٥. وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر مرة أخرى في التفسير ٢٩: ١٢٠ (بولاق).
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((فلما أدركه الغرق))، وهو سهو، فإن نص التلاوة ما أثبت.
بمعزل= وأن معنى ذلك: لا تحيط به الأبصار، لأن الإحاطة به غير جائزة.
قالوا: فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم، ولا تدركه أبصارهم، بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به.
قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط بعلمه، (١) وكما قال جل ثناؤه: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ) [سورة البقرة: ٢٥٥]. قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. قالوا: ومعنى"العلم" في هذا الموضع، المعلوم. قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء، نَفْيٌ عن أن يعلموه. قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به، كان كذلك، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر، نفيُ رؤيته له. قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا، كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى"الرؤية" غير معنى"الإدراك"، ومعنى"الإدراك" غير معنى"الرؤية"، وأن معنى"الإدراك"، إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل.
قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، لا تراه الأبصار؟
قلنا له: أنكرنا ذلك، لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة، (٢) وأن رسول الله ﷺ أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة، كما يُرَى القمر ليلة البدر، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب. (٣) قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققتْ أخبارُ رسول الله صلى الله عليه
(١) في المطبوعة: ((ولا يحاط به))، وصواب السياق ما أثبت.
(٢) يعني آيتي سورة القيامة: ٢٢، ٢٣.
(٣) في المخطوطة، أسقط ((البدر))، والصواب إثباتها.
وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم: إن تأويل قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [سورة القيامة: ٢٢-٢٣]، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله، (١) وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار= لما قد بينا في كتابنا:"كتاب لطيف البيان، عن أصول الأحكام"، وغيره= (٢) علم، أن معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، غير معنى قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله، ولا يدركونه بها، تصديقًا لله في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٩٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا تدركه الأبصار"، لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق.
١٣٦٩٨- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: من حدَّثك أن رسول الله ﷺ رأى ربَّه فقد كذب! "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، [سورة الشورى: ٥١]، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين.
(١) انظر الأحاديث الصحاح في رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة في صحيح البخاري (الفتح ١٣: ٣٥٦، وما بعدها)، وصحيح مسلم ٣: ٢٥، وما بعدها. والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر خبران صحيحان.
(٢) قوله: ((علم)) جواب قوله آنفًا: ((فإذ كان الله قد أخبر في كتابه... ))
١٣٦٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله، لقد قَفَّ شعري مما قلت! ثم قرأت:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير". (١)
١٣٧٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى وابن علية، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة بنحوه. (٢)
١٣٧٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن أحدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله! قال الله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار".
* * *
فقال قائلو هذه المقالة: معنى"الإدراك" في هذا الموضع، الرؤية= وأنكروا أن يكون الله يُرَى بالأبصار في الدنيا والآخرة= وتأوّلوا قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابَه.
* * *
قال أبو جعفر: وتأول بعضهم في الأخبار التي رُويت عن رسول الله ﷺ بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربَّهم يوم القيامة تأويلات، وأنكر بعضهم مجيئها، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردُّوا القول فيه إلى عقولهم، فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عز وجل بالأبصار، وأتوا في ذلك بضرُوب من التمويهات، وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات.
(١) الأثران: ١٣٦٩٨، ١٣٦٩٩ - حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، رواه مسلم في صحيحه ٣: ١٠، مختصرًا.
((قف شعري)) : إذا وقف من الفزع.
(٢) الأثر: ١٣٧٠٠ - حديث داود، عن الشعبي، رواه مسلم مطولا ٣: ٨ - ١٠، وقد مضى جزء من هذا الخبر المطول فيما سلف برقم: ١٢٢٨٠ - ١٢٢٨٣. فانظر تخريجه هناك.
وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل، أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئًا إلا ما باينها دون ما لاصقها، فإنها لا ترى ما لاصقها. قالوا: فما كان للأبصار مباينًا مما عاينته، فإن بينه وبينها فضاءً وفرجةً. قالوا: فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم، فقد وجب أن يكون الصانع محدودًا. قالوا: ومن وصفه بذلك، فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان.
قالوا: وأخرى، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان، كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات، ومن شأن المتنسِّم أن يدرك الأعراف. (١) قالوا: فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزًا أن يُقْضَى للسمع بغير إدراك الأصوات، وللمتنسِّم إلا بإدراك الأعراف، فسد أن يكون جائزًا القضاءُ للبصر إلا بإدراك الألوان. (٢) قالوا: ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفًا بأنه ذو لون، صح أنه غير جائز أن يكون موصوفًا بأنه مرئيٌّ.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تدركه. وقال أهل هذه المقالة:"الإدراك"، في هذا الموضع، الرؤية.
واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا:"الإدراك"، وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية، فإن الرؤية من أحد معانيه. وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصرُه شيئًا فيراه، وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك، وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية. قالوا: فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له، دون ما لم
(١) في المطبوعة: ((المتنشم)) بالشين، وهو خطأ صرف، والصواب بالسين كما في المخطوطة. يقال ((تنسيم النسيم))، إذا تشممه. و ((الأعراف)) جمع ((عرف)) (بفتح فسكون) : الرائحة، طيبة كانت أو خبيثة. يقال: ((ما أطيب عرفها))، أي: رائحتها.
(٢) في المخطوطة: ((انقضاء البصر))، والصواب ما في المطبوعة.
يره. قالوا: وقد أخبر الله أن وجوهًا يوم القيامة إليه ناظرة. قالوا، فمحالٌ أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادٌّ وتعارض، وجب وصحّ أن قوله:"لا تدركه الأبصار"، على الخصوص لا على العموم، وأن معناه: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
* * *
وقال آخرون من أهل هذه المقالة: الآية على الخصوص، إلا أنه جائز أن يكون معنى الآية: لا تدركه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله. قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة، وأما بالرؤية فبلي. (١) قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة= وجائز أن يكون معناها: لا تدركه أبصارُ من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصارَ خلقه= فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه، هو الذي أثبته لنفسه، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قوَّاها جل ثناؤه على النفوذ فيه، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء. قالوا: ولا شك في خصوص قوله:"لا تدركه الأبصار"، وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، غير أنا لا ندري أيَّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية. واعتلُّوا لتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة، بنحو علل الذين ذكرنا قبل.
* * *
وقال آخرون: الآية على العموم، ولن يدرك الله بصرُ أحد في الدنيا والآخرة; ولكن الله يُحدث لأوليائه يوم القيامة حاسّة سادسة سوى حواسِّهم الخمس، فيرونه بها.
(١) ((بلى)) استعمالها مع غير الجحد، قد سلف بيانه ودليله ٢: ٢٨٠، ٥١٠، ثم ١٠: ٩٨، تعليق: ٤.
واعتلوا لقولهم هذا بأنّ الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه، من غير أن يدلّ فيها أو بآية غيرها على خصوصها. قالوا: وكذلك أخبرَ في آية أخرى أن وجوهًا إليه يوم القيامة ناظرة. قالوا: فأخبار الله لا تتنافى ولا تتعارض، (١) وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل. واعتلُّوا أيضًا من جهة العقل بأن قالوا: إن كان جائزًا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه وإن زيد في قواها، وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت، لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنًى من المعاني، فهي وإن ضعفت كل الضعف، فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه، ما لم تُعْدم. قالوا: فلو كان في البصر أن يُدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها وإن ضعف إدراكه إياه. قالوا: فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا، كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا في أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا. قالوا: فلما كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أنّ وجوهًا في الآخرة تراه، علم أنها تراه بغير حاسة البصر، إذ كان غير جائز أن يكون خبرُه إلا حقًّا.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال:"إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر"="وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب"، (٢) فالمؤمنون يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون، كما قال جل ثناؤه: (كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) [سورة المطففين: ١٥].
فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار، لما كانت لا ترى إلا ما باينها، وكان بينها وبينه فضاءٌ وفرجة، وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون
(١) في المطبوعة: ((لا تتباين))، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب قراءتها.
(٢) انظر ص: ١٦، تعليق: ١.
رؤية الله بالأبصار كذلك، لأن في ذلك إثبات حدٍّ له ونهايةٍ، فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه= فإنه يقال لهم: (١) هل علمتم موصوفًا بالتدبير سوى صانعكم، إلا مماسًّا لكم أو مباينًا؟
فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك، كُلِّفوا تبيينه، ولا سبيل إلى ذلك.
وإن قالوا: لا نعلم ذلك.
قيل لهم: أو ليس قد علمتموه لا مماسًّا لكم ولا مباينًا، وهو موصوف بالتدبير والفعل، ولم يجب عندكم إذْ كنتم لم تعلموا موصوفًا بالتدبير والفعل غيره إلا مماسًّا لكم أو مباينًا، أن يكون مستحيلا العلم به، وهو موصوف بالتدبير والفعل، لا مماس ولا مباين؟
فإن قالوا: ذلك كذلك.
قيل لهم: فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها وكانت بينه وبينها فرجة، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء، كما لا تعلم القلوب موصوفًا بالتدبير إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علمتْه عندكم لا كذلك؟ وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفًا بالتدبير والفعل معلومًا، لا مماسًّا للعالم به أو مباينًا= وأجاز أن يكون موصوفًا برؤية الأبصار، لا مماسًّا لها ولا مباينًا، فرق؟
ثم يسألون الفرقَ بين ذلك، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله.
وكذلك يسألون فيما اعتلوا به في ذلك: أن من شأن الأبصار إدراك الألوان، كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات، ومن شأن المتنسِّم درَك الأعراف، فمن الوجه الذي فسد أن يُقضى للسمع بغير درك الأصوات، فسد أن يُقضى للأبصار لغير درك الألوان. (٢)
(١) في المطبوعة والمخطوطة: ((وإنه يقال لهم)) بالواو، وصواب السياق ما أثبت.
(٢) في المطبوعة: ((أن يقتضي السمع لغير))، و ((أن تقتضي الأبصار لغير))، وأما المخطوطة، ففيها ((أن يقضي السمع... ))، و ((أن يقضي للأبصار))، والصواب ما أثبت.
فيقال لهم: ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم، موصوفًا بالتدبير والفعل إلا ذا لونٍ، وقد علمتموه موصوفًا بالتدبير لا ذا لونٍ؟
فإن قالوا:"نعم"= لا يجدون من الإقرار بذلك بدًّا، إلا أن يكذبوا فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفًا بالتدبير والفعل غير ذي لون، فيكلفون بيان ذلك، ولا سبيل إليه. (١)
فيقال لهم: فإذ كان ذلك كذلك، فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفًا بالتدبير إلا ذا لون، وقد وجدتموها علمته موصوفًا بالتدبير غير ذي لون. ثم يسألون الفرق بين ذلك، فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله.
ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس، كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها، إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصدَ الكشف عن تمويهاتهم، بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان. ولكنا ذكرنا القدرَ الذي ذكرنا، ليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان، مما يسهل على أهل الحق البيانُ عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله ﷺ صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يتردّدون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة.
* * *
وأما قوله:"وهو اللطيف الخبير"، فإنه يقول: والله تعالى ذكره المتيسر له من إدراك الأبصار، (٢) والمتأتِّي له من الإحاطة بها رؤيةُ ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها="الخبير"، يقول: العليم بخلقه
(١) في المطبوعة: ((فيكلفوا بيان ذلك))، وفي المخطوطة: ((فدلقوا بيان ذلك))، وهي غير مقروءة، ولعل الصواب ما أثبت.
(٢) في المطبوعة: ((الميسر له))، والصواب من المخطوطة، ولم يحسن قراءتها.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ فيه أقوال للأئمة من السلف :
أحدها : لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة(١) كما تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت : من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب. [ وفي رواية : على الله ](٢) فإن الله يقول :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾
رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عَيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي الضحى، عن مسروق. ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة غير وجه(٣)
وقد خالفها ابن عباس، فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين. والمسألة تذكر في أول " سورة النجم " إن شاء الله [ تعالى ](٤)
وقال ابن أبي حاتم : ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي، حدثنا يحيى بن مَعِين قال : سمعت إسماعيل بن عُليَّة يقول في قول الله تعالى :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ قال : هذا في الدنيا. قال : وذكر أبي، عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك.
وقال آخرون :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ أي : جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة(٥)
وقال آخرون، من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية : إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى عن الكافرين :﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
قال الإمام الشافعي : فدل هذا على أن المؤمنين لا يُحْجَبُون عنه تبارك وتعالى.
وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصُهَيْب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ : أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.
وقيل : المراد بقوله :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ أي : العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك. وهذا غريب جدًا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله [ سبحانه وتعالى ](٦) أعلم.
وقال آخرون : لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي، ما هو ؟ فقيل : معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى.
وقال آخرون : المراد بالإدراك الإحاطة. قالوا : ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال الله تعالى :﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وفي صحيح مسلم :" لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " (٧) ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا.
قال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ قال : لا يحيط بصر أحد(٨) بالملك.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عِكْرِمة، أنه قيل له :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ ؟ قال : ألست ترى السماء ؟ قال : بلى. قال : فكلها ترى ؟.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ هو أعظم من أن تدركه الأبصار.
وقال ابن جرير : حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، قال : هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث. رواه ابن أبي حاتم هاهنا، فقال :
حدثنا أبو زرعة، حدثنا مِنْجَاب بن الحارث السهمي(٩) حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ قال :" لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فَنُوا صُفّوا صفًا واحدًا، ما أحاطوا بالله أبدا ".
غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة(١٠) والله أعلم.
وقال آخرون في [ قوله تعالى ](١١) ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب " السنة " له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مَرْدُوَيه أيضا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان قال : سمعت عِكْرِمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : رأى محمد ربه تبارك وتعالى. فقلت : أليس الله يقول :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ الآية ؟ فقال : لي " لا أم لك. ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء ". وفي رواية :" لا يقوم له شيء ".
قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(١٢)
وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض(١٣) القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - أو : النار - لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " (١٤)
وفي الكتب المتقدمة : إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية : يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. أي : تدعثر. وقال تعالى :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة(١٥) يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء. فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه - تعالى وتقدس وتنزه - فلا تدركه الأبصار ؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة ولا لشيء.
وقوله :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ أي : يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه ؛ لأنه خلقها كما قال تعالى :﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السُّدِّي في قوله :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ لا يراه شيء وهو يرى الخلائق.
وقال أبو العالية في قوله [ تعالى ](١٦) ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها. والله أعلم.
وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه :﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].
١ في م: "تراه في الدار الآخرة".
٢ زيادة من أ..
٣ رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٦١٢) ومسلم في صحيحيه برقم (١٧٧) والترمذي في السنن برقم (٣٠٦٨) من طريق الشعبي، عن مسروق به..
٤ زيادة من م، أ..
٥ في أ: "في الدار الآخرة".
.

٦ زياد من أ..
٧ صحيح مسلم برقم (٤٨٦) من حديث عائشة، رضي الله عنها..
٨ في م: "أحدنا"..
٩ في م: "التميمي".
.

١٠ ورواه ابن عدي في الكامل (٢/١٠) من طريق سفيان بن بشر، عن بشر بن عمارة به، وإسناده واه..
١١ زيادة من م، وفي أ: "في قوله"..
١٢ سنن الترمذي برقم (٣٢٧٩) والسنة لابن أبي عاصم برقم (٤٣٧) والمستدرك (٢/٣٠٦) وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال ابن أبي عاصم: "فيه كلام"..
١٣ في أ: "يحفظ"..
١٤ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٩) ولم أجده بعد البحث في صحيح البخاري حتى الحافظ المزي لم يذكره في تحفة الأشراف من رواية البخاري..
١٥ انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/٢١٤) لابن أبي العز الحنفي للتوسع في بحث الرؤية.
.

١٦ زيادة من م، أ..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لعظمته، وجلاله وكماله، أي : لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة.
فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال " لا تراه الأبصار " ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي : هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفية، وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها، ولهذا قال :﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الذي لطف علمه وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن.
ومن لطفه، أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه، ويوصلها إليه بالطرق التي لا يشعر بها العبد، ولا يسعى فيها، ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي، من حيث لا يحتسب، حتى أنه يقدر عليه الأمور، التي يكرهها العبد، ويتألم منها، ويدعو الله أن يزيلها، لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله متوقف عليها، فسبحان اللطيف لما يشاء، الرحيم بالمؤمنين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: المألوه المعبود، الذي يستحق نهاية الذل، ونهاية الحب، الرب، الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وصرف عنهم صنوف النقم. ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: إذا استقر وثبت، أنه الله الذي لا إله إلا هو، فاصرفوا له جميع أنواع العبادة، وأخلصوها لله، واقصدوا بها وجهه. فإن هذا هو المقصود من الخلق، الذي خلقوا لأجله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: جميع الأشياء، تحت وكالة الله وتدبيره، خلقا، وتدبيرا، وتصريفا.
ومن المعلوم، أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته وتمامه، وكمال انتظامه، بحسب حال الوكيل عليه. ووكالته تعالى على الأشياء، ليست من جنس وكالة الخلق، فإن وكالتهم، وكالة نيابة، والوكيل فيها تابع لموكله.
وأما الباري، تبارك وتعالى، فوكالته من نفسه لنفسه، متضمنة لكمال العلم، وحسن التدبير والإحسان فيه، والعدل، فلا يمكن لأحد أن يستدرك على الله، ولا يرى في خلقه خللا ولا فطورا، ولا في تدبيره نقصا وعيبا.
ومن وكالته: أنه تعالى، توكل ببيان دينه، وحفظه عن المزيلات والمغيرات، وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم.
﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة.
فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفية، وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الذي لطف علمه وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن.
ومن لطفه، أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه، ويوصلها إليه بالطرق التي لا يشعر بها العبد، ولا يسعى فيها، ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي، من حيث لا يحتسب، حتى أنه يقدر عليه الأمور، التي يكرهها العبد، ويتألم منها، ويدعو الله أن يزيلها، لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله متوقف عليها، فسبحان اللطيف لما يشاء، الرحيم بالمؤمنين.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ لما بين تعالى من الآيات البينات، والأدلة الواضحات، الدالة على الحق في جميع المطالب والمقاصد، نبه العباد عليها، وأخبر أن هدايتهم وضدها لأنفسهم، فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: آيات تبين الحق، وتجعله للقلب بمنزلة الشمس للأبصار، لما اشتملت عليه من فصاحة اللفظ، وبيانه، ووضوحه، ومطابقته للمعاني الجليلة، والحقائق الجميلة، لأنها صادرة من الرب، الذي ربى خلقه، بصنوف نعمه الظاهرة والباطنة، التي من أفضلها وأجلها، تبيين الآيات، وتوضيح المشكلات.
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ بتلك الآيات، مواقع العبرة، وعمل بمقتضاها ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ فإن الله هو الغني الحميد.
﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ بأن بُصِّر فلم يتبصر، وزُجِر فلم ينزجر، وبين له الحق، فما انقاد له ولا تواضع، فإنما عماه مضرته عليه.
﴿وَمَا أَنَا﴾ أي: الرسول ﴿عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظ أعمالكم وأرقبها على الدوام إنما عليَّ البلاغ المبين وقد أديته، وبلغت ما أنزل الله إليَّ، فهذه وظيفتي، وما عدا ذلك فلست موظفا فيه (١).
(١) انتقل الشيخ -رحمه الله- بعد تفسير هذه الآية إلى قوله تعالى: (ولا تسبوا... ) فلم يفسر الآيات من قوله تعالى: (وكذلك نصرف الآيات) إلى قوله: (وما أنت عليهم بوكيل) ذات الأرقام (١٠٥-١٠٧) فقام النجار بتفسيرها دون الإشارة إلى أنها ليست من كلام الشيخ -رحمه الله- انظر طبعة النجار (٢/٤٥٠-٤٥٢).
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
يُدْرِكُ الأَبْصَارَ
يُبْصِرُهَا، وَيُحِيطُ بِهَا عِلْمًا.

إعراب الآية ١٠٣ من سورة الأنعام

من كتاب: إعراب القرآن

الأعمش إِلى ثَمَرِهِ بضمّ الثاء وإسكان الميم، حذفت الضمة لثقلها. ويجوز أن يكون جمع ثمر مثل بدنة وبدن، وقرأ محمد بن السميفع اليماني ويانعه «١» أي ومدركه، وقرأ ابن محيصن وابن أبي إسحاق وينعه «٢» بضمّ الياء. قال الفراء: الضم لغة بعض أهل نجد.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٠]

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ «الجنّ» مفعول أول وشُرَكاءَ مفعول ثان والتقدير وجعلوا لله الجن شركاء ويجوز أن يكون الجن بدلا من شركاء والمفعول الثاني لله، وأجاز الكسائي رفع الجنّ بمعنى هم الجن. وقرأ ابن مسعود وهو خلقهم وقرأ يحيى بن يعمر وَخَلَقَهُمْ «٣» بإسكان اللام. قال: أي وجعلوا خلقهم لأنهم كانوا يخلقون الشيء ثم يعبدونه.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠١]

بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بمعنى هو بديع وأجاز الكسائي خفضه على النعت لله عزّ وجلّ ونصبه بمعنى بديعا السموات والأرض. قال أبو جعفر: وذا خطأ عند البصريين لأنه لما مضى. أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ اسم «تكن» أي من أين يكون له ولد؟
وولد كلّ شيء شبيهه ولا شبيه له.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٢]

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)
ذلِكُمُ في موضع رفع بالابتداء. اللَّهُ رَبُّكُمْ على البدل. خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ خبر الابتداء ويجوز أن يكون ربكم الخبر و «خالق» خبرا ثانيا أو على إضمار مبتدأ وأجاز الكسائي والفراء النصب فيه.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٤]

قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي آيات وبراهين يبصّر بها ويستدلّ وبصائر مهموز لئلا
(١) وهي قراءة ابن أبي عبلة أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٥، وتيسير الداني ٨٧.
(٢) وهي قراءة الضحاك أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٥.
(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٣٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٣ من سورة الأنعام

