جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
وهذا أمر من الله جلّ ثناؤه نبيه محمداً ﷺ أن يقول لهؤلاء الذين نبههم هذه الآيات من قوله : إنّ اللّهَ فالِقُ الحَبّ والنّوَى. . . إلى قوله : وَهُوَ اللّطِيفُ الخَبِيرُ على حججه عليهم، وعلى تبيين خلقه معهم، العادلين به الأوثان والأنداد، والمكذّبين بالله ورسوله محمد ﷺ وما جاءهم من عند الله. قل لهم يا محمد : قد جاءكم أيها العادلون بالله والمكذّبون رسوله بَصَائِرُ مِنْ رَبّكُمْ أي ما تبصرون به الهدى من الضلال والإيمان من الكفر. وهي جمع بصيرة، ومنه قول الشاعر :
| حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ على أكْتافِهِمْ | وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وَأَي |
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : قَدْ جاءَكُمْ بَصَائرُ مِنْ رَبكُمْ قال : البصائر : الهدى بصائر في قلوبهم لدينهم، وليست ببصائر الرءوس. وقرأ : فإنّها لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي فِي الصّدُورِ قال : إنما الدّيّنُ بصره وسمعه في هذا القلب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قَدْ جاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبّكُمْ أي بينة.
وقوله : فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ يقول : فمن تبين حجج الله وعرفها وأقرّ بها وآمن بما دلته عليه من توحيد الله وتصديق رسوله وما جاء به، فإنما أصاب حظّ نفسه ولنفسه عمل، وإياها بغى الخير. وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها يقول : ومن لم يستدلّ بها ولم يصدّق بما دلته عليه من الإيمان بالله ورسوله وتنزيله، ولكنه عمي عن دلالتها التي تدلّ عليها، يقول : فنفسَه ضرّ وإليها أساء لا إلى غيرها.
وأما قوله : وَما أنا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يقول : وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أُرسلت به إليكم، والله الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٣٧٠٢- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله:"اللطيف الخبير"، قال:"اللطيف" باستخراجها="الخبير"، بمكانها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾
قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء الذين نبَّههم بهذه الآيات من قوله: (٢) "إن الله فالق الحب والنوى" إلى قوله:"وهو اللطيف الخبير" على حججه عليهم، وعلى سائر خلقه معهم، (٣) العادلين به الأوثان والأنداد، والمكذبين بالله ورسوله محمد ﷺ وما جاءهم من عند الله= قل لهم يا محمد:"قد جاءكم"، أيها العادلون بالله،
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((لهذه الآيات)) باللام، وصواب السياق يقتضي ما أثبت.
(٣) في المطبوعة ((وعلى تبيين خلقه معهم))، وهو كلام لا معنى له، وهو في المخطوطة سيئ الكتابة، وصواب قراءته ما أثبت. قوله: ((وعلى سائر خلقه معهم))، معطوف على قوله: ((عليهم)) قبله.
وقوله: ((على حججه))، السياق:
| ((أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات | على حججه عليهم)). |
* * *
= وهي جمع"بصيرة"، ومنه قول الشاعر: (١)
| حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ | وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَدٌ وَأَى (٢) |
١٣٧٠٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"قد جاءكم بصائر من ربكم" قال:"البصائر" الهدى، بصائر في قلوبهم لدينهم، وليست ببصائر الرؤوس. وقرأ: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [سورة الحج: ٤٦] وقال: إنما الدين بصره وسمعه في هذا القلب. (٤)
١٣٧٠٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قد جاءكم بصائر من ربكم"، أي بينة.
(٢) الأصمعيات: ٢٣ (وطبعة المعارف: ١٥٧)، والوحشيات رقم: ٥٨، المخصص ١: ١٦٠، اللسان (بصر) (عتد) (وأي). وغيرها كثير. وهي من قصيدة عير فيها إخوته لأبيه، وذلك أن أباه قتل وهو غلام، فأخذ إخوته لأبيه الدية فأكلوها، فلما شب الأسعر، أدرك بثأر أبيه، وقال قبله:
| ولقد عَلِمْتُ، عَلَى تَجَشُّمِيَ الرَّدَى | أَنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى |
(٣) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٣
(٤) ((الدين)) (بتشديد الياء وكسرها) : المتدين، صاحب الدين.