فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وَأَقْسَمُواْ بالله﴾ أي الكفار مطلقاً، أو كفار قريش، وجهد الأيمان أشدّها، أي أقسموا بالله أشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، فلهذا أقسموا به، وانتصاب ﴿جهد﴾ على المصدرية، وهو بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة، ومن أهل اللغة من يجعلهما لمعنى واحد، والمعنى : أنهم اقترحوا على النبي ﷺ آية من الآيات التي كانوا يقترحونها، وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التي اقترحوها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ وليس غرضهم الإيمان، بل معظم قصدهم التحكم على رسول الله ﷺ والتلاعب بآيات الله، فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله :﴿إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾ هذه الآية التي يقترحونها، وغيرها، وليس عندي من ذلك شيء، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها. قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، بكسر الهمزة من " أنها "، وهي قراءة مجاهد، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) قال مجاهد وابن زيد : المخاطب بهذا المشركون أي وما يدريكم، ثم حكم عليهم بقوله :﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال الفراء وغيره : الخطاب للمؤمنين، لأن المؤمنين قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ وقرأ أهل المدينة والأعمش، وحمزة والكسائي، وعاصم، وابن عامر ﴿أنها إذا جاءت﴾ بفتح الهمزة. قال الخليل :﴿أنها﴾ بمعنى لعلها، وفي التنزيل :﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ أي أنه يزكي. وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، ومنه قول عدي بن زيد :
أي لعل منيتي، ومنه قول دريد بن الصمة :
أي لعلني، وقول أبي النجم :
أي لعلي، وقول جرير :
أي لعلنا : اه. وقد وردت في كلام العرب كثيراً بمعنى لعل. وحكى الكسائي أنها كذلك في مصحف أُبيّ بن كعب. وقال الكسائي أيضاً والفراء : إن «لا » زائدة، والمعنى : وما يشعركم أنها أي الآيات، إذا جاءت يؤمنون، فزيدت كما زيدت في قوله تعالى :﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ وفي قوله :﴿مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدَ﴾
وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة «لا » وقالوا : هو غلط وخطأ. وذكر النحاس وغيره، أن في الكلام حذفاً والتقدير : أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : نزلت ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم﴾ في قريش ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ يا أيها المسلمون ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، قال : كلم رسول الله ﷺ، قريشاً فقالوا : يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدّقك، فقال رسول الله ﷺ :
«أي شيء تحبون أن آتيكم به ؟» قالوا : تجعل لنا الصفا ذهباً، قال :«فإن فعلت تصدقوني ؟» قالوا : نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل فقال له : إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال :«بل يتوب تائبهم»، فأنزل الله :﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم﴾ إلى قوله :﴿يَجْهَلُونَ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم﴾ قال : لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء وردّت عن كل أمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً﴾ قال : معاينة ﴿مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي : أهل الشقاء ﴿إِلاَّ أَن يَشَاء الله﴾ أي أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً﴾ أي فعاينوا ذلك معاينة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : أفواجاً قبيلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن﴾ قال : إن للجنّ شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجنّ، فيقول هذا لهذا : أضلله بكذا، وأضلله بكذا، فهو :﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ وقال ابن عباس : الجنّ هم الجانّ وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس والجنّ يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود قال : الكهنة هم شياطين الإنس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾ قال : شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فإن الله يقول :﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : من الإنس شياطين، ومن الجن شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، زخرف القول قال : يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم. وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :«يا أبا ذر تعوّذ بالله من شرّ شياطين الجن والإنس»، قال : يا نبيّ الله وهل للإنس شياطين ؟ قال :«نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً» وأخرج أحمد، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذرّ مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ولتصغي﴾ لتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه ﴿ولتصغي﴾ تزيغ ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ يكتسبوا.
| أعاذل ما يدريك أن منيتي | إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد |
| أريني جواداً مات هزلاً لأنني | أرى ما ترين أو بخيلاً مخلداً |
| قلت لشيبان ادن من لقائه | أني بعد اليوم من سوائه |
| هل أنتم عائجون بنا لأن | نرى العرصات أو أثر الخيام |
وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة «لا » وقالوا : هو غلط وخطأ. وذكر النحاس وغيره، أن في الكلام حذفاً والتقدير : أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع.
«أي شيء تحبون أن آتيكم به ؟» قالوا : تجعل لنا الصفا ذهباً، قال :«فإن فعلت تصدقوني ؟» قالوا : نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل فقال له : إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال :«بل يتوب تائبهم»، فأنزل الله :﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم﴾ إلى قوله :﴿يَجْهَلُونَ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم﴾ قال : لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء وردّت عن كل أمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً﴾ قال : معاينة ﴿مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي : أهل الشقاء ﴿إِلاَّ أَن يَشَاء الله﴾ أي أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً﴾ أي فعاينوا ذلك معاينة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : أفواجاً قبيلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن﴾ قال : إن للجنّ شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجنّ، فيقول هذا لهذا : أضلله بكذا، وأضلله بكذا، فهو :﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ وقال ابن عباس : الجنّ هم الجانّ وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس والجنّ يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود قال : الكهنة هم شياطين الإنس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾ قال : شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فإن الله يقول :﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : من الإنس شياطين، ومن الجن شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، زخرف القول قال : يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم. وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :«يا أبا ذر تعوّذ بالله من شرّ شياطين الجن والإنس»، قال : يا نبيّ الله وهل للإنس شياطين ؟ قال :«نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً» وأخرج أحمد، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذرّ مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ولتصغي﴾ لتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه ﴿ولتصغي﴾ تزيغ ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ يكتسبوا.