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٢ قولًا
١
عن أبي العالية الرِّياحي -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿اللطيف الخبير﴾، قال: اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٤٦٩، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٦٤.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وهو اللطيف﴾ لَطُفَ علمه وقدرته حين يراهم في السموات والأرض، ﴿الخبير﴾ بمكانهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٨٢.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: إنّ النبي - ﷺ - رأى ربَّه، فقال له رجلٌ عند ذلك: أليس قال الله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾؟! فقال له عكرمة: ألستَ تَرى السماء؟ قال: بلى. قال: فكُلَّها تَرى؟١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢/ ٣٢، وأخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٣ آخره. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- ﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: لا يُحِيطُ بصرُ أحدٍ بالله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٤٥٩ بلفظ: لا يحيط بصرُ أحدٍ بالمَلِك.
٥
قال عبد الله بن عباس، ومقاتل: معناه: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤/ ١٧٦، وتفسير البغوي ٣/ ١٧٤.
٦
عن عمر مولى غُفْرة، أن كعب [الأحبار]، ذكر علو الجبار فقال: إن الله تعالى جعل ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وكثف السماء مثل ذلك، وما بين كل سماءين مثل ذلك، وكثفها مثل ذلك، ثم خلق سبع أرضين، فجعل ما بين كل أرضين، ما بين سماء الدنيا والأرض، وكثف كل أرض مثل ذلك، وكان العرش على الماء، فرفع الماء حتى جعل عليه العرش، ثم ذهب بالماء حتى جعله تحت الأرض السابعة، فما بين أعلى الماء الذي على السماء إلى أسفله كما بين أسفله كما بين السماء العليا إلى الأرض السفلى، وذلك مسيرة أربع عشرة ألف سنة، ثم خلق خلقًا لعرشه، جاثية ظهورهم، فهم قيام في الماء لا يجاوز أقدامهم، والعرش فوق جماجمهم، ثم ذهب الجبار تعالى علوًّا حتى ما يستطيعون أن ينظروا إليه، فيقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الابصار﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٢.
٧
قال سعيد بن المسيب: لا تُحيط به الأبصار١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏١٧٦، وتفسير البغوي ٣‏/‏١٧٤.
٨
قال عطاء: كَلَّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏١٧٦، وتفسير البغوي ٣‏/‏١٧٤.
٩
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: في الدنيا. وقال الحسن: يَراه أهلُ الجنةِ في الجنة، يقول الله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]. قال: يَنظُرون إلى وجه الله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، والبيهقي في كتاب الرؤية.
١٠
قال الحسن البصري: لا تَقَع عليه الأبصار، ولا تهجم عليه العقول، ولا يُدرِكه الإذعان١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏١٧٦.
١١
عن عطية بن سعد العوفي -من طريق أبي عَرفَجةَ- في قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تُحِيط أبصارُهم به من عظمته، وبصرُه يحيط بهم، فذلك قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٤٥٩.
١٢
عن قتادة بن دعامة: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: هو أجَلُّ مِن ذلك وأعظمُ؛ أن تُدْرِكَه الأبصار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٤٥٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، يقول: لا يَراه شيءٌ وهو يَرى الخلائق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٦٤.
١٤
عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة -من طريق عبد الرحمن بن مهدي- يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: أبصار العقول١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٦٣، واللالكائي (٩٢٢). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ كثير (٦/١٢٤) قولَ يحيى بن الحصين مستندًا إلى مخالفة اللغة، وظاهر لفظ الآية، فقال: «وهذا غريبٌ جدًّا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية».
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ثم عظَّم نفسَه، فقال: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ يقول: لا يراه الخَلْق في الدنيا، ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ وهو يَرى الخَلْق في الدنيا١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٨٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ بأنّ الإدراك عند السلف له معنيان: الأول: الإحاطة. وهو قول ابن عباس، والعوفي، وقتادة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وعطاء. والثاني: الرؤية. وهو قول عائشة، والسدي، والحسن، وإسماعيل بن عُلَيَّة، ومقاتل. وقد ذكر ابنُ جرير (٩/٤٥٩-٤٦٦) هذين القولين، ثم بيَّن أنّ البعض اتخذ من تفسير الإدراك بالرؤية ذريعةً لنفي رؤية الله يوم القيامة، وذكر العِلَلَ التي استند إليها قائلو ذلك، وانتَقَدها. وذكر في مسألة رؤية الله أقوالًا أخرى؛ منها: لا تُدْرِكه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تُدْرِكه. ومنها: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، فالآية عندهم على الخصوص. ومنها: أنّ الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله يُحْدِث لأوليائه حاسَّةً سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها، فالآية عندهم على العموم. ثُمَّ رجَّح ابنُ جرير مستندًا إلى السنة رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، كما أخبر رسول الله ﷺ بقوله: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب». وانتقد ابنُ عطية (٣/٤٣٤) مستندًا إلى القرآن، والسنة القولَ الرابع، والخامس، فقال: «وهذه الأقوال كلها ضعيفة، ودعاوى لا تستند إلى قرآن ولا حديث».
١٦
عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ -من طريق يحيى بن معين- في قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: هذا في الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٦٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٧
عن هشام بن عبيد الله، أنّه قال نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٦٤.
١٨
قال عبد الله بن عباس: ﴿وهو اللطيف الخبير﴾، اللطيف بأوليائه، الخبير بهم١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏١٧٤.
١٩
عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ، في قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: «لو أنّ الإنسَ والجنَّ والشياطين والملائكة منذُ خُلِقوا إلى أن فَنُوا صَفُّوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٢‏/‏١٦١، وأبو الشيخ في العظمة ١‏/‏٣٣٨-٣٣٩ (٧٢)، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٦٣ (٧٧٣٦)، من طريق بشر بن عمار، عن أبي روق، عن عطية، عن أبي سعيد. قال ابن الجوزي في الموضوعات ١‏/‏١١٤: «هذا حديث لا يصِحُّ عن رسول الله ﷺ». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٣١١: «غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة». وقال الذهبي في تاريخ الإسلام ١٢‏/‏٨٤: «هذا حديث منكر، لا يعرف إلا ببشر، وفيه عطية ضعيف أيضًا». وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٣١٥ (٥٦): «... موضوع». وقال المظهري في تفسيره ٣‏/‏٢٧٤: «سند ضعيف». وقال السيوطي: «بسند ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١١‏/‏٦٢٩ (٥٣٧٦): «ضعيف». وقال أيضًا في ١٣‏/‏١٧٧ (٦٠٧٤): «منكر».
٢٠
عن ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: قالت امرأةٌ: اسْتشفِعْ لي -يا رسول الله- على ربِّك. قال: «هل تدرين على مَن تستشفعين؟! إنّه مَلَأَ كُرْسِيُّه السماوات والأرض، ثم جلس عليه، فما يفَضُلُ منه مِن كلٍ أربعُ أصابعَ». ثم قال: «إنّ له أطيطًا كأطيطِ الرّحْل الجديد». فذلك قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، ينقطِعُ به بصرُه قبلَ أن يَبلُغَ أرجاء السماء. زعَموا: أنّ أولَ مَن يعلم بقيام الساعة الجنُّ؛ تذْهبُ فإذا أرجاؤُها قد سَقَطَتْ، لا تَجِدُ منفذًا، تَذْهبُ في المشرق والمغرب واليمن والشام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢١
عن عائشة -من طريق مسروق- قالتْ: مَن حَدَّثك أنّ رسول الله ﷺ رأى ربَّه فقد كذب، ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى:٥١]، ولكن قد رأى جبريلَ في صورته مرتين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٤٦٢.
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: رأى محمدٌ ربَّه. قال عكرمةُ: فقلتُ له: أليس الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾؟! قال: لا أُمَّ لك، ذاك نورُه الذي هو نورُه، إذا تجلّى بنوره لا يُدْرِكُه شيء. وفي لفظ: إنّما ذلك إذا تجلّى بكيفيَّتِه لم يَقُمْ له بصر١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي (٣٢٧٩)، وابن جرير ٢٢‏/‏٢٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٦٣، والطبراني ٢‏/‏٣١٦، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏٣٠٤-، واللالكائي في السنة (٩٢٠). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والحاكم.
التفسير بالمأثور لسورة الأنعام كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٣ من سورة الأنعام

١٠ وقفات في هذه الآية

  • ( وهو اللطيف الخبير )الأقدار التي تصيبنا لا تخرج عن لطف الله ، ولكننا لا ندرك ذلك بسبب طبيعتنا ،فَ فوض أمرك لله وارض بأقداره !!/

    — عايض المطيري

  • لولا الله " اللطيِّف" لكانت المصائب خاليَّة من الأجر والثواب ! لكنه " لطيِّف " رتّب على البلاء أجوراً عظيِّمة.

