الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ الآية [ ١١٠ ].
المعنى : أن الله جل ذكره لما نزّل(١) في ( الشعراء ) ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾(٢)، أقسم كفار قريش :﴿لئن جاءتهم آية ليومنن بها﴾ فقال المؤمنون : يا رسول الله، سل ربك أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فأنزل الله ﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يومنون﴾، وهو خطاب للمؤمنين السائلين النبي في ذلك(٣).
وقيل : معنى الآية : أن الكفار سألوا النبي ﷺ أن يأتيهم بآية، وحلفوا ليؤمنن إن أتت، فقال المؤمنون : يا رسول الله، سل ربك أن ينزلها ( عليهم )(٤) حتى يؤمنوا، ( فأنزل الله )(٥) : وما يشعركم أيُّها المؤمنون بذلك ؟، أي : بصحة(٦) قولهم(٧) ( ثم قال )(٨) مستأنفا مخبرا عنهم(٩) – بما يفعلون لو نزلت - : إنها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا معنى الكسر(١٠)، وهو الاختيار عند أكثر(١١) النحويين(١٢).
-عليه وسلم في ذلك، فجاءه جبريل فقال(١٣) : إن شئت أصبح ذهبا، ولئن(١٤) أرسل(١٥) آية فلم يصدقوا عند ذلك ليُعذِبَنّهم(١٦) الله، و( إنْ )(١٧) شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال النبي ﷺ : " بل يتوب تائِبُهم(١٨) "، فأنزل الله :﴿وأقسموا بالله(١٩) الآية(٢٠).
ومن قرأ بالتاء(٢١)، فإنما هو خطاب للمشركين(٢٢) الذي سألوا الآية، ويحتمل وجهين :
- أحدهما : أن تكسر ( إنّ )(٢٣) على معنى : وما يشعركم ذلك، ثم استأنف بالإخبار(٢٤) عما(٢٥) سبق في علمه، وعلم ما لو كان كيف كان يكون، فقال : إنها إذا جاءت لا تؤمنون(٢٦) أيها المشركون(٢٧).
- ويحتمل أن تفتح ( أنَّ )(٢٨)، ويكون المعنى : وما يُشعركم – أيها المشركون – أنها إذا جاءت تؤمنون ؟، وتكون ( لا زائدة(٢٩).
ومن قرأ بالياء(٣٠) فهو خطاب للمؤمنين الذين سألو النبي أن يسأل آية ليؤمن المشركون(٣١) عند نزولها على ما سألوا، وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، ويحتمل معنيين :
أحدهما : فتح ( أنَّ ) ويكون المعنى : وما يشعركم – أيها المؤمنون – أنها إذا جاءت يؤمنون ؟، أي :( ما )(٣٢) يدريكم أنهم يؤمنون إذا نزلت الآية. وتكون ( لا ) زائدة(٣٣).
والوجه الآخر : أن تكون ( إنِّ ) مكسورة، ويكون المعنى : وما يشعركم – أيها المؤمنون – ذلك. ثم استأنف فقال :﴿أنها إذا جاءت لا يومنون﴾، يخبر(٣٤) بما يكون لو فعل بهم ذلك(٣٥).
ويجوز في القراءتين جميعا – الياء والتاء – أن تكون(٣٦) ( أنَّها ) – إذا فتحت – بمعنى ( لعلها )، وتكون ( لا ) غير زائدة(٣٧).
والياء اختيار الطبري مع فتح ( أنَّ )(٣٨) بمعنى ( لعلها )(٣٩).
ولو فتحت ( أنَّها ) ولم تقدر زيادة ( لا ) ولا كون ( أنَّها ) بمعنى ( لعلها )، لكان ذلك عذرا لهم(٤٠).
ولا يتم فتح ( أنَّها ) إلا بأحد وجهين :
- إما(٤١) أن تقدرها بمعنى ( لعلها )(٤٢).
- أو(٤٣) تقدر زيادة ( لا ). فاعلم ذلك(٤٤).
وقد حكى الخليل عن العرب :( ائت(٤٥) السوق أنك تشتري لنا )، أي : لعلك(٤٦).
وسمع الكسائي رجلا يقول :( ما أدري أنه صاحبها )، أي : لعله(٤٧). وسمع الفراء(٤٨) أبا الهيثم(٤٩) العُقيلي يقول :( أنَّها ( تركته لفاقة حالة ) )(٥٠)، يريد ( لعلها تركته )(٥١). وفي قراءة أبّي ﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يومنون﴾(٥٢)، وفي حرف(٥٣) عبد الله :( وما يشعركم إذا ( جَاءَتْ )(٥٤) لا يؤمنون )(٥٥).
ومن قدر زيادة ( لا ) هنا، أوقع ﴿يشعركم﴾ على ﴿أن﴾ ففتحها(٥٦)، ويجعل ( لا ) صلة كهي في قوله :﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾(٥٧)، المعنى : حرام عليهم أن يرجعوا، ومثله :﴿ما منعك ألا(٥٨) تسجد﴾(٥٩). قال الفراء : العرب تجعل ( لا ) صلة في كل كلام دخل في آخره ( أو في أوله )(٦٠) جحد(٦١)، أو في أوله جحد(٦٢) غير مصرح.
وقيل : في الآية قول حسن، وهو أن يكون المعنى : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون(٦٣). ثم حذف الأخير(٦٤) لدلالة الأول عليه، فيعمل ( يُشْعِرُكُم ) في ( أنها )، ويفتح ( أن )، ولا يقدر زيادة /(٦٥) ( لا )، ولا يقدر ( أنها ) بمعنى ( لعلها )، ولا تكون عذرا لهم(٦٦).
( والوقف على ( يُشْعركم ) في قراءة من كسر ( إنّ )، وفي قراءة من فتح على تقدير ( لعلها ) حسن، ولا يحسن الوقف على ( يُشعِركم ) على غير هذين الوجهين )(٦٧).
١ د: أنزل..
٢ الشعراء آية ٣..
٣ انظر: معاني الفراء ١/٤٩، ٣٥٠، وتفسير الطبري ١٢/٤٠، و٤١ من غير ذكر آية (الشعراء) ونقله ابن زنجلة في حجته عن الفراء ٢٦٦. وانظر: كذلك المحرر ٦/١٢٧..
٤ ساقطة من ب د..
٥ ساقطة من د..
٦ د: بطحة..
٧ انظر: تفسير الطبري ١٢/٤٠، ٤١ من غير أن الكفار سألوا رسول الله الإتيان بآية..
٨ ساقطة من ب د..
٩ د: عنه..
١٠ وبكسر: (إنها) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ورواية الأودي عنه: في السبعة ٢٦٥، وفي تفسير الطبري أنها قراءة بعض قرأة المكيين والبصريين ومجاهد وابن يزيد كذلك ١٢/٤٠، والكسائي وخلف في المبسوط ٢٠٠..
١١ ب: اكثير..
١٢ هو مذهب يعقوب وأبي عمرو وعيسى في القطع ٢١٨، ٣١٩، وانظر: أحكام القرطبي ٧/٦٤..
١٣ ب د : فقال له..
١٤ ب: يبين..
١٥ مخرومة في (أ). ب: أرسلنا..
١٦ ب: فيعذبنهم..
١٧ ب: فان..
١٨ ب: تاتيهم..
١٩ ب د: بالله جهد أيمانهم..
٢٠ من قول المؤلف: (والذي سألوه): بعض كلام محمد بن كعب في تفسير الطبري ١٢/٣٨، ٣٩، وأسباب النزول ١٤٩، ١٥٠، ولباب النقول ١٠٣..
٢١ (وقرأ ابن عامر وحمزة: (لا تؤمنون) بالتاء) في السبعة ٢٦٥، والمبسوط ٢٠٠، وحجة ابن زنجلة ٢٦٧..
٢٢ انظر: الكشف ١/٤٤٥..
٢٣ انظر: التعليق على معنى الكسر السابق..
٢٤ د: باخبار..
٢٥ د: عن ما..
٢٦ ب د : يومنون..
٢٧ انظر: الكشف ١/٤٤٥..
٢٨ وهي قراءة (نافع وعاصم – في رواية حفص – وحمزة والكسائي، وأحسب ابن عامر) في السبعة ٢٦٥، وعامة قرأة أهل المدينة والكوفة في تفسير الطبري ١٢/٤١، وأبي جعفر أيضا في المبسوط ٢٠٠..
٢٩ (فأما قول الكسائي) إن (لا) زائدة) فخطأ عند البصريين، لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل) إعراب النحس ١/٥٧٤، وانظر: القطع ٣١٩، وهو قول مجاهد في حدة ابن زنجلة ٢٦٧، وذكره مكي في كشفه ١/٤٤٦..
٣٠ (فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: (لا يؤمنون) بالياء، وكذا عاصم في رؤية حفص ورواية أبي بكر: انظر: السبعة ٢٦٥..
٣١ ب: المشركين..
٣٢ ساقطة من ب..
٣٣ انظر: تفسير الطبري ١٢/٤١، وإعراب مكي ٢٦٥، والكشف ١/٤٤٤، ٤٤٥..
٣٤ ب : بخير. د: يخبركم..
٣٥ هي قراءة بعضهم في معاني الفراء ١/٣٥٠، وانظر: مجاز أبي عبيدة ١/٢٠٤، وهو اختيار الزجاج في معانيه ٢/٢٨٢، ٢٨٣، وذكرها مكي في كشفه ١/٤٤٥..
٣٦ غير منقوطة في أ. ب د: يكون..
٣٧ انظر: المحرر ٦/١٢٨..
٣٨ ب د: أنها..
٣٩ ب د: أنها..
٤٠ انظر: الكتاب ٣/١٢٣، وإعراب مكي ٢٦٥، والكشف ١/٤٤٥..
٤١ ب د: واما..
٤٢ في معاني الزجاج الإجماع عليه ٢/٢٨٣، وهو قول الخليل في إعراب النحاس ١/٥٧٣، وهو معروف في اللغة وفي القطع ٣٢٠، وذكره ابن خالويه في حجته ١٤٧، ومكي في إعرابه ٢٦٥، وفي كشفه ١/٤٤٤..
٤٣ ب: و..
٤٤ في تفسير البحر ٤/٢٠٢: (ومن قرأ بالكسر، فالإجماع على أن (لا) غير لغو)..
٤٥ ب : آية..
٤٦ انظر: الكتاب ٣/١٢٣، ومعاني الزجاج ٢/٢٨٢، والقطع ٣١٩، وإعراب مكي ٢٦٥، والكشف ١/٤٤٤، والشاهد في معاني الأخفش ٥٠٢..
٤٧ هو من شواهد الفراء في معانيه ١/٣٥٠..
٤٨ ب: القرا. .
٤٩ ب د: الهيتم..
٥٠ الظاهر من الطمس والخرم في (أ) أنها: تركته لنافه الحله. ب: بركته لفاقة حالة..
٥١ ب د: بركته..
٥٢ انظر: معاني الفراء ١/٣٥٠ وفيه: (إذا جاءتهم)..
٥٣ ب: حرب..
٥٤ الظاهر من الطمس في (أ) أنها: حاجات..
٥٥ انظر: معاني الفراء ١/٣٥٠ وفيه: (إذا اجاءتهم أنهم) وانظر: حجة ابن خالويه ١٤٧..
٥٦ (فهي في موضع اسم منصوب) مجاز أبي عبيدة ١/٢٠٤، وذكره مكي في كشفه ١/٤٤٦..
٥٧ الأنبياء آية ٩٤..
٥٨ د : أن لا..
٥٩ الأعراف آية ١١. وانظر: معاني الفراء ١/٣٥٠، وحجة ابن زنجلة ٢٦٦، و٢٦٧، وأحكام القرطبي ٧/٦٥..
٦٠ مستدركة في هامش (أ) بلفظه الألف والواو من كلمة (أوله). ساقطة من ب د..
٦١ ب: حجر..
٦٢ ب: حجر..
٦٣ هو قول الفراء وأصحابه في القطع ٣١٩، ٣٢٠..
٦٤ الظاهر من الخرم في (أ) أنها كما أثبت. ب د: الأخر..
٦٥ جلها مطموس مع بعض الخرم..
٦٦ انظر: المحرر ٦/١٢٩..
٦٧ ساقطة من د: وانظر: القطع ٣١٨ وما بعدها..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى