المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
أخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه من إنزال الملائكة وإحياء سلفهم حسبما كان من اقتراح بعضهم أن يحشر قصي وغيره، فيخبر بصدق محمد أو يجمع عليهم كل شيء يعقل أن يحشر عليهم، ما آمنوا إلا بالمشيئة واللطف الذي يخلقه ويخترعه في نفس من شاء لا رب غيره، وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان(١)، وقال ابن جريج : نزلت هذه الآية في المستهزئين.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : لا يثبت إلا بسند، وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما «قِبَلاً » بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ابن عباس، وغيره نصبه على الحال، وقال المبرد : المعنى ناحية كما تقول له قبل فلان دين.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : فنصبه على هذا هو على الظرف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم «قُبُلاً » بضم القاف والباء، وكذلك قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا، وقرأ ﴿العذاب قبلاً﴾(٢) مكسورة القاف واختلف في معناه فقال عبد الله بن زيد ومجاهد وابن زيد :«قبل » جمع قبيل أي صنفاً صنفاً ونوعاً نوعاً كما يجمع قضيب على قضب وغيره، وقال الفراء والزجّاج هو جمع قبيل وهو الكفيل، أي : وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء بصدق محمد، وذكره الفارسي وضعفه، وقال بعضهم : ُقبل الضم بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر، ومنه قوله تعالى :﴿قدّ من قبل﴾(٣) ومنه قراءة ابن عمر ﴿لقبل عدتهن﴾(٤) أي لاستقبالها ومواجهتها في الزمن وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة «قُبْلاً » بضم القاف وسكون الباء، وذلك على جهة التخفيف.
وقرأ طلحة بن مصرف «قَبْلاً » بفتح القاف وإسكان الباء، وقرأ أبيّ والأعمش «قبيلاً » بفتح القاف وكسر الباء وزيادة ياء، والنصب في هذا كله على الحال، وقوله عز وجل :﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ الضمير عائد إلى الكفار المتقدم ذكرهم، والمعنى يجهلون أن الآية تقتضي إيمانهم ولا بد، فيقتضي اللفظ أن الأقل لا يجهل فكان فيهم من يعتقد أن الآية لو جاءت «لم يؤمن إلا أن يشاء الله » له ذلك.
١ - وهكذا يؤكد ابن عطية رحمه الله أنه يخالف المعتزلة في آرائهم خلافا لما يدعيه بعض المحدثين، راجع المقدمة..
٢ - من الآية (٥٥) من سورة (الكهف) وهي قوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا﴾..
٣ - من قوله تعالى في الآية (٢٦) من سورة (يوسف): ﴿إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾..
٤ - من الآية (١) من سورة (الطلاق). وهي قراءة شاذة، ونص الآية في القراءة المتواترة: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾ إلى آخر الآية..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى