السؤال

قبل سنة قررت أن أقرأ القرآن قراءة فهم وتدبر ، لا قراءة تلاوة فقط ، مثلما كنت أفعل ، فسجلت الآيات التي أشكلت علي ، وبحثت عن تفاسيرها حتى فهمت ، ولكن عندي القليل من المشاكل التي صادفتني ، وأريد أن أطرح واحدة منها : (الإضمار) : وهناك مواضع عدّد فيها الطبري الكثير من الآيات التي فيها إضمار ، وفهمت أنها من أساليب العرب ، ولكن ما لم أفهمه هو إضمار كلمة (قل) عند مخاطبة الله تعالى لسيدنا محمد . مثل : قوله تعالى : ( قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) الأنعام /104 . فمن الواضح أن الخطاب انتقل مباشرةً من الله للناس ، أو أن يكون الخطاب من أوله من رسول الله لإضمار كل قل يا محمد . وقوله تعالى :( أَفَغيْرَ اللَّهِ أَبْتغِي حَكمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ )الأنعام/114 . وقال تعالى:( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) الأعراف /196. وقال تعالى:(إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) النمل/91 . والآية 50 ، 51 من سورة الذاريات ، فقليلو العلم والجهلة ربما يستغلون مثل هذه الآيات ليقدحوا بكتاب ربي ، فما هو توضيح ما ذكرت .


الإجابة

الحمد لله 

أولًا :

ما أجمل أن يتأمل المسلم كلام ربه تعالى ، فإن أشكل عليه أمر رده إلى العالم به ، فإن في ذلك خيرا كبيرا ، وفائدة عظيمة .

والقرآن بحمد لله لا يتطرق إليه الاختلاف بحال ، كما قال سبحانه :  أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا  النساء/82 .

ثانيًا :

من عادات القرآن الأسلوبية ، وطريقته المعهودة الجارية على سنن العرب في الكلام  حذف ما دل عليه الظاهر ، لأنه يصير حينئذٍ حشوًا لا حاجة إليه ، إلا إن كان لإظهاره فائدة أخرى من الفوائد البلاغة .

يقول الطبري : " العرب ، من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة ، ولم تشك أن سامعها يعرف بما أظهرت من منطقها ، ما حذفت : حَذْفُ ما كفى منه الظاهر من منطقها ، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حذفت قولا ، أو تأويل قول "، انتهى من "جامع البيان" (1/ 137).

قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (1/ 111): "العرب تختصر الكلام ليخففوه ؛ لعلم المستمع بتمامه" انتهى .

وانظر للاستزادة : "الأساليب العربية الواردة في القرآن" (517 - 526)، "عادات القرآن الأسلوبية" (1/ 219).

قال "السمين الحلبي" في "الدر المصون" (1/ 370) : "وإضمارُ القولِ : كثيرٌ في لسانِهم "، انتهى .

والمفسرون ينبهون على ذلك ، ومنه قول "الواحدي" : "ومن كَسَرَ، أضمر القولَ؛ كأنه: (ناداه، فقال: إنَّ الله) فحذف القولَ.

وإضمار القول كثير في هذا النحو، كما قال: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد:23 - 24]، وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا [الأنعام: 93]، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ [آل عمران: 106]، فأضمر القول في ذلك كلِّه "، انتهى من "التفسير البسيط" (5/ 221).

وقال : "وإضمار القول كثير كقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا [البقرة: 127] أي: يقولان: ربنا، وقوله تعالي: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ [الزمر: 3] معناه: يقولون ما نعبدهم "، انتهى من "التفسير البسيط"  (8/ 246).

وقول "أبي حيان" : " ... والخبر هنا محذوف للعلم به. والتقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟

كما حذف القول في مواضع كثيرة ، كقوله: ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) الرعد ، أي يقولون: سلام عليكم " انتهى من "البحر المحيط" (3/ 293).

 والله أعلم.

آية ذات علاقة

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ

سورة الأنعام — الآية 104

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري