مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾
في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين. يرونه يوم القيامة من وجوه : الأول : في تقرير هذا المطلوب أن نقول : هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته.
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة.
أما المقام الأول : فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية.
وإذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته. والعلم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدل على أن قوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار﴾ يفيد كونه تعالى جائز الرؤية، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء. أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة. فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته. فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا. فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية.
الوجه الثاني : أن نقول المراد بالأبصار في قوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئا ألبتة في موضع من المواضع. بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله :﴿وهو يدرك الأبصار﴾ المراد منه وهو يدرك المبصرين، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله :﴿وهو يدرك الأبصار﴾ يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته، وكان تعالى يرى نفسه. وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصارا قلنا : قوله تعالى :﴿وهو يدرك الأبصار﴾ المراد منه إما نفس البصر أو المبصر، وعلى التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصرا لإبصار نفسه، وكونه مبصرا لذات نفسه. وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ ﴿الأبصار﴾ صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.
إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيدا ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم.
فإذا قيل : إن محمدا ﷺ ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، وكذا قوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ معناه : أنه لا تدركه جميع الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار. أقص ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب. فنقول : هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد ألبتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب.
الوجه الرابع : في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول : إن الله تعالى لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال : دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزا في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة.
المسألة الثانية : في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية.
اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين : الأول : أنهم قالوا : الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، بدليل أن قائلا لو قال أدركته ببصري وما رأيته، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضا، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية.
إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال، والدليل على صحة هذا العموم وجهان : الأول : يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال : لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله. فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال. وذلك يدل على أن أحدا لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال.
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدا ﷺ رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علما بلغة العرب. فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب.
الوجه الثاني : في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا : إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء، وقوله بعد ذلك :﴿وهو يدرك الأبصار﴾ أيضا مدح وثناء فوجب أن يكون قوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ مدحا وثناء، وإلا لزم أن يقال : إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله.
إذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عدمه مدحا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصا في حق الله تعالى، والنقص على الله تعالى محال، لقوله :﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ وقوله :﴿ليس كمثله شيء﴾ وقوله :﴿لم يلد ولم يولد﴾ إلى غير ذلك. فوجب أن يقال كونه تعالى مرئيا محال.
واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله :﴿وما الله يريد ظلما للعالمين﴾ وقوله :﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم، فذكروا هذا القيد دفعنا لهذا النقض عن كلامهم. فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب.
والجواب عن الوجه الأول من وجوه : الأول : لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه : أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى :﴿قال أصحاب موسى إنا لمدركون﴾ أي لملحقون وقال :﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ أي لحقه، ويقال : أدرك فلان فلانا، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم، وأدركت الثمرة أي نضجت. فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء.
إذا عرفت هذا فنقول : المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته. صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكا، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكا. فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة. ورؤية لا مع الإحاطة. والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس. فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم.
فإن قالوا لما بينتم أن الإدراك أمر مغاير للرؤية فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسكتم بها في هذه الآية في إثبات الرؤية على الله تعالى.
قلنا : هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب الأعم. وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم. فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا.
الوجه الثاني : في الاعتراض أن نقول : هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات ؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير، وعموم النفي غير، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال. وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ يفيد نفي العموم. وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي، فسقط كلامهم.
الوجه الثالث : أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضا، وإذا كان كذلك فقوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله ؟
الوجه الرابع : سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به ؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة.
الوجه الخامس : هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا ؟
الوجه السادس : أن نقول بموجب الآية فنقول : سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى ؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع ح

تفسير هذه الآية من كتب أخرى