زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ في سبب نزولها قولان :
أحدهما : أنه لما نزل في الشعراء :[ ٤ ] :﴿إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السَّمَاء آيَةً﴾ قال المشركون : أنزلها علينا حتى والله نؤمن بها ؛ فقال المسلمون : يا رسول الله، أنزلها عليهم لكي يؤمنوا ؛ فنزلت هذه الآية ؛ رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني : أن قريشا قالوا : يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر، فينفجر اثنتا عشرة عينا، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة، فائتنا بمثل هذه الآيات حتى نصدقك : فقال :﴿أي شيء تُحِبُّونَ ؟﴾ قالوا : أن تجعل لنا الصفا ذهبا. قال :" فَإِن فَعَلْتَ تصدقوني ؟ " فقالوا : نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين. فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل فقال : إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولكني لم أرسل آية فلم يصدق بها، إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله ﷺ " اتركهم حتى يتوب تائبهم "، فنزلت هذه الآية إلى قوله :﴿يَجْهَلُونَ﴾، هذا قول محمد بن كعب القرظي وقد ذكرنا معنى ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ في المائدة ؛ وإنما حلفوا على ما اقترحوا من الآيات ؛ كقولهم :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠].
قوله تعالى :﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ اللَّهِ﴾ أي : هو القادر على الإتيان بها دوني ودون أحد من خلقه. ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا﴾ أي : يدريكم أنها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وخلف في اختياره : بكسر الألف، فعلى هذه القراءة يكون الخطاب بقوله ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ للمشركين، ويكون تمام الكلام عند قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ ويكون المعنى : وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت ؟ وتكون ﴿إنَّهَا﴾ مكسورة على الاستئناف والإخبار عن حالهم. وقال أبو علي : التقدير : وما يشعركم إيمانهم ؟ فحذف المفعول. والمعنى : لو جاءت الآية التي اقترحوها، لم يؤمنوا.
فعلى هذا يكون الخطاب للمؤمنين. قال سيبويه : سألت الخليل عن قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ إنَّهَا﴾ ؛ فقلت : ما منعها أن تكون كقولك : ما يدريك أنه لا يفعل ؟ فقال : لا يحسن ذلك في هذا الموضع ؛ إنما قال :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ ثم ابتدأ فأوجب، فقال :﴿إنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ولو قال :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ كان ذلك عذرا لهم. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي :﴿أَنَّهَا﴾، بفتح الألف ؛ فعلى هذا، المخاطب بقوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ رسول الله وأصحابه : ثم في معنى الكلام قولان :
أحدهما : وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وفي قراءة أبي : لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. والعرب تجعل " أنٍ " بمعنى " لَعَلَّ ". يقولون : ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي : لعلك.
قال عدي بن زيد :
أعاذل ما يدريك أن منيتيإلى ساعة في اليوم أو في ضحى غد
أي : لعل منيتي. وإلى هذا المعنى ذهب الخليل، وسيبويه، والفراء في توجيه هذه القراءة.
والثاني : أن المعنى : وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، وتكون ﴿لا﴾ صلة ؛ كقوله تعالى :﴿مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله تعالى :﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] ذكره الفراء، ورده الزجاج واختار الأول. والأكثرون على قراءة :﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء ؛ منهم ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وحفص عن عاصم ؛ وقرأ ابن عامر، وحمزة : بالتاء، على الخطاب للمشركين. قال أبو علي : من قرأ بالياء، فلأن الذين أقسموا غُيَّبٌ، ومن قرأ بالتاء، فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى