اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قال سعيد بن المُسَيَّبِ : لا تحيط به الأبصارُ.
وقال عطاء : كَلَّتْ أبْصَارُ المخلوقين عن الإحَاطَةِ به.
وقال ابن عبَّاسٍ : لا تدركه الأبْصَارُ في الدنيا وهو يُرى في الآخرة(١).
قوله :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ أي : لا يخفى عليه شيءٌ ولا يفوته ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾.
قال ابن عباس : اللَّطيفُ بأوليائه، الخَبِيرُ بهم(٢).
وقال الأزهري(٣) : اللَّطِيفُ الرفيق بعباده.
وقيل : اللطيف الذي يُنْسِي العِبادَ ذنوبهم لئلاَّ يِخْجَلُوا، والَّطَافَةُ ضِدُّ الكَثَافَةِ، والمراد منه الرقة، وذلك في حَقِّ الله تعالى ممتنع، فوجب المصير إلى التأويل، وهو من وجوه(٤) :
أحدها : لطف صنعه في تركيب أبْدانِ الحيوانات من الأجزاء الدقيقة، والمنَافِذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا اللَّه تبارك وتعالى.
وثانيها : لَطِيفٌ بعباده حيث يثني عليهم عند الطَّاعةِ، ويأمرهم [ بالتَّوبْةِ عند ](٥) المعصية، ولا يقطعُ عنهم موادَّ رحمته، سواء كانوا مطيعين أو عُصَاةً.
وثالثها : لَطِيفٌ بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم، وينعم عليهم بما هو فوقَ اسْتِحْقَاقهمْ.
وأما الخبير فهو من الخبرِ، وهو العلم، والمعنى : أنه لَطِيفٌ بعباده مع كونه عالماً بما هم عليه من ارْتِكَابِ المعاصي والقبائح.
وقال الزمخشري(٦) : اللَّطِيفُ معناه : أنه يلطف عن أن تُدْرِكهُ الأبصار الخبير بكل لطيف، فهو يُدْرِكُ الأبصار ولا يلطف شيء عن إدراكه.
احتج أهل السُّنَّةِ بهذه الآية على أنه-تبارك وتعالى- لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ، وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا اسْتِدْلاَلَهُمْ على نَفْي الرؤية، فنقول : لو لم يكن تعالى جَائِزَ الرُّؤيَةَ لما حَصَلَ التَّمَدُّحُ بقوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " ؛ ألا ترى أن المعدوم لا تَصِحُّ رؤيته، والعلوم والقدرة والإدارة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا يَصِحُّ رؤيتها، فثبت أن قوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المَدْحَ لو كان صَحِيحَ الرُّؤيَةِ، وهذا يَدُلُّ على أن قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ يفيد كونه -تعالى- جَائِزَ الرُّؤيَةِ، وتحقيقه أن الشيء إذا كان في نَفْسِهِ بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يَلْزمُ من عدم رؤيته مَدْحٌ وتَعْظيمٌ لذلك الشيء، أما إذا كان في نفسه جَائِزَ الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رُؤيَتِهِ، وعن إدراكه كانت هذه القُدْرَةُ دَالَّةً على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالَّةٌ على أنه -تعالى- يجوز رُؤيَتُهُ بحسب ذاته، وإذا ثبت هذا وجب القَطْعُ بأن المؤمنين يرونه [ يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان قال بجواز الرؤية، مع أن المؤمنين يرونه، وقال قال : لا يرونه، ولا تجوز ](٧) رؤيته.
فأما القول بأنه -تعالى- تجوز رؤيته، مع أنه لا يَرَاه أحَدٌ من المؤمنين، فهذا قول لم يقل به أحَدٌ من الأمَّةِ، فكان بَاطِلا(٨).
الثاني : أن نقول : المراد ب " الأبصار " في قوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " ليس هو نفس الإبصار، فإن البَصَر لا يدرك شيئاً ألبته في مَوْضع من المواضع، بل المدرك هو المبصر، فوجب القَطْعُ بأن المُرَادَ من قوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " هو إدراك المبصرين، ومعتزلة(٩) البَصرةِ يوافقون بناء على أنه -تعالى- يبصر الأشياء، فكان تعالى من جملة المبصرين، فقوله تعالى :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ يقتضي كونه تعالى مُبصراً لنفسه ومن قال : إن المؤمنين يرونه يوم القِيامَةِ، فدلَّتِ الآية الكريمة على أنه جَائِزُ الرؤية، وعلى أنَّ المؤمنين يرونه يوم القِيامَةِ، وإذا اخْتَصَرْنَا هذا الاستدلال قلنا قوله تعالى :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ المراد منه إنما نفس البصر، أو المبصر على التقديرين يلزم كونه -تعالى- مبصراً لإبصار نفسه، أو كونه مبصراً لذات نَفْسِهِ، وإذا ثبت هذا وجب أن يراه [ المؤمنون ](١٠) يوم القيامة ضَرُورَةَ أنه لا قَائِلَ بالفَرْقِ(١١).
الثالث : أن لَفْظِ " الأبصار " صيغة جَمْعٍ دَخَلَ عليها الألف واللام، فهي تفيد الاسْتِغْراقِ في قوله :﴿تُدْرِكُهُ الأبصار﴾.
[ فإذا كان كذلك كان قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ ](١٢) يفيد أنه لا تراه جَميعُ الأبْصارِ، فهذا يفيد سَلْبَ العُمُوم، ولا يفيد عموم السَّلب، وإذا عُرِفَ هذا فَنَقُول : تخصيص هذا السَّلْبِ بالمجموع يَدُلُّ على ثبوت الحكم في بعض أفْرَادِ المجموع ؛ ألا تَرَى أن الرَّجُلَ إذا قال : إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضَرَبَهُ بَعْضُهُمْ، وإذا قيل : إن محمداً ﷺ ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، فكذلك قوله :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ معناه أنه : لا تدركه كل الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصَارِ أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسُّك بدليل الخطاب، فنقول : هَب أنه كذلك إلاَّ إنه دليلٌ صحيح ؛ لأن بتقدير ألاَّ يحصل الإدْرَاكُ لأحَدٍ ألْبَتَّةَ كان تخصيص هذا السَّلْبِ بالمجموع من حَيْثُ هو مجموع عبثاً، وَصَوْنُ كلام الله - تعالى عن العَبَثِ واجِبٌ.
الرابع : نقل أن ضرار بْنَ عَمْرو الكُوفِيَّ كان يقول : إن الله -تعالى- لا يُرَى بالعين، وإنما يرى بِحَاسَّةٍ سَادِسَةٍ يخلقها يوم القيامة واحتج بهذه الآية الكريمة، فقال : دلَّتْ [ هذه ] الآية الكريمةُ على تخصيص نَفْي إدْرَاكِ الله -تبارك وتعالى- بالبَصَرِ، وتخصيص الحكم بالشيء يَدُلُّ على أن الحال في غيره بخلافه، فوجَبَ أن يكون إدْراكُ الله -تبارك وتعالى- بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواسِّ الموجودة الآن لا تَصْلُحُ لذلك وجب أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حَاسَّةً بها تحصل رُؤيَةُ الله -تعالى-(١٣) وإدراكه.
واسْتَدَلَّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة على نَفْيِ الرُّؤيَةِ من وجهين :
الأول : قالوا : الإدْرَالكُ بالبَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ بدليل لو قال قائل : أدركته ببصري، وما رأيته، أو قال : رأيته، وما أدْرَكتُهُ ببصري، فإنَّ كلامه يكوم متناقضاً، فثبت أن الإدْراكَ بالبَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ يقتضي أنه لا يَرَاهُ شيء من الأبْصَارِ في شيء من الأحْوالِ، ويدل على صِحَّةِ هذا العموم وجهان :
الأول : أنه يصح اسْتِثْنَاءُ جميع الأشخاص، وجميع الأحوال عنه، فيقال : لا تدركه الأبصار إلاَّ بصر فلان وإلاَّ في الحالة الفُلانيَّةِ، والاستثناء يُخْرجُ من الكلام مَا لولاهُ لدخل، فثبت أن عُمُومَ هذه الآية الكريمة يُفِيدُ عموم النفي عن كُلِّ الأشخاص، وفي جميع الأحوال، وذلك يَدُلُّ على أن أحَداً لا يرى الله -تعالى- في حالٍ من الأحوال.
الثاني : أن عائشة - رضي الله عنها- لما أنكرت قَوْلَ ابْنِ عبَّاسِ - رضي الله عنه - في أنَّ محمداً ﷺ رأى ربَّهُ لَيْلَة المِعْراج تَمَسَّكَتْ بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية تفيد العُمُومَ بالنسبة إلى كُلِّ الأشخاص، وكُل الأحوال لما تَمَّ ذلك الاسْتِدلالُ، وكانت من أعظم(١٤) الناس بِلُغَةِ العربِ.
الوجهُ الثاني : أن قوله :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ مَدْحٌ وثناء، فوجب أن يكون قوله :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ مَدْحاً وثناءً، وإلاّ لزم أن يقال : إن ما ليس بِمَدح وثناء وَقَعَ في خلال ما هو مَدْحٌ وثناء، وذلك يوجب الرَّكَاكَة وهي غير لائِقَةٍ بكلام الله -تبارك وتعالى- وإذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عَدَمُهُ(١٥) مَدحاً، ولم يكن من باب الفِعْلِ كان ثُبُوتُهُ نَقصْاً في حقِّ الله -تبارك وتعالى- والنُّقْصانُ على الله مُحَالٌ. واعلم أن القَوْمَ إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من بابِ الفعل ؛ لأنه تعالى تَمَدَّحَ بِنَفْي الظُّلم عن نفسه في قوله :﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] مع أنه تبارك وتعالى قَادِرٌ على الظُّلم عندهم، وذكروا هذا القيد دَفْعاً لهذا النَّقْضِ عن كلامهم فهذا [ غاية ](١٦) تقرير كلامهم في هذا الباب.
والجوابُ عن الأوَّل من وجوه.
أحدها : لا نُسَلِّمُ أن إدْرَاكَ البَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ، لأن لَفْظِ الإدْراكِ في أصل اللغة عبارة عن اللُّحُوقِ والوُصُول ؛ قال تعالى :﴿قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُون﴾ [الشعراء: ٦١] أي لمُلْحَقُونَ، وقال :﴿حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق﴾ [يونس: ٩٠] أي : لحقه، ويقال : أدرك فلان فلاناً، وأدرك الغُلامُ الحلْمَ، أي : بلغ، وأدركت الثمرة، أي : نَضَجَتْ، فثبت أن الإدْراكَ هو الوُصُولُ إلى الشيء، وإذا عُرِفَ هذا فنقول المرئِيُّ إذا كان له حَدٌّ ونهايةٌ، وأدْرَكَهُ البَصَرُ بجميع حُدُودِهِ وجَوانِبهِ ونهايته صَارَ ذلك الإبْصَارُ كأنه أحَاطَ به فَتُسَمَّى هذه الرُّويةُ إدْرَاكاً.
أما إذا لم يُحِطِ البَصَرُ بجوانب المرئيِّ لم تُسَمَّ تلك الرؤية [ إدراكاً، فالحاصل أن الرؤية ](١٧) جنس تحته نوعان : رؤية مع الإحاطة [ ورؤية لا مع الإحاطة، والرؤية مع الإحاطة ](١٨) هيا التي تسمى إدراكاً، فنفي الإدراك يفيد نفي الجِنْسِ، فلم يلزم من نَفْي الإدْرَاكِ على الله -تعالى- نَفْيُ الرؤية عن الله، وهذا وَجْهٌ حَسَنٌ في الاعْتِرَاضَ على كلامهم، فإن قالوا : إنْ قلتم : إنَّ الإدْراك يُغَايِرُ الرؤية، فقد أفْسَدْتُمْ على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تَمَسَّكْتُمْ بها في هذا الآية الكريمة على إثبات الرؤية.
قلنا : هذا يفيد أنه إدْراكٌ أخَصُّ الرؤية، وإثبات الأخصِّ يوجب إثبات الأعَمِّ، أما نَفْيُ الأخَصِّ فلا يوجب نَفْيَ الأعَمِّ، فثبت أن البَيَانَ الذي ذَكَرْنَاهُ يبطل كلامهم، ولا يبطل كلامنا.
وثانيها : أن نقول : هَبْ أن الإدْراكَ يفيد عموم النَّفي عن كل الأشخَاصِ في كُلِّ الأحوال، فلا نُسَلِّمُ أنه يفيد نَفْي العموم، إلاَّ أن نَفْيَ العموم غير، وعموم النفي غير، وقد دَلَّلْنَا على أن هَذَا اللَّفْظِ لا يفيد إلا نفي العموم، وبَيَّنَّا أن نَفْيَ العموم يوجب ثبوت الخُصُوصِ(١٩).
وأما قولهم : إن عَائِشَةَ تَمَسَّكَتْ بهذه الآية في نَفْي الرؤية، فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تُكْتَسَبُ من علماء اللغة، فأمَّا كيفية الاسْتِدْلالِ بالدليل، فلا يُرْجَعُ فيه إلى التَّقْلِيدِ، وبالجملة فالدليل العَقْلِيُّ دَلَّ على أن قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ يفيد نفي العموم وثبت بصريح العَقْلِ أن نَفْيَ لعموم مُغَايِرٌ لعموم النَّفيِ، ومقصودهم إنما يَتِمُّ لو دلَّتِ الآية على عُمُومِ النفي، فَسَقَطَ كلامُهُمْ(٢٠).
وثالثها : أن نقول : صيغة الجَمْعِ كما تُحْملُ [ على الاستغراق فقد تُحْمَلُ ](٢١) على المعهود السَّابق أ
وقال عطاء : كَلَّتْ أبْصَارُ المخلوقين عن الإحَاطَةِ به.
وقال ابن عبَّاسٍ : لا تدركه الأبْصَارُ في الدنيا وهو يُرى في الآخرة(١).
قوله :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ أي : لا يخفى عليه شيءٌ ولا يفوته ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾.
قال ابن عباس : اللَّطيفُ بأوليائه، الخَبِيرُ بهم(٢).
وقال الأزهري(٣) : اللَّطِيفُ الرفيق بعباده.
وقيل : اللطيف الذي يُنْسِي العِبادَ ذنوبهم لئلاَّ يِخْجَلُوا، والَّطَافَةُ ضِدُّ الكَثَافَةِ، والمراد منه الرقة، وذلك في حَقِّ الله تعالى ممتنع، فوجب المصير إلى التأويل، وهو من وجوه(٤) :
أحدها : لطف صنعه في تركيب أبْدانِ الحيوانات من الأجزاء الدقيقة، والمنَافِذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا اللَّه تبارك وتعالى.
وثانيها : لَطِيفٌ بعباده حيث يثني عليهم عند الطَّاعةِ، ويأمرهم [ بالتَّوبْةِ عند ](٥) المعصية، ولا يقطعُ عنهم موادَّ رحمته، سواء كانوا مطيعين أو عُصَاةً.
وثالثها : لَطِيفٌ بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم، وينعم عليهم بما هو فوقَ اسْتِحْقَاقهمْ.
وأما الخبير فهو من الخبرِ، وهو العلم، والمعنى : أنه لَطِيفٌ بعباده مع كونه عالماً بما هم عليه من ارْتِكَابِ المعاصي والقبائح.
وقال الزمخشري(٦) : اللَّطِيفُ معناه : أنه يلطف عن أن تُدْرِكهُ الأبصار الخبير بكل لطيف، فهو يُدْرِكُ الأبصار ولا يلطف شيء عن إدراكه.
فصل فيما تدل عليه الآية
احتج أهل السُّنَّةِ بهذه الآية على أنه-تبارك وتعالى- لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ، وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا اسْتِدْلاَلَهُمْ على نَفْي الرؤية، فنقول : لو لم يكن تعالى جَائِزَ الرُّؤيَةَ لما حَصَلَ التَّمَدُّحُ بقوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " ؛ ألا ترى أن المعدوم لا تَصِحُّ رؤيته، والعلوم والقدرة والإدارة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا يَصِحُّ رؤيتها، فثبت أن قوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المَدْحَ لو كان صَحِيحَ الرُّؤيَةِ، وهذا يَدُلُّ على أن قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ يفيد كونه -تعالى- جَائِزَ الرُّؤيَةِ، وتحقيقه أن الشيء إذا كان في نَفْسِهِ بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يَلْزمُ من عدم رؤيته مَدْحٌ وتَعْظيمٌ لذلك الشيء، أما إذا كان في نفسه جَائِزَ الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رُؤيَتِهِ، وعن إدراكه كانت هذه القُدْرَةُ دَالَّةً على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالَّةٌ على أنه -تعالى- يجوز رُؤيَتُهُ بحسب ذاته، وإذا ثبت هذا وجب القَطْعُ بأن المؤمنين يرونه [ يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان قال بجواز الرؤية، مع أن المؤمنين يرونه، وقال قال : لا يرونه، ولا تجوز ](٧) رؤيته.
فأما القول بأنه -تعالى- تجوز رؤيته، مع أنه لا يَرَاه أحَدٌ من المؤمنين، فهذا قول لم يقل به أحَدٌ من الأمَّةِ، فكان بَاطِلا(٨).
الثاني : أن نقول : المراد ب " الأبصار " في قوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " ليس هو نفس الإبصار، فإن البَصَر لا يدرك شيئاً ألبته في مَوْضع من المواضع، بل المدرك هو المبصر، فوجب القَطْعُ بأن المُرَادَ من قوله :" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ " هو إدراك المبصرين، ومعتزلة(٩) البَصرةِ يوافقون بناء على أنه -تعالى- يبصر الأشياء، فكان تعالى من جملة المبصرين، فقوله تعالى :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ يقتضي كونه تعالى مُبصراً لنفسه ومن قال : إن المؤمنين يرونه يوم القِيامَةِ، فدلَّتِ الآية الكريمة على أنه جَائِزُ الرؤية، وعلى أنَّ المؤمنين يرونه يوم القِيامَةِ، وإذا اخْتَصَرْنَا هذا الاستدلال قلنا قوله تعالى :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ المراد منه إنما نفس البصر، أو المبصر على التقديرين يلزم كونه -تعالى- مبصراً لإبصار نفسه، أو كونه مبصراً لذات نَفْسِهِ، وإذا ثبت هذا وجب أن يراه [ المؤمنون ](١٠) يوم القيامة ضَرُورَةَ أنه لا قَائِلَ بالفَرْقِ(١١).
الثالث : أن لَفْظِ " الأبصار " صيغة جَمْعٍ دَخَلَ عليها الألف واللام، فهي تفيد الاسْتِغْراقِ في قوله :﴿تُدْرِكُهُ الأبصار﴾.
[ فإذا كان كذلك كان قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ ](١٢) يفيد أنه لا تراه جَميعُ الأبْصارِ، فهذا يفيد سَلْبَ العُمُوم، ولا يفيد عموم السَّلب، وإذا عُرِفَ هذا فَنَقُول : تخصيص هذا السَّلْبِ بالمجموع يَدُلُّ على ثبوت الحكم في بعض أفْرَادِ المجموع ؛ ألا تَرَى أن الرَّجُلَ إذا قال : إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضَرَبَهُ بَعْضُهُمْ، وإذا قيل : إن محمداً ﷺ ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، فكذلك قوله :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ معناه أنه : لا تدركه كل الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصَارِ أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسُّك بدليل الخطاب، فنقول : هَب أنه كذلك إلاَّ إنه دليلٌ صحيح ؛ لأن بتقدير ألاَّ يحصل الإدْرَاكُ لأحَدٍ ألْبَتَّةَ كان تخصيص هذا السَّلْبِ بالمجموع من حَيْثُ هو مجموع عبثاً، وَصَوْنُ كلام الله - تعالى عن العَبَثِ واجِبٌ.
الرابع : نقل أن ضرار بْنَ عَمْرو الكُوفِيَّ كان يقول : إن الله -تعالى- لا يُرَى بالعين، وإنما يرى بِحَاسَّةٍ سَادِسَةٍ يخلقها يوم القيامة واحتج بهذه الآية الكريمة، فقال : دلَّتْ [ هذه ] الآية الكريمةُ على تخصيص نَفْي إدْرَاكِ الله -تبارك وتعالى- بالبَصَرِ، وتخصيص الحكم بالشيء يَدُلُّ على أن الحال في غيره بخلافه، فوجَبَ أن يكون إدْراكُ الله -تبارك وتعالى- بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواسِّ الموجودة الآن لا تَصْلُحُ لذلك وجب أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حَاسَّةً بها تحصل رُؤيَةُ الله -تعالى-(١٣) وإدراكه.
واسْتَدَلَّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة على نَفْيِ الرُّؤيَةِ من وجهين :
الأول : قالوا : الإدْرَالكُ بالبَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ بدليل لو قال قائل : أدركته ببصري، وما رأيته، أو قال : رأيته، وما أدْرَكتُهُ ببصري، فإنَّ كلامه يكوم متناقضاً، فثبت أن الإدْراكَ بالبَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ يقتضي أنه لا يَرَاهُ شيء من الأبْصَارِ في شيء من الأحْوالِ، ويدل على صِحَّةِ هذا العموم وجهان :
الأول : أنه يصح اسْتِثْنَاءُ جميع الأشخاص، وجميع الأحوال عنه، فيقال : لا تدركه الأبصار إلاَّ بصر فلان وإلاَّ في الحالة الفُلانيَّةِ، والاستثناء يُخْرجُ من الكلام مَا لولاهُ لدخل، فثبت أن عُمُومَ هذه الآية الكريمة يُفِيدُ عموم النفي عن كُلِّ الأشخاص، وفي جميع الأحوال، وذلك يَدُلُّ على أن أحَداً لا يرى الله -تعالى- في حالٍ من الأحوال.
الثاني : أن عائشة - رضي الله عنها- لما أنكرت قَوْلَ ابْنِ عبَّاسِ - رضي الله عنه - في أنَّ محمداً ﷺ رأى ربَّهُ لَيْلَة المِعْراج تَمَسَّكَتْ بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية تفيد العُمُومَ بالنسبة إلى كُلِّ الأشخاص، وكُل الأحوال لما تَمَّ ذلك الاسْتِدلالُ، وكانت من أعظم(١٤) الناس بِلُغَةِ العربِ.
الوجهُ الثاني : أن قوله :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ مَدْحٌ وثناء، فوجب أن يكون قوله :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ مَدْحاً وثناءً، وإلاّ لزم أن يقال : إن ما ليس بِمَدح وثناء وَقَعَ في خلال ما هو مَدْحٌ وثناء، وذلك يوجب الرَّكَاكَة وهي غير لائِقَةٍ بكلام الله -تبارك وتعالى- وإذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عَدَمُهُ(١٥) مَدحاً، ولم يكن من باب الفِعْلِ كان ثُبُوتُهُ نَقصْاً في حقِّ الله -تبارك وتعالى- والنُّقْصانُ على الله مُحَالٌ. واعلم أن القَوْمَ إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من بابِ الفعل ؛ لأنه تعالى تَمَدَّحَ بِنَفْي الظُّلم عن نفسه في قوله :﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] مع أنه تبارك وتعالى قَادِرٌ على الظُّلم عندهم، وذكروا هذا القيد دَفْعاً لهذا النَّقْضِ عن كلامهم فهذا [ غاية ](١٦) تقرير كلامهم في هذا الباب.
والجوابُ عن الأوَّل من وجوه.
أحدها : لا نُسَلِّمُ أن إدْرَاكَ البَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ، لأن لَفْظِ الإدْراكِ في أصل اللغة عبارة عن اللُّحُوقِ والوُصُول ؛ قال تعالى :﴿قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُون﴾ [الشعراء: ٦١] أي لمُلْحَقُونَ، وقال :﴿حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق﴾ [يونس: ٩٠] أي : لحقه، ويقال : أدرك فلان فلاناً، وأدرك الغُلامُ الحلْمَ، أي : بلغ، وأدركت الثمرة، أي : نَضَجَتْ، فثبت أن الإدْراكَ هو الوُصُولُ إلى الشيء، وإذا عُرِفَ هذا فنقول المرئِيُّ إذا كان له حَدٌّ ونهايةٌ، وأدْرَكَهُ البَصَرُ بجميع حُدُودِهِ وجَوانِبهِ ونهايته صَارَ ذلك الإبْصَارُ كأنه أحَاطَ به فَتُسَمَّى هذه الرُّويةُ إدْرَاكاً.
أما إذا لم يُحِطِ البَصَرُ بجوانب المرئيِّ لم تُسَمَّ تلك الرؤية [ إدراكاً، فالحاصل أن الرؤية ](١٧) جنس تحته نوعان : رؤية مع الإحاطة [ ورؤية لا مع الإحاطة، والرؤية مع الإحاطة ](١٨) هيا التي تسمى إدراكاً، فنفي الإدراك يفيد نفي الجِنْسِ، فلم يلزم من نَفْي الإدْرَاكِ على الله -تعالى- نَفْيُ الرؤية عن الله، وهذا وَجْهٌ حَسَنٌ في الاعْتِرَاضَ على كلامهم، فإن قالوا : إنْ قلتم : إنَّ الإدْراك يُغَايِرُ الرؤية، فقد أفْسَدْتُمْ على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تَمَسَّكْتُمْ بها في هذا الآية الكريمة على إثبات الرؤية.
قلنا : هذا يفيد أنه إدْراكٌ أخَصُّ الرؤية، وإثبات الأخصِّ يوجب إثبات الأعَمِّ، أما نَفْيُ الأخَصِّ فلا يوجب نَفْيَ الأعَمِّ، فثبت أن البَيَانَ الذي ذَكَرْنَاهُ يبطل كلامهم، ولا يبطل كلامنا.
وثانيها : أن نقول : هَبْ أن الإدْراكَ يفيد عموم النَّفي عن كل الأشخَاصِ في كُلِّ الأحوال، فلا نُسَلِّمُ أنه يفيد نَفْي العموم، إلاَّ أن نَفْيَ العموم غير، وعموم النفي غير، وقد دَلَّلْنَا على أن هَذَا اللَّفْظِ لا يفيد إلا نفي العموم، وبَيَّنَّا أن نَفْيَ العموم يوجب ثبوت الخُصُوصِ(١٩).
وأما قولهم : إن عَائِشَةَ تَمَسَّكَتْ بهذه الآية في نَفْي الرؤية، فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تُكْتَسَبُ من علماء اللغة، فأمَّا كيفية الاسْتِدْلالِ بالدليل، فلا يُرْجَعُ فيه إلى التَّقْلِيدِ، وبالجملة فالدليل العَقْلِيُّ دَلَّ على أن قوله تعالى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ يفيد نفي العموم وثبت بصريح العَقْلِ أن نَفْيَ لعموم مُغَايِرٌ لعموم النَّفيِ، ومقصودهم إنما يَتِمُّ لو دلَّتِ الآية على عُمُومِ النفي، فَسَقَطَ كلامُهُمْ(٢٠).
وثالثها : أن نقول : صيغة الجَمْعِ كما تُحْملُ [ على الاستغراق فقد تُحْمَلُ ](٢١) على المعهود السَّابق أ
١ ذكره القرطبي في تفسيره ٧/٣٠٧..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ينظر: تهذيب اللغة ١٣/٣٤٧..
٤ ينظر: الفخر الرازي ١٣/١٠١..
٥ في ب: بالطاعة عن..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٥٤..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: الرازي ١٣/١٠٢..
٩ ينظر: الرازي ١٣/١٠٣..
١٠ سقط في أ..
١١ ينظر: الرازي ١٣/١٠٣..
١٢ سقط في ب..
١٣ ينظر: الرازي ١٣/١٠٣..
١٤ في أ: أهل..
١٥ في أ: عريمه..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في أ..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: الرازي ١٣/١٠٥..
٢٠ ينظر: المصدر السابق..
٢١ سقط في أ..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ينظر: تهذيب اللغة ١٣/٣٤٧..
٤ ينظر: الفخر الرازي ١٣/١٠١..
٥ في ب: بالطاعة عن..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٥٤..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: الرازي ١٣/١٠٢..
٩ ينظر: الرازي ١٣/١٠٣..
١٠ سقط في أ..
١١ ينظر: الرازي ١٣/١٠٣..
١٢ سقط في ب..
١٣ ينظر: الرازي ١٣/١٠٣..
١٤ في أ: أهل..
١٥ في أ: عريمه..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في أ..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: الرازي ١٣/١٠٥..
٢٠ ينظر: المصدر السابق..
٢١ سقط في أ..