البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم نهى عن التعرض لأصنامهم، فقال :
﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿ولا تَسُبُّوا﴾ أصنامهم ﴿الذين﴾ يدعونها آلهة، ويخضعون لها ﴿من دون الله﴾ أي : ولا تذكروا آلهتهم بسوء، ﴿فيَسُبوا الله عَدْوًا﴾ أي : ظُلْمًا وتجاوزًا عن الحق إلى الباطل، ﴿بغير علم﴾ أي : على جهالة بالله تعالى، وبما يجب أن يذكر به من التعظيم، رُوِي أنه صلى الله عليه وسلم كان يطعن في آلهتهم، فقالوا : لتنتهين عن آلهتنا أو لنَهجُونَّ إلهك، فنزلت. وقيل : كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنُهوا ؛ لئلا يكون سبهم سببًا لسب الله تعالى، واستدل المالكية بهذا على سد الذرائع. قال البيضاوي : وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت لمعصية راجحة وجب تركها، فإنَّ ما يُؤدي إلى الشر شر. ه. وقال ابن العربي : وقاية العرض بترك سنة واجب في الدنيا. ه.
قال تعالى :﴿كذلك زينَّا لكل أمة عملهم﴾ من الخير والشر، نحملهم على ما سبق لهم توفيقًا أو تخذيلاً، أو يكون مخصوصًا بالشر، أي : زيَّنا لكل أمة من الكفرة عملهم السوء ؛ كَسَب الله تعالى وغيره من الكفر، ﴿ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئُهم بما كانوا يعملون﴾ من الخير فيُجازيهم عليه، أو من الشر فيعاقبهم عليه.
الإشارة : العارف الكامل لا يُنقِص شيئًا من مصنوعات الله، ولا يصغر شيئًا من مقدورات الله، بل يتأدب مع كل شيء ؛ لرؤية صنعة الله في كل شيء، وكذلك المريد اللبيب، يتأدب مع كل من ظهر بالخصوصية في زمنه، كان صادقًا أو كاذبًا ؛ لئلا يؤدي إلى تنقيص شيخه، حين يذكر غيره بنقص أو غض. وفي الحديث :" لَعَن الله مَن يَسُبُّ والدَيهِ " فقالُوا : وكيف يسبُّ والدَيه يا رسول الله ؟ قال " يَسُبُّ أبا الرجُلِ فيسُبُّ الرجلُ أباهُ وأُمه " (١) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
١ أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٤٥، وأحمد في المسند ١/١٠٨، ٢١٧، ٣٠٩، ٣١٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى