اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
اعلم : أنه -تبارك وتعالى- بيَّن في هذه الآية الكَرِيمة تَفْصِيل ما ذَكَره مُجْمَلاً في قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بيَّن أنَّه-تعالى- لو أعْطَاهُم ما طَلَبُوه من إنْزَال المَلائِكة حتَّى رأوهم عَيَاناً، وحياء المَوْتَى حَتَّى كلَّمُوهُم، وشَهِدُوا لك بالنُّبُوَّة كَمَأ سَألُوا، بل زَاد في ذَلِك ما لا يَبْلُغُه اقْتِرَحُهم بأن يحشر عَلَيْهم كُلَّ شَيءْ قُبُلاً، ما كانوا لِيُؤمِنُوا إلاَّ أنْ يَشَاء اللَّه.
قال ابن عبَّاسٍ : المُسْتَهْزِئون بالقُرآن العَظِيم كانوا خَمْسَة : الوَليد بن المُغيرَة المَخْزُومي، والعَاص بن وَائِل السَّهْمِي، والأسْوَد بن عَبْد يَغُوث الزُّهري، والأسْوَد بن المُطَّلِب، والحَارث بن حَنْظَلة، ثُمَّ إنهم أتَوا لرسُول اللَّه ﷺ ورَهْط من أهْل مكَّة المُشَرَّفة، وقالُوا له : أرنَا المَلائكة يَشْهَدُوا بأنَّك رسُول اللَّه، أبو ابعث لَنَا بَعَضَ مَوْتَانَا حتَّى نَسْألهم أحَقٌّ ما تقُولُه أمْ باطل، أو ائْتِنَا باللَّه والملائكة قبِيلاً، أي : كَفيلاً بما تدَّعِيه، فَنَزَلت هَذِه الآية الكَرِيمة(١).
وهذا يُشْكَل باتِّفَاقهم على أنَّ هذه السُّورة نزلت دَفْعَة وَاحِدة، بل الَّذِي يَنْبَغِي أن يَكُون المَقْصُود منه : جواب ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم، وهو أنَّهُم أقسموا باللَّه جَهْد أيْمَانهم، لَوْ جاءتهم آيَةٌ ليُؤمِنُنّ بها، فذكر اللَّه- تبارك وتعالى- هذا الكلام بياناً لِكَونِهم كَاذِبين، وأنَّه لا فَائِدة في إنْزالِ الآيَات، وإضْهار المُعْجِزَات بعد المُعْجِزَات، بل المُعْجِزة الوَاحِدة لا بُد منها لِيتَمَيَّز الصَّادق عن الكَاذِب، فأمَّا الزيادة عليها، فتحكم مَحْض لا حَاجَة إليْه، وإلاَّ فَلَهُم أن يَطْلُبوا بعد ظُهُور المُعْجِزة الثَّانية ثالثة، وبعد الثَّالثة رَابِعة، ويَلْزم منه ألاَّ تَسْتَقِرَّ الحجة، وأن لا يَنْتَهِي الأمْر إلى مقطع ومفصل، وذلك يُوجِب سَدَّ باب النُّبُوات.
قوله :" قُبُلاً " قرأ(٢) نَافِع، وابْن عَامِر :" قِبَلاً " هنا وفي الكَهْف بكسر القَافِ، وفَتْح البَاء، والكوفِيُّون هنا وفي الكَهْف بضمّها وأبو عمرو، وابن كثير بضمّها هنا، وكسر القاف، وفتح الباء في الكهف، وقرأ الحسن البَصْرِي، وأبُو حَيْوة، وأبُو رَجَاء بالضَّمِّ والسُّكُون.
وقرأ أبَيّ والأعْمَش " قَبِيلاً " بياء مُثَنَّاة من تَحْت بعد بَاءٍ موحَّدة مَكْسُورة، وقرأ طَلْحَة بن مُصَرِّف :" قَبْلاً " بفتح القَافِ وسُكون البَاء.
فأما قِرَاءة نَافِع، وابن عَامِر ففيها وجهان :
أحدهما : أنَّها بمعنى مُقَابَلَة، أي : مُعَايَنَةً ومُشَاهَدَةً، وانتِصَابُه على هذا الحَالِ قاله أبو عُبَيْدة(٣)، والفرَّاء(٤)، والزَّجَّاج(٥)، ونقله الوَاحِدي أيضاً عن جَمِيع أهْل اللُّغة، يُقَال :" لَقِيته قِبَلاً " أي عِيَاناً.
وقال ابن الأنْبَاري :" قال أبُو ذَرّ : قُلْت للنَّبِيَّ ﷺ أنبيّاً كان آدم ؟ فقال : نعم، كان نبيّاً كلَّمه الله قبلاً(٦) " وبذلك فسَّرها ابن عبَّاس، وقتادة، وابن زَيْد، ولم يَحْكِ الزَّمَخْشَرِي غَيْره، فهو مَصْدر في مَوْضَع الحَال كما تقدَّم.
والثاني : أنَّها بمعنى نَاحِية وجِهَة قاله المُبَرِّد، وجماعة من أهل اللُّغَة كأبي زَيْد، وانتصابه حينئذٍ على الظَّرْف، كقولهم :" لي قِبَلُ فلان دَيْنُ " و " ما قِبَلك حَقُّ " ويقال :" لقِيْتُ فلاناً قِبَلا، ومُقابلة، وقُبُلاً، وقُبَلاً وقَبْلِياً، وقَبِيلاً " كله بِمَعْنَى واحد، ذكر ذلك أبُو زيد، وأتْبَعه بِكَلام طويل مُفيد فرحمه الله -تعالى- وجزاه اللَّه خيراً.
وأمَّا قِرَاءة البَاقِين هُنَا ففيها أوْجُه :
أحدهما : أن يكون " قُبُلاً " جمع قبِيل، بمعنى : كَفِيل ؛ " كرغيف " و " رُغُف "، و " قضيب " و " قُضُب " و " نَصِيب " و " نُصُب ".
وانْتَصَابه حالاً.
قال الفرَّاء(٧) والزَّجَّاج(٨) : جَمْع قبِيل بمعْنَى : كفيل أي : كَفِيلاً بِصِدْق محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام-، ويقال : قَبَلْتُ الرَّجل أقْبَلُه قَبالة بفَتْح البَاء في الماضي والقاف في المَصْدَر، أي : تكفَّلْت به، والقَبِيل، والكَفِيل، والزَّعِيم، والأذِين والضّمِين، والحَمِيل، بمعنى وَاحِد.
وإنما سُمِّيت الكَفَالة قَبَالة ؛ لأنَّها أوْكَد تَقَبُّل، وباعْتِبَار معنى الكَفَالة سُمِّي العَهْد المَكْتوب : قَبالة.
وقال الفرَّاء(٩) في سُورة الأنعام :" قُبُلاً " جَمْع " قَبِيل " وهو " الكَفِيل " قال : وإنَّما اخْتَرت هنا أن يكُون القُبُل في معنى الكفالة ؛ لقولهم :﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] يَضْمَنُون ذلك.
الثاني : أن يَكُون جَمْع قبِيل، بِمَعْنى : جماعةً جماعةً، أو صنْفاً صنفاً.
والمعنى :" وحَشَرْنا عَلَيْهم كلَّ شيء فوْجاً فوْجاً، ونوْعاً نوْعاً من سَائِر المَخْلُوقات ".
الثالث : أن يكون " قُبُلاً " بِمَعْنى : قِبَلاً كالقِرَاءة الأولَى في أحد وجْهَيْهَا وهو المُواجَهة أي : مُواجَهَةً ومُعَايَنةً، ومنه " آتِيكَ قُبُلاً لا دُبُراً " اي : آتِيك من قِبَل وَجْهِك، وقال تعالى :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] وقُرئ(١٠) :" لقبل عدتهن " [الطلاق: ٤١]، أي : لاسْتِقْبَالها، وقال الفرَّاء(١١) :" وقد يكون قُبُلاً :" من قِبَل وُجُوهِهِم ".
وأمَّا الذي في سُورة الكَهْف : فإنه يَصِحُّ فيه مَعْنى المُواجهة، والمُعَاينة، والجماعة صنْفاً صنْفاً، لأن المُراد بالعَذَاب : الجِنْس، وسَيَأتي له مَزِيد بَيَان. و " قُبُلاً " نَصْب على الحَالِ- كما مَرَّ - من " كلِّ "، وإن كان نكرة ؛ لِعُمُومه، وإضافته، وتقدَّم أنَّه في أحد أوْجُهِهِ يُنْصَبُ على الظَّرف عند المُبَرِّد.
وأمّا قراءة الحسن فمخفَّفَة من المَضْمُوم، وقرأه أبَيُّ بالأصْل وهو المُفْرَدِ.
وأما قراءة طَلْحَة فهو ظَرْف مَقْطُوع عن الإضَافة، مَعْنَاه : أو يَأتِيَ باللَّه والملائِكَة قَبْلَه، ولكن كَانَ يَنْبَغِي أن يُبْنَى ؛ لأن الإضافة مُرادَة.
قوله :" مَا كَانُوا " جواب " لَو " وقد تقدَّم أنَّه إذا كَانَ مَنْفيّاً، امتَنَعت اللاَّم.
وقال الحُوفِي :" التَّقْدِير لما كَانُوا حُذِفَت اللاَّم وهي مُرَادة " وهذا لَيْس بجيِّد ؛ لأن الجواب المَنْفِي ب " مَا " يَقِلُّ دُخُولها، بل لا يَجُوز عند بَعْضِهم، والمَنْفِي ب " لم " مُمْتَنِع ألْبَتَّة.
وهذه اللاَّم لا م الجُحُود جارَّة للمصْدَر المؤوّل من " أنْ " والمنْصُوب بِهَا، وقد تقدَّم تَحْقِيقه - بعون الله تعالى -.
قوله :" إلا أنْ يشاء اللَّه " يجُوز أن يكُون مُتَّصِلاً، أي : ما كانُوا لِيُؤمِنُوا في سَائرِ الأحْوال إلاَّ في حَالِ مَشِيئة اللَّه، أو في سَائرِ الأزْمَان إلا في زَمَان مَشِيئَتِه.
وقيل : إنه اسْتِثْنَاء من عِلَّة عامَّة، أي :" ما كانوا لِيُؤمِنُوا لِشَيء من الأشْيَاء إلاَّ لمشيئة الله تعالى ".
والثاني : أن يكُون مُنْقَطعاً، نقل ذلك الحُوفِيُّ وأبُو البَقَاء، واسْتَبْعَده أبو حيَّان.
معنى الآية الكَريمة : أنه -تعالى- لو أظْهَر جميع تِلْك الأشْيَاء العَجِيبَة لِهَؤلاء الكُفَّار ؛ فإنَّهم لا يُؤمِنُون إلا أن يَشَاء اللَّه إيمانهم.
قال أهْل السُّنَّة(١٢) : فلمَّا لَمْ يُؤمنوا دلَّ على أنَّه -تعالى- ما شَاء مِنْهُم الإيمان، وهذا نَصُّ في المسْألة.
قالت المُعْتَزِلة(١٣) : دل الدَّليل على أنَّه -تبارك وتعالى- أراد الإيمان من جَميع الكُفَّار، وذكر الجُبَّائِيُّ الوُجُوه المَذْكُورة المَشْهُورة.
أولها : أنَّه - تبارك وتعالى- لو لم يُرِد منهم الإيمان، لما أمَرَهُم، ولم يَجِبْ عليهم.
وثانيها : لو أراد الكُفْر من الكَافِر، لكان الكَافِر مُطِيعاً لله تعالى بِفِعْل الكُفْر، لجاز أن يأمُرَ بِهِ.
وثالثها : لو جاز من الله أن يريد منهم الكُفْرَ، لجاز أن يأمر به.
رابعها : لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر. قالوا : فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلاَّ الإيمان منهم وظاهر هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم والتناقض بين الدلائل مُمْتَنِع، فوجب الجَمع، وطَريقُه أن نقُول : إنه -تبارك وتعالى- شَاء من الكُلِّ الإيمان الذي يَفْعَلُونه على سَبيل الاخْتيار، وأنَّه -تعالى- ما شاء منهم الإيمان على سبيل الإلجَاء والقَهْر، وبهذا الطَّريق زال الإشْكَال، وهذا كلامٌ ضعيفٌ من وُجُوه :
الأول : أن الإيمان الَّذِي سمَّوْه بالإيمان الاخْتِيَاري إن عَنَوْا به أنَّ قُدْرَته صَالِحَة إلى الإيمان والكُفْر على السَّويَّة، ثمَّ إنه يَصْدر عَنْها الإيمان دُون الكُفْر لا لداعية مُرَجَّحَة، ولإرادة مُمَيِّزة، فَهَذَا قَوْل برجْحَان أحَد طَرَفي المُمْكن على الآخر، لا لِمُرَجِّح وهو مُحَال، وأيضاً : فبتقدير أنْ يَكُون ذلك مَعْقُولاً في الجُمْلَة، إلاَّ أنَّ حُصُول ذَلِك الإيمان لا يَكُون منه، بل يَكُون حَادِثاً لا لِسَبَب ولا مُؤثِّر أصْلاً ؛ أن الحَاصِل هُنَا ليس إلاَّ القُدْرَة، وهي بالنِّسْبَة إلى الضِّدَّيْن على السَّويَّة، ولم يَصْدر من هَذَا القدر تَخْصِيص لأحد الطَّرَفَيْن على الآخر بالوُقُوع والرُّجْحَانِ، ثم إنّ أحد الطَّرفين قد حصل بنفْسِه، فهذا لا يَكُون صَادراً منه، بل يكون صادراً لا عن سَبَب ألْبَتَّةَ، وذلك يُبْطِل القَوْل بالفِعْل، والفَاعِل، والتَّأثِير والمؤثِّر أصْلاً، وذلك لا يَقوله عَاقِل، وأمَّا إنْ كان هذا الذي سَمّوه بالإيمان الاخْتِيَاري، هو أنَّ قُدْرَته وإن كانت صَالِحة للضِّدَّين، إلاَّ أنَّه لا تَصِير مَصْدراً للإيمان، إلاَّ إذا انْضَمَّ إلى تِلْك القُدْرَة حُصُول داعِيَة الإيمان، فهذا قَوْلٌ بأن مَصْدر الإيمان هو مَجْمُوع القُدْرَة على الدَّاعي، وذلك المَجْمُوع مُوجبٌ للإيمان، فهذا عين ما يسمّونه بالجبر، وأنتم تنكرونه، فثبت أن الذي سمَّوه بالإيمان الاخْتِيَاريِّ لم يَحْصُل منه مَعْنى مَعْقُول مفهوم، وهذا كلام في غاية القُوَّة.
الوجه الثاني : سلَّمنا أن الإيمان الاخْتِيَاري متميِّزٌ عن الإيمان الحَاصِل بتَكْوِين اللَّه -تعالى-، إلاَّ أنا نَقُول قوله -تعالى- :﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملاائكة﴾ وكذا ﴿مَّا كَانُواْ ليؤمنوا﴾ مَعْنَاه : ما كانوا لِيُؤمِنُوا إيماناً اخْتِيَاريّاً، بدلِيل أنَّ عند ظُهُور هذه الأشْيَاء لا يَبْعُد أن يُؤمِنُوا إيماناً على سَبِيل الإلْجَاء والقَهْر، فَثَبت أن قوله :﴿مَّا كَانُواْ ليؤمنوا﴾ على سَبِيل
قال ابن عبَّاسٍ : المُسْتَهْزِئون بالقُرآن العَظِيم كانوا خَمْسَة : الوَليد بن المُغيرَة المَخْزُومي، والعَاص بن وَائِل السَّهْمِي، والأسْوَد بن عَبْد يَغُوث الزُّهري، والأسْوَد بن المُطَّلِب، والحَارث بن حَنْظَلة، ثُمَّ إنهم أتَوا لرسُول اللَّه ﷺ ورَهْط من أهْل مكَّة المُشَرَّفة، وقالُوا له : أرنَا المَلائكة يَشْهَدُوا بأنَّك رسُول اللَّه، أبو ابعث لَنَا بَعَضَ مَوْتَانَا حتَّى نَسْألهم أحَقٌّ ما تقُولُه أمْ باطل، أو ائْتِنَا باللَّه والملائكة قبِيلاً، أي : كَفيلاً بما تدَّعِيه، فَنَزَلت هَذِه الآية الكَرِيمة(١).
وهذا يُشْكَل باتِّفَاقهم على أنَّ هذه السُّورة نزلت دَفْعَة وَاحِدة، بل الَّذِي يَنْبَغِي أن يَكُون المَقْصُود منه : جواب ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم، وهو أنَّهُم أقسموا باللَّه جَهْد أيْمَانهم، لَوْ جاءتهم آيَةٌ ليُؤمِنُنّ بها، فذكر اللَّه- تبارك وتعالى- هذا الكلام بياناً لِكَونِهم كَاذِبين، وأنَّه لا فَائِدة في إنْزالِ الآيَات، وإضْهار المُعْجِزَات بعد المُعْجِزَات، بل المُعْجِزة الوَاحِدة لا بُد منها لِيتَمَيَّز الصَّادق عن الكَاذِب، فأمَّا الزيادة عليها، فتحكم مَحْض لا حَاجَة إليْه، وإلاَّ فَلَهُم أن يَطْلُبوا بعد ظُهُور المُعْجِزة الثَّانية ثالثة، وبعد الثَّالثة رَابِعة، ويَلْزم منه ألاَّ تَسْتَقِرَّ الحجة، وأن لا يَنْتَهِي الأمْر إلى مقطع ومفصل، وذلك يُوجِب سَدَّ باب النُّبُوات.
قوله :" قُبُلاً " قرأ(٢) نَافِع، وابْن عَامِر :" قِبَلاً " هنا وفي الكَهْف بكسر القَافِ، وفَتْح البَاء، والكوفِيُّون هنا وفي الكَهْف بضمّها وأبو عمرو، وابن كثير بضمّها هنا، وكسر القاف، وفتح الباء في الكهف، وقرأ الحسن البَصْرِي، وأبُو حَيْوة، وأبُو رَجَاء بالضَّمِّ والسُّكُون.
وقرأ أبَيّ والأعْمَش " قَبِيلاً " بياء مُثَنَّاة من تَحْت بعد بَاءٍ موحَّدة مَكْسُورة، وقرأ طَلْحَة بن مُصَرِّف :" قَبْلاً " بفتح القَافِ وسُكون البَاء.
فأما قِرَاءة نَافِع، وابن عَامِر ففيها وجهان :
أحدهما : أنَّها بمعنى مُقَابَلَة، أي : مُعَايَنَةً ومُشَاهَدَةً، وانتِصَابُه على هذا الحَالِ قاله أبو عُبَيْدة(٣)، والفرَّاء(٤)، والزَّجَّاج(٥)، ونقله الوَاحِدي أيضاً عن جَمِيع أهْل اللُّغة، يُقَال :" لَقِيته قِبَلاً " أي عِيَاناً.
وقال ابن الأنْبَاري :" قال أبُو ذَرّ : قُلْت للنَّبِيَّ ﷺ أنبيّاً كان آدم ؟ فقال : نعم، كان نبيّاً كلَّمه الله قبلاً(٦) " وبذلك فسَّرها ابن عبَّاس، وقتادة، وابن زَيْد، ولم يَحْكِ الزَّمَخْشَرِي غَيْره، فهو مَصْدر في مَوْضَع الحَال كما تقدَّم.
والثاني : أنَّها بمعنى نَاحِية وجِهَة قاله المُبَرِّد، وجماعة من أهل اللُّغَة كأبي زَيْد، وانتصابه حينئذٍ على الظَّرْف، كقولهم :" لي قِبَلُ فلان دَيْنُ " و " ما قِبَلك حَقُّ " ويقال :" لقِيْتُ فلاناً قِبَلا، ومُقابلة، وقُبُلاً، وقُبَلاً وقَبْلِياً، وقَبِيلاً " كله بِمَعْنَى واحد، ذكر ذلك أبُو زيد، وأتْبَعه بِكَلام طويل مُفيد فرحمه الله -تعالى- وجزاه اللَّه خيراً.
وأمَّا قِرَاءة البَاقِين هُنَا ففيها أوْجُه :
أحدهما : أن يكون " قُبُلاً " جمع قبِيل، بمعنى : كَفِيل ؛ " كرغيف " و " رُغُف "، و " قضيب " و " قُضُب " و " نَصِيب " و " نُصُب ".
وانْتَصَابه حالاً.
قال الفرَّاء(٧) والزَّجَّاج(٨) : جَمْع قبِيل بمعْنَى : كفيل أي : كَفِيلاً بِصِدْق محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام-، ويقال : قَبَلْتُ الرَّجل أقْبَلُه قَبالة بفَتْح البَاء في الماضي والقاف في المَصْدَر، أي : تكفَّلْت به، والقَبِيل، والكَفِيل، والزَّعِيم، والأذِين والضّمِين، والحَمِيل، بمعنى وَاحِد.
وإنما سُمِّيت الكَفَالة قَبَالة ؛ لأنَّها أوْكَد تَقَبُّل، وباعْتِبَار معنى الكَفَالة سُمِّي العَهْد المَكْتوب : قَبالة.
وقال الفرَّاء(٩) في سُورة الأنعام :" قُبُلاً " جَمْع " قَبِيل " وهو " الكَفِيل " قال : وإنَّما اخْتَرت هنا أن يكُون القُبُل في معنى الكفالة ؛ لقولهم :﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] يَضْمَنُون ذلك.
الثاني : أن يَكُون جَمْع قبِيل، بِمَعْنى : جماعةً جماعةً، أو صنْفاً صنفاً.
والمعنى :" وحَشَرْنا عَلَيْهم كلَّ شيء فوْجاً فوْجاً، ونوْعاً نوْعاً من سَائِر المَخْلُوقات ".
الثالث : أن يكون " قُبُلاً " بِمَعْنى : قِبَلاً كالقِرَاءة الأولَى في أحد وجْهَيْهَا وهو المُواجَهة أي : مُواجَهَةً ومُعَايَنةً، ومنه " آتِيكَ قُبُلاً لا دُبُراً " اي : آتِيك من قِبَل وَجْهِك، وقال تعالى :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] وقُرئ(١٠) :" لقبل عدتهن " [الطلاق: ٤١]، أي : لاسْتِقْبَالها، وقال الفرَّاء(١١) :" وقد يكون قُبُلاً :" من قِبَل وُجُوهِهِم ".
وأمَّا الذي في سُورة الكَهْف : فإنه يَصِحُّ فيه مَعْنى المُواجهة، والمُعَاينة، والجماعة صنْفاً صنْفاً، لأن المُراد بالعَذَاب : الجِنْس، وسَيَأتي له مَزِيد بَيَان. و " قُبُلاً " نَصْب على الحَالِ- كما مَرَّ - من " كلِّ "، وإن كان نكرة ؛ لِعُمُومه، وإضافته، وتقدَّم أنَّه في أحد أوْجُهِهِ يُنْصَبُ على الظَّرف عند المُبَرِّد.
وأمّا قراءة الحسن فمخفَّفَة من المَضْمُوم، وقرأه أبَيُّ بالأصْل وهو المُفْرَدِ.
وأما قراءة طَلْحَة فهو ظَرْف مَقْطُوع عن الإضَافة، مَعْنَاه : أو يَأتِيَ باللَّه والملائِكَة قَبْلَه، ولكن كَانَ يَنْبَغِي أن يُبْنَى ؛ لأن الإضافة مُرادَة.
قوله :" مَا كَانُوا " جواب " لَو " وقد تقدَّم أنَّه إذا كَانَ مَنْفيّاً، امتَنَعت اللاَّم.
وقال الحُوفِي :" التَّقْدِير لما كَانُوا حُذِفَت اللاَّم وهي مُرَادة " وهذا لَيْس بجيِّد ؛ لأن الجواب المَنْفِي ب " مَا " يَقِلُّ دُخُولها، بل لا يَجُوز عند بَعْضِهم، والمَنْفِي ب " لم " مُمْتَنِع ألْبَتَّة.
وهذه اللاَّم لا م الجُحُود جارَّة للمصْدَر المؤوّل من " أنْ " والمنْصُوب بِهَا، وقد تقدَّم تَحْقِيقه - بعون الله تعالى -.
قوله :" إلا أنْ يشاء اللَّه " يجُوز أن يكُون مُتَّصِلاً، أي : ما كانُوا لِيُؤمِنُوا في سَائرِ الأحْوال إلاَّ في حَالِ مَشِيئة اللَّه، أو في سَائرِ الأزْمَان إلا في زَمَان مَشِيئَتِه.
وقيل : إنه اسْتِثْنَاء من عِلَّة عامَّة، أي :" ما كانوا لِيُؤمِنُوا لِشَيء من الأشْيَاء إلاَّ لمشيئة الله تعالى ".
والثاني : أن يكُون مُنْقَطعاً، نقل ذلك الحُوفِيُّ وأبُو البَقَاء، واسْتَبْعَده أبو حيَّان.
فصل في معنى الآية ودحض شبه المعتزلة
معنى الآية الكَريمة : أنه -تعالى- لو أظْهَر جميع تِلْك الأشْيَاء العَجِيبَة لِهَؤلاء الكُفَّار ؛ فإنَّهم لا يُؤمِنُون إلا أن يَشَاء اللَّه إيمانهم.
قال أهْل السُّنَّة(١٢) : فلمَّا لَمْ يُؤمنوا دلَّ على أنَّه -تعالى- ما شَاء مِنْهُم الإيمان، وهذا نَصُّ في المسْألة.
قالت المُعْتَزِلة(١٣) : دل الدَّليل على أنَّه -تبارك وتعالى- أراد الإيمان من جَميع الكُفَّار، وذكر الجُبَّائِيُّ الوُجُوه المَذْكُورة المَشْهُورة.
أولها : أنَّه - تبارك وتعالى- لو لم يُرِد منهم الإيمان، لما أمَرَهُم، ولم يَجِبْ عليهم.
وثانيها : لو أراد الكُفْر من الكَافِر، لكان الكَافِر مُطِيعاً لله تعالى بِفِعْل الكُفْر، لجاز أن يأمُرَ بِهِ.
وثالثها : لو جاز من الله أن يريد منهم الكُفْرَ، لجاز أن يأمر به.
رابعها : لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر. قالوا : فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلاَّ الإيمان منهم وظاهر هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم والتناقض بين الدلائل مُمْتَنِع، فوجب الجَمع، وطَريقُه أن نقُول : إنه -تبارك وتعالى- شَاء من الكُلِّ الإيمان الذي يَفْعَلُونه على سَبيل الاخْتيار، وأنَّه -تعالى- ما شاء منهم الإيمان على سبيل الإلجَاء والقَهْر، وبهذا الطَّريق زال الإشْكَال، وهذا كلامٌ ضعيفٌ من وُجُوه :
الأول : أن الإيمان الَّذِي سمَّوْه بالإيمان الاخْتِيَاري إن عَنَوْا به أنَّ قُدْرَته صَالِحَة إلى الإيمان والكُفْر على السَّويَّة، ثمَّ إنه يَصْدر عَنْها الإيمان دُون الكُفْر لا لداعية مُرَجَّحَة، ولإرادة مُمَيِّزة، فَهَذَا قَوْل برجْحَان أحَد طَرَفي المُمْكن على الآخر، لا لِمُرَجِّح وهو مُحَال، وأيضاً : فبتقدير أنْ يَكُون ذلك مَعْقُولاً في الجُمْلَة، إلاَّ أنَّ حُصُول ذَلِك الإيمان لا يَكُون منه، بل يَكُون حَادِثاً لا لِسَبَب ولا مُؤثِّر أصْلاً ؛ أن الحَاصِل هُنَا ليس إلاَّ القُدْرَة، وهي بالنِّسْبَة إلى الضِّدَّيْن على السَّويَّة، ولم يَصْدر من هَذَا القدر تَخْصِيص لأحد الطَّرَفَيْن على الآخر بالوُقُوع والرُّجْحَانِ، ثم إنّ أحد الطَّرفين قد حصل بنفْسِه، فهذا لا يَكُون صَادراً منه، بل يكون صادراً لا عن سَبَب ألْبَتَّةَ، وذلك يُبْطِل القَوْل بالفِعْل، والفَاعِل، والتَّأثِير والمؤثِّر أصْلاً، وذلك لا يَقوله عَاقِل، وأمَّا إنْ كان هذا الذي سَمّوه بالإيمان الاخْتِيَاري، هو أنَّ قُدْرَته وإن كانت صَالِحة للضِّدَّين، إلاَّ أنَّه لا تَصِير مَصْدراً للإيمان، إلاَّ إذا انْضَمَّ إلى تِلْك القُدْرَة حُصُول داعِيَة الإيمان، فهذا قَوْلٌ بأن مَصْدر الإيمان هو مَجْمُوع القُدْرَة على الدَّاعي، وذلك المَجْمُوع مُوجبٌ للإيمان، فهذا عين ما يسمّونه بالجبر، وأنتم تنكرونه، فثبت أن الذي سمَّوه بالإيمان الاخْتِيَاريِّ لم يَحْصُل منه مَعْنى مَعْقُول مفهوم، وهذا كلام في غاية القُوَّة.
الوجه الثاني : سلَّمنا أن الإيمان الاخْتِيَاري متميِّزٌ عن الإيمان الحَاصِل بتَكْوِين اللَّه -تعالى-، إلاَّ أنا نَقُول قوله -تعالى- :﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملاائكة﴾ وكذا ﴿مَّا كَانُواْ ليؤمنوا﴾ مَعْنَاه : ما كانوا لِيُؤمِنُوا إيماناً اخْتِيَاريّاً، بدلِيل أنَّ عند ظُهُور هذه الأشْيَاء لا يَبْعُد أن يُؤمِنُوا إيماناً على سَبِيل الإلْجَاء والقَهْر، فَثَبت أن قوله :﴿مَّا كَانُواْ ليؤمنوا﴾ على سَبِيل
١ ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (١٣/١٢٣) عن ابن عباس..
٢ ينظر: الدر المصون ٣/١٥٩، الحجة لأبي زرعة ٢٦٧ السبعة ٢٦٦، النشر ٢/٢٦٢ المشكل ١/٢٦٥ التبيان ١/٥٣٢ معاني القرآن للزجاج ٢/٣١١ للفراء ١/٣٥١ للأخفش ٢/٥٠١ إعراب القراءات ١/١٦٧..
٣ ينظر: مجاز القرآن ١/٢٠٤..
٤ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥١..
٥ ينظر: معاني القرآن ٢/٣١١..
٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥١) وعزاه لعبد بن حميد والآجري في الأربعين من حديث أبي ذر..
٧ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٠..
٨ ينظر: معاني القرآن ٢/٣١١..
٩ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٠..
١٠ ينظر: الدر المصون ٣/١٥٩، المحرر الوجيز ٢/٣٣٥..
١١ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٠..
١٢ ينظر: الرازي ١٣/١٢٣..
١٣ ينظر: المصدر السابق..
٢ ينظر: الدر المصون ٣/١٥٩، الحجة لأبي زرعة ٢٦٧ السبعة ٢٦٦، النشر ٢/٢٦٢ المشكل ١/٢٦٥ التبيان ١/٥٣٢ معاني القرآن للزجاج ٢/٣١١ للفراء ١/٣٥١ للأخفش ٢/٥٠١ إعراب القراءات ١/١٦٧..
٣ ينظر: مجاز القرآن ١/٢٠٤..
٤ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥١..
٥ ينظر: معاني القرآن ٢/٣١١..
٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥١) وعزاه لعبد بن حميد والآجري في الأربعين من حديث أبي ذر..
٧ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٠..
٨ ينظر: معاني القرآن ٢/٣١١..
٩ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٠..
١٠ ينظر: الدر المصون ٣/١٥٩، المحرر الوجيز ٢/٣٣٥..
١١ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٠..
١٢ ينظر: الرازي ١٣/١٢٣..
١٣ ينظر: المصدر السابق..