    — تأملات قرآنية

  • . "هناكَ لحظاتٌ تكونُ فيها النّفس جاثية على رُكبتَيها ، مهما كانَ وضع الجسد !" . ( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )

    — أدهم شرقاوي

  • عض الأشخاص .. رسالة لطف من الله لك.* . " إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ "

    — تدبر

  • سورة الأنعام آية (103)

    — عبدالله بلقاسم

  • ( وهو اللطيف الخبير ) الأقدار التي تصيبنا لا تخرج عن لطف الله، ولكننا لا ندرك ذلك بسبب طبيعتنا فَفوض أمرك لله وارض بأقداره !!

    — عايض المطيري

  • قال تعالى : ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَهُوَ یُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَـٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِیفُ ٱلۡخَبِیرُ﴾ [الأنعام ١٠٣] قال ابن القيم: "واسمه اللطيف يتضمن: علمه بالأشياء الدقيقة، وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية". وقال: " ختم الآية باسمين وهما (اللطيف) الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه الأفهام. و (الخبير) الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها. فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تحويه الضمائر وتخفيه الصدور؟! ". ومن اللطائف : أنه لم يقترن في كتاب الله اسم الله اللطيف إلا باسمه الخبير، والسبب في هذا أن الله تعالى يطلِّع على بواطن الأمور ويلطف بعباده، فلا يُقدِر لهم إلا ما فيه الخير ، وقد يخفى على العبد هذا الخير، فيُقابل قضاء الله بالاعتراض.فلا يلطف بك إلا من عرفك وكان خبيرا بمواطن ضعفك وقوتك وبكل أحوالك. قال العلامة عبد الرحمن السعدي في اسم "اللطيف" : "الذي لطف علمه وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن. ومن لطفه، أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه، ويوصلها إليه بالطرق التي لا يشعر بها العبد، ولا يسعى فيها، ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي، من حيث لا يحتسب، حتى أنه يقدر عليه الأمور، التي يكرهها العبد، ويتألم منها، ويدعو الله أن يزيلها، لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله متوقف عليها، فسبحان اللطيف لما يشاء، الرحيم بالمؤمنين ومن معاني اللطيف، أنه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من العبد على بال، حتى إنه يذيقه المكاره، ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة، والمقامات النبيلة ". ‏فمن حدثكم عن زمن مخيف = ‏فحدثوه عن ربٍّ بعباده لطيف. ‏ومن حذركم من مستقبل قادم = ‏فأخبروه بأن ربّكم رؤوف راحم. ‏ ومن خوفكم على أرزاقكم = ‏فأعلموه بأنها ليست في أيديكم إنما في يد الله.

    — تشويقات قرآنية

  • قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمين (95)}[البقرة:94-95]. وقوله تعالى:{قُلْ يا أيها الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6) وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين(7)}[الجمعة:6-7]. في آية سورة البقرة قال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، وفي آية سورة الجمعة قال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، والنفي بـ(لا) أعم من النفي بـ (لن)، قال السهيلي – رحمه الله-:((فحرف (لا) لامٌ بعدها ألف، يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و(لن) بعكس ذلك، فتأمله، فإنه معنى لطيفٌ، وغرضٌ شريف)) انتهى كلامه. فـ(لا) تفيد العموم؛ لأن نفيها ينسحب على جميع الأزمنة، و(لن) تفيد القطع وقرب المنفيّ. وقال السهيلي – عليه من رحمة الله شآبيبها -:((على أني أقول: إن العرب – مع هذا – إنما تنفي ب(لن) ما كان ممكنا عند المخاطب، مظنونا أن سيكون، فتقول:(لن يكون) لما يمكن أن يكون؛ لأن (لن) فيها معنى (أن)، وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن، كأنه يقول: أيكون أم لا يكون؟، قلت في النفي :(لا يكون) )). وقد فرق كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني بينهما تفريقاً مبنيا على اللفظ، فقال: (((لن) محل استعمالها المظنون حصوله، ومحل استعمال (لا) المشكوك في حصوله، وهذا يعلمك أن (لن) آكد في النفي، على ما قاله فخر خوارزم رحمه الله، وإن كان زمانها أقصر؛ ومما يثبت عندك ذلك قوله – عز وجل-:{وَلاَ يتمنونه أبدا} بعد حرف الشرط، وهو{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6)}، كأنه قيل: متى زعموا ذلك في وقت من الأوقات، وقيل: تمنوا الموت، فلا يتمنونه أبداً. فلما كان حرف الشرط لا يختص بوقت دون وقت، وعم جميع الأزمنة، قوبل بـ(لا)؛ ليعم ما جُعل جوابا له. ولما فات العموم من قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين}؛ بسبب دخول (كان)؛ لكونها لا تدل على الحدث،بل تدخل على المبتدأ والخبر؛ لتقرن مضمون الجملة بالزمان الماضي، وكأنه قيل: إن كانت قد وجبت لكم الدار الآخرة عند الله فتمنوا الموت الآن. وكان حرف الشرط داخلاً على فعل أمده قريب جاء في جوابه (لن)، فانتظم الخطاب في الآيتين)) انتهى كلامه. ولكني أري بينهما تفريقا من حيث المعنى؛ فإن فائدة{لن} في آية سورة البقرة الدلالة على القطع والبتات؛ لأنه علق صحة فعل الشرط الذي ادّعوه – وهو كون الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس-على تمني الموت؛ ليصلوا إلى جنة التعليم الخالصة لهم من دون الناس بزعمهم، فالحبيب لا يكره لقاء حبيبه، بل يتمناه،((والابن لا يكره لقاء أبيه ولا سيما إذا علم أن كرامته ومثوبته مختصة به، بل أحب شيء إليه لقاء حبيبه وأبيه، فحيث لم يحب ذلك، ولم يتمنه، فهو كاذبٌ في قوله، مبطل في دعواه)). ودعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة عند الله، وزعمهم كما في غير هذه الآية أنهم أبناء الله وأحباؤه، لو صحت لكانت غاية ما يطلبه مطيع الله وعابده، فليس بعد حصول الدار الآخرة خالصة لأمة من الأمم مطلب أعظم منه، ولا يطمع طامع بزيادة عليه من حيث الظفر بالآخرة، والاستئثار بنعيمها، ونظرا إلى عظم هذه الدعوى ووثوق أصحابها بها احتاج الرد عليهم بها إلى ما هو أبلغ في القطع وأقوى، فجاء بـ {لن}القاطعة النافية، فقال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، فهذا النفي كالصاعقة وقعت على رؤوسهم، ودحضت دعواهم. أما في آية سورة (الجمعة) فقد عُلق على تمني الموت صحة فعل الشرط الذي ادعوه وهو كونهم أولياء لله من دون الناس، فليس زعمهم هذا مطلبا لا مطلب وراءه؛ لأنه يحتاجون بعد ذلك إلى طلب قبول أعمالهم كما يفعل الأولياء، ويرجون الثواب عليها في الآخرة، فلما كان الشرط في هذه الآية قاصراً عنه في سورة البقرة لم يُحتج في نفيه إلى ما يدل على القطع، فجاء بـ {وَلاَ }النافية، فقال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، وهذا النفي أيضا يدل على عموم الأزمنة؛ لأن دعواهم بأنهم أولياء الله وأحباؤه أكثر ترددا من دعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة. وههنا تنبيه يحسن ذكره،وهو: أن الزمخشري يرى أن (لن) تفيد التأبيد؛ للوصول إلى مذهبه الاعتزالي في نفي رؤية المؤمنين ربهم في الدنيا والآخرة مستدلاً بقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}[الأعراف:143]. والرد على الزمخشري سهل جدا؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}[مريم:26]، فخص النفي باليوم، وهذا معارض للتأبيد، وفي سورة البقرة قال:{وَلَن يتمنوه أبدا}، ولو كانت (لن ) دالة على التأبيد لما احتاجت إلى التأكيد بقوله:{أَبَدًا}، ومما يرد على الزمخشري أيضا قوله تعالى:{قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}[طه:91]، فقيد النفي برجوع موسى ، وهو منافٍ للتأبيد. وعجيب أمر عالم جهبذ كالزمخشري، كيف يسقط مثل هذا السقطة؟ لكنه الانحراف في العقيدة، يُعمي ويُصم، ولا يخفى ذي بصيرة ما يعتور المعتزلة من قصور في فهم كلام الله، فهم كما قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: ((وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن. وتأمل قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[الأنعام:103]، كيف نفى فعل الإدراك بـ{لاَّ}الدالة على طول النفي ودوامه؛ فإنه لا يدرك أبدا، وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه ، تعالى عن أن يحيط به مخلوق. وكيف نفى الرؤية بـ{لَن}، فقال:{لَن تَرَانِي}؛ لأن النفي بها يتأبد، وقد أكذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ(لن) صريحا بقوله:{وَنَادَوْا يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }[الزخرف:77]، فهذا تمن للموت، فلو اقتضت (لن) دوام النفي تناقض الكلام، كيف، وهي مقرونة بالتأبيد بقوله:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُأَبَدًا}؟، ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار؛ لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد، أو التأبيد المطلق، فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة، كقولك: والله لا أكلمه ابدا، والمطلق كقوله: والله لا أكفر بربي أبدا. وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا، ولم يتعرض للآخرة أصلاً؛ وذلك لأنهم لحبهم في للحياة، وكراهتهم للجزاء لا يتمنون الموت، وهذا منتفٍ في الآخرة. فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله، لا كفهم المحرفين له عن مواضعه)).

    — صالح العايد

  • ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) بينما في آية أخرى( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )؟

    — عدنان عبدالقادر

  • قوله تعالى: (لَا تُدْرِكهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) إن قلتَ: كيف خصَّ الأبصار في الثاني بالذكر، مع أنه تعالى يُدرك كل شيء؟! قلتُ: خصَّه بالذكر لرعاية المقابلة اللفظية، لأنها نوع من البلاغة.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

فتاوى متعلقة بالآية ١٠٣ من سورة الأنعام

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٠٣ من سورة الأنعام

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(103) Vision perceives Him not,[332] but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,[333] the Aware.[334]
[332]- In the life of this world. The people of Paradise will be able to see Allāh in the Hereafter. See 75:22-23.
[333]- Perceptive of the most precise and unapparent matters and the intricacies of all affairs. Also, He who benefits His servants in indiscernible ways.
[334]- See footnote in 6:18.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال