الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة﴾ الآية [ ١١٢ ].
وهذه الآية من الله ( إعلام )(١) يُزيل بها طمع النبي من ( أن يؤمن )(٢) هؤلاء العادلون بربهم الأوثان، الذي سألوا الآية وأقسموا إنهم(٣) يؤمنون إذا نزلت، فأخبر تعالى أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فقال تعالى : لو نزّلتُ إليهم الملائكة، أي : عيانا، ﴿وكلمهم الموتى﴾ بأنك(٤) مُحِقٌّ فيما تقول، ﴿وحشرنا عليهم﴾ أي : جمعنا عليهم ﴿كل شيء قبلا﴾ أي : عيانا(٥).
(٦) وقيل : معناه : آتيناهم بما غاب عنهم من أمور الآخرة، ما آمنوا ﴿إلا أن يشاء الله﴾، عزى الله نبيه بهذا، وأعلمه أن من سبق في علم الله ألا يؤمن، فلا ينفعه شيء(٧).
قوله :﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ : أي : يجهلون ما في مخالفتك – يا محمد – وهم يعلمون أنك نبي صادق فيما جئتهم به(٨).
وروي أن النبي عليه السلام كان يداعب(٩) أبا سفيان(١٠) بمِخْصَرَة(١١) في يده، يطعن بها أبا سفيان، فإذا أخرقته(١٢) قال له : نح(١٣) عني مِخصَرَتَك، فوالله لو أسلمت إليك هذا الأمر، ما اختلف عليك فيه اثنان. فقال له النبي : أسألك بالذي أسلمت له، ( عن أي : شيء كان قتالُك إيّايَ ) ؟ (١٤).
قال له أبو سفيان : تظنُّ ( أني كنت )(١٥) أقاتلك تكذيبا مني(١٦)، والله ما شككت في(١٧) صدقك، وما كنت أقاتلك إلا حسدا مني لك، فالحمد لله الذي نزع ذلك من قلبي. فكان النبي يشتهي ذلك منه، ويتبسم إليه. ومن قرأ ( قُبُلاً ) بالضم(١٨)، احتمل ثلاثة أوجه :
- أحدهما : أن يكون جمع ( قبيل )، كرغيف ورُغُف(١٩). والقبيل : الضمين والكفيل، ويكون المعنى : وجمعنا عليهم كل شيء يكتفِل(٢٠) الملائكة لهم بصحة هذا، لم يؤمنوا، كما قال :﴿أو تاتي بالله والملائكة قبيلا﴾(٢١) أي : ضمينا(٢٢).
- والوجه الثاني : أن يكون ( القبل ) واحدا، بمعنى المقابلة(٢٣)، تقول :( أتيتك قِبَلاً(٢٤) لا دُبُرا ) : إذا أتيته من قبل وجهه، فالمعنى وجمعنا(٢٥) عليهم كل شيء من قِبَل وُجوهِهم.
- والوجه الثالث : أن يكون ( قُبُلاً )(٢٦) جمع ( قبيل ) أيضا، ويكون ( قبيل ) بمعنى : فرقة وصنف. فالمعنى : وحشرنا عليهم كل شيء صنفا صنفا وقبيلة ( قبيلة )(٢٧)، فيكون ( قبلا ) جمع ( قبيل ) و( قبيل ) جمع ( قبيلة )(٢٨). ومن قرأ ( قِبَلاً )(٢٩) فمعناه : عيانا، أي : معاينة(٣٠).
وهذا ( إعلام )(٣١) للنبي كإعلام نوح :﴿أنه ( لن يومن )(٣٢) من قومك إلا من قد آمن﴾(٣٣).
وقال المبرد :( قِبَلا ) بمعنى ناحية، أي : وجمعنا عليهم كل شيء ناحية، كما تقول :( لي قِبَلَ فلان مال )، أي : ناحيته(٣٤)، فكان نصبه – على هذا – على الظرف(٣٥)، وعلى الأقوال المتقدمة : على الحال(٣٦).
١ مستدركة في هامش (أ) وهي مخرومة الآخر، ساقطة من ب د..
٢ ب: أيومن. د: أن يومنوا..
٣ د: بالله جهد آيمانهم أنهم..
٤ ب: فانك.
٥ انظر: تفسير الطبري ١٢/٤٦، ٤٧، ٤٨، وانظر: مجاز أبي عبيدة ١/٢٠٤..
٦ جلها مطموس مع بعض الخرم..
٧ انظر: تفسير الطبري ١٢/٤٧..
٨ انظر: المصدر السابق..
٩ مخرومة في أ. ب : يداعى..
١٠ هو أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، صحابي شهير، أسلم عام الفتح. توفي سنة ٣٢ هـ. انظر: التقريب ١/٣٦٥، وطبقات ابن خياط ١٠..
١١ ب د: بعد الفتح بمخصرة. وهي (كالسوط، وقيل: المخصرة شيء يأخذه الرجل بيده ليتوكأ عليه، مثل العصا ونحوها، وهو أيضا مما يأخذ الملك يشير به إذا خطب): اللسان: خصر..
١٢ الظاهر من الخرم في (أ) أنها كما أثبت. ب: خرقته. (وقد أخرقته: أي: أدهشته... وخرق الرجل: إذا بقي متحيرا من هم أو شدة... وأخرقه الخوف) أي: اللسان: خرق..
١٣ مخرومة في أ..
١٤ ب د: قتالك إياي عن أي: شيء كان..
١٥ ب: أنكنت..
١٦ د: عني..
١٧ مخرومة في أ..
١٨ هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو في السبعة ٢٦٦، وعامة قرأة الكوفيين والبصريين في تفسير الطبري ١٢/٤٨، ويعقوب وخلف أيضا في المبسوط ٢٠٠، و٢٠١..
١٩ د : غُف..
٢٠ الظاهر من الطمس في (أ) أنها كما أثبت. ب د: تكتفل..
٢١ الإسراء آية ٩٢..
٢٢ انظر: غريب ابن قتيبة ١٥٨..
٢٣ انظر: مجاز أبي عبيدة ١/٢٠٤..
٢٤ ب: قبيلا..
٢٥ ب: جعلنا..
٢٦ ب: قبل..
٢٧ ساقطة من ب. وانظر: مجاز أبي عبيدة ١/٢٠٤..
٢٨ انظر: معاني الفراء ١/٣٥٠، ٣٥١، وتفسير الطبري ١٢/٤٨، ٤٩، وانظر: معاني الزجاج ٢/٢٨٣، وإعراب النحاس ١/٥٧٤، ٥٧٥..
٢٩ هي قراءة نافع وابن عامر في السبعة ٢٦٦، والمبسوط ٢٠١، وحجة ابن زنجلة ٢٦٧، والكشف ١/٤٤٦..
٣٠ انظر: مجاز أبي عبيدة ١/٢٠٤، ومعاني الأخفش ٥٠١، وغريب ابن قتيبة ١٥٨، وتفسير الطبري ١٢/٤٨، ومعاني الزجاج ٢/٢٨٣، وإعراب النحاس ١/٥٧٤، وحجة ابن زنجلة ٢٦٧، وإعراب مكي ٢٦٥، والكشف ١/٤٤٧..
٣١ مستدركة في هامش (أ) ومخرومة. وساقطة من ب د..
٣٢ د: ليومن..
٣٣ هود آية ٣٦. وانظر: معاني الزجاج ٢٨٣..
٣٤ انظر: إعراب النحاس ١/٥٧٣..
٣٥ ب: الطرف. وانظر: أحكام القرطبي ٧/٦٦، وعلق عليه في تفسير البحر ٤/٢٠٥: (وفيه بعد)؟.
٣٦ انظر: إعراب النحاس ١/٥٧٤، وإعراب مكي ٢٦٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى