الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ : يجوز أن يتعلَّق ب " يَدْعُون " وأن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال : إمَّا من الموصول، وإمَّا مِنْ عائده المحذوف أي : يَدْعُونهم حالَ كونهم مستقرِّين من دون الله.
قوله :﴿فَيَسُبُّواْ﴾ الظاهر أنه منصوب على جواب النهي بإضمار أن بعد الفاء أي : لا تَسُبُّوا آلهتَهم ؛ فقد يترتب عليه ما يكرهون مِنْ سَبِّ الله، ويجوز أن يكون مجزوماً نسقاً على فعل النهي قبله كقولهم " لا تَمْدُدْها فتشقَّها " وجاز وقوع " الذين " وإن كان مختصَّاً بالعقلاء على الأصنامِ التي لا تَعْقِلُ معاملةً لها معاملةَ العقلاء كما أوقع عليها " مَنْ " في قوله :
﴿كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ويجوز أن يكون ذلك للتغليب لأن المعبود من دون الله عقلاء كالمسيح وعُزَيْر والملائكة وغيرهم، فغلَّب العاقل، ويجوز أن يراد بالذين يَدْعون المشركون أي : لا تَسُبُّوا الكَفَرة الذين يَدْعون غير الله من دونه. وهو وجه واضح.
قوله ﴿عَدْواً﴾ الجمهور على فتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو، ونصبه من ثلاثة أوجه أحدها : أنه منصوب على المصدر لأنه نوعُ من العامل فيه، لأن السَّبَّ من جنس العَدْوِ. والثاني : أنه مفعول من أجله أي لأجل العدو، وظاهر كلام الزجاج أنه خلط القولين فجعلهما قولاً واحداً، فإنه قال :" وعَدْواً منصوبٌ على المصدر لأن المعنى : فَتَعْدُوا/ عَدْواً " قال :" ويكون بإرادة اللام والمعنى : فيسُبُّوا الله للظلم. والثالث : أنه منصوب على أنه واقع موقع الحال المؤكدة لأن السَّبَّ لا يكون إلا عَدْواً. وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وقتادة وسلام وعبد الله بن زيد " عُدُوَّاً " بضم العين والدال وتشديد الواو، وهو مصدرُ أيضاً ل " عدا " وانتصابُه على ما تقدَّم من ثلاثة الأوجه. وقرأ ابن كثير في رواية - وهي قراءة أهل مكة فيما نقله النحاس - " عَدُوَّا " بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو بمعنى أعداء، ونصبه على الحال المؤكدة و " عدوّ " يجوز أن يقع خبراً عن الجمع، قال تعالى :﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] وقال تعالى
﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١٠١]. ويقال : عَدا يَعْدُوا عَدْواً وعُدُوَّاً وعُدْواناً وعَداءً. و " بغير عِلْم " حالٌ أي : يَسُبُّونه غير عالمين أي : مصاحبين للجهل ؛ لأنه لو قَدَّره حَقَّ قَدْره لما أَقْدَموا عليه. وقوله " كذلك " نعتٌ لمصدر محذوف أي : زَيَّنَّا لهؤلاء أعمالَهم تزييناً مثلَ تزيينِنا لكلِّ أمةٍ عَمَلَهم، وقيل : تقديره : مثلَ تزيينِ عبادةِ الأصنام للمشركين زَيَّنَّا لكلِّ أمة عَمَلَهم وهو قريب من الأول.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى