زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِي عَدُوّاً﴾ أي : وكما جعلنا لك ولأمتك شياطين الإنس والجن أعداءً، كذلك جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء وأممهم ؛ والمعنى : كما ابتليناك بالأعداء، ابتلينا من قبلك، ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى. قال الزجاج :" وَعَدُوٌّ " في معنى أعداء، و﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ﴾ : منصوب على البدل من " عَدُوٌّ "، ومفسر له ؛ ويجوز أن يكون :﴿عَدُوّا﴾ منصوب على أنه مفعول ثان، المعنى : وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء لأممهم. وفي شياطين الإنس والجن ثلاثة أقوال :
أحدها : أنهم مردة الإنس والجن، قاله الحسن، وقتادة. والثاني : أن شياطين الإنس : الذين مع الإنس، وشياطين الجن : الذين مع الجن، قاله عكرمة، والسدي.
والثالث : أن شياطين الإنس والجن : كفارهم، قاله مجاهد.
قوله تعالى :﴿يُوحِي﴾ أصل الوحي : الإعلام والدلالة بستر وإخفاء.
وفي المراد به ها هنا ثلاثة أقوال :
أحدها : أن معناه : يأمر. والثاني : يوسوس. والثالث : يشير.
وأما ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾، فهو ما زُيِّن منه، وحُسِّن، ومُوِّه، وأصل الزخرف، الذهب. قال أبو عبيدة : كل شيء حسنته وزينته وهو باطل، فهو زخرف. وقال الزجاج :" الزخرف " في اللغة : الزينة ؛ فالمعنى : أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة و﴿غُرُوراً﴾ منصوب على المصدر ؛ وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى إيحاء الزخرف من القول : معنى الغرور، فكأنه قال : يَغرُّون غُرورا. وقال ابن عباس :﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ : الأماني بالباطل. قال مقاتل : وكل إبليس بالإنس شياطين يضلونهم، فإذا التقى شيطان الإنس بشيطان الجن، قال أحدهما لصاحبه : إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقال غيره : إن المؤمن إذا أعيا شيطانه، ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه. وقال قتادة : إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين. وقال مالك بن دينار : إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، لأني إذا تعوذت من ذاك ذهب عني، وهذا يجرني إلى المعاصي عيانا.
قوله تعالى :﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ في هاء الكناية ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها ترجع إلى الوسوسة. والثاني : ترجع إلى الكفر. والثالث : إلى الغرور، وأذى النبيين.
قوله تعالى :﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ قال مقاتل : يريد كفار مكة وما يفترون من الكذب. وقال غيره : فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم أولياؤهم، وما يختلقون من كذب، وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية السيف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى