اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما بين حِلَّ كُلِّ ما ذُبِح على اسْم اللَّه -تعالى- ذكر بعده تَحْرِيم ما لَمْ يُذْكَر اسْم اللَّه عليه، ويَدْخُل فيه المَيْتَة، وما ذُبح على ذِكْر الأصْنَام.
قال عطاء : كُل مَا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللَّه عليه من طعامٍ أو شرابٍ، فهو حرام ؛ لعُمُوم الآية(١) :
وقال ابنُ عبَّاسٍ : الآية الكريمة في تَحْرِيم الميتات وما فِي مَعْناها(٢)، ونُقِل عن عَطَاء الآية الكريمة، وفي تَحْرِيم الذَّبَائح الَّتي كانُوا يَذْبحونها على اسْم الأصْنَام، واخْتَلف العُلماء - رضي الله عنهم - في ذَبِيحَة المُسْلِم، إذا لَمْ يُذْكَر اسم اللَّه علَيه.
فذهب قَوْمٌ إلى تَحْرِيمها سواءً ترك التَّسْمِيةَ عامداً أوْ نَاسِياً، وهُوَ قَوْل ابن سيرين، والشَّعْبِين وأحمد في رواية، وطائفة من المُتَكَلِّمين لِظَاهر الآية الكريمة.
وذه قَوْم إلى تَحْلِيلها، يُرْوَى ذلك عن ابْن عبَّاس(٣)، وهُو قول مَالِك، والشَّافِعي، وأحْمَد في رِوَاية.
وذهب قوم إلى أنه إنْ ترك التَّسْمِية عامداً، لم يحلّ، وإن تركها سَهْواً، أحلت، وهُو قَوْل الثَّوْري، وأصْحاب الرَّأي، ومَذْهَب أحمد.
ومن أبَاحَهَا، قال : المُرَاد من الآية الكريمة : الميتات، وما ذُبِح على غَيْر اسْم اللَّه ؛ لقوله :" وإنه لفسق " والفسق في غَيْر ذِكْر اسْم اللَّه ؛ كما قال في آخر السُّورَة العَظِيمة :﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. . . إلى قوله ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله به﴾ وأجمع المُسْلِمُون على أنَّه لا يُفَسَّق آكل ذَبيحَةِ المُسْلِم الذي ترك التَّسْمِية، وأيضاً : وقوله - تعالى :﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وهذه المُنَاظَرَة إنَّما كانت في مَسْألة المَيْتَة على أنَّ المُشْركين قَالُوا للمسلمين : ما يَقْتله الصَّقْر والكَلْبُ تَأكُلُونَه، وما يَقْتُله الله فلا تَأكُلُونَهُ، وعن ابن عباسٍ : إنَّهم قالُوا : تأكلون ما تَقْتُلُونَه، ولا تَأكُلُون ما يَقْتُله اللَّه - تعالى-(٤)، وهذه المناظرات مَخْصُوصة بأكل المَيْتَة، وقال تبارك وتعالى- :﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وهذا مَخْصُوص بِمَا ذُبِح على اسْم النُّصُب، يعني : لو رَضِيتُم بهذه الذَّبيحة الَّتِي ذُبِحَ على اسْم الهديَّة للأوثان، فقد رَضِيتُم بإلهيَّتِها فذلك يُوجِب الشِّرْك.
قال الشَّافعي : فأوَّل الآية الكريمة، وإن كان عامَّا بحسب الصِّيغة، إلاَّ أن آخِرَها لمَّا حَصَلتْ فيه هذه القُيُود الثلاثة، علمنا أن المُرَاد من العموم : الخصوص، وعن عائشة : رضي الله عنها- قالوا : يا رسول الله إن هُنَا أقْوَاماً حَدِيثٌ عَهْدهم بِشِرْكٍ يأتُونَنَا باللَّحْم، لا يُدْرَى يَذْكُرون اسْم اللَّه عليها أمْ لا، قال :" اذْكُروا أنْتم اسْم اللَّه، وكلوا " ولو كانت التَّسْمِية شَرْطاً للإبَاحَة، كان الشكُّ في وُجودها مَانِعاً كالشكّ في أصْل الذَّبْح.
قوله :" وإنَّه لَفِسْقٌ " هذه الجُمْلَة فيها أرْبَعَة أوْجُه :
أحدها : أنَّها مُسْتأنَفة، قالوا : ولا يَجُوز أن تكُون مَنْسُوقة على ما قَبْلَها ؛ لأن الأولَى طلبيَّة، وهي خَبَرِيَّة، وتُسَمَّى هذه الواوُ، واو الاسْتِئْنَافِ.
والثاني : أنَّها مَنْسُوقة على ما قَبْلَها، ولا يُبَالَى بِتَخَالُفِهما، وهو مَذْهَبُ سيبوَيْه، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك، [ وقد أوْرَدْتُ من ذَلِك شَواهِد صالِحَة من شِعْر وغيره ](٥).
الثالث : أنَّها حاليَّة، أي :" لا تَأكُلوه، والحالُ : أنَّه فِسْق " وقد تبجَّح الإمام(٦) الرَّازي بهذا الوَجْه على الحَنَفيَّة، حيث قَلَب دَليلَهُم عليهم بهذا الوَجْه، وذلك أنَّهم يَمْنعُون من أكْل مَتْروك التَّسْمِيَة، والشَّافعيَّة لا يَمْنعون منه استدل عليهم الحَنَفِيَّة بِظَاهِر هذه الآية.
فقال الرَّازي : هذه الجُملَة حاليَّة، ولا يَجُوز أن تَكُون مَعْطُوفة لِتخَالُفِهَمَا طَلَباً وخبراً، فتعيَّن أن تكون حاليَّة، وإذا كانت حاليَّة، كان المعنى :" لا تَكُلُوه حال كَوْنهِ مُفَسَّقاً "، ثم هذا الفِسْق مُجْمَل قد فَسَّره اللَّه تعالى في مَوْضِع آخر، فقال :" أو فِسْقاً أهِلَّ لِغَير اللَّه به " يعني : أنه إذَا ذُكر على الذَّبيحة غَيْر اسم اللَّه، فإنَّه لا يَجُوز أكْلُها ؛ لأنَّه فِسقٌ.
ونحن نقُول به، ولا يَلْزَم من ذَلِك أنَّه إذا لم يُذْكر اسْم اللَّه، ولا اسْم غيره، أن تكون حَرَاماً ؛ لأنه لَيْس بالتَّفْسِير الذي ذَكْرنَاه، والنِّزاع فيه مُحَال من وُجُوه :
منها : أنّنا لا نُسَلِّم امْتِناع عَطْفِ الخَبَر على الطَّلَب، والعَكْس، كما قدَّمتُه عن سِيبوَيْه، وإن سُلِّم، فالواو للاسْتِئْنَاف، كما تقدم، وما بَعْدَها مُسْتأنفُ، وإن سُلِّم أيضاً، فلا نسلّم أن " فِسْقاً " في الآية الأخرى مُبَيِّن للقِسق في هذه الآية، فإن هذا لَيْس من بابِ المُجْمَل والمُبَيَّن(٧) ؛ لأن له شُرُوطاً لَيْسَت مَوجُودَة هُنَا. وهذا الذي قاله مُشْتَمِلٌ من كلام الزَّمَخْشَرِي : فإنه قال(٨) :
فإن قُلْت : قد ذَهَبَ جماعة من المُجْتَهِدين إلى جَوازِ أكْل ما لَمْ يُذْكَر اسْم اللَّه عليه بِنِسْيَان أوْ عَمْد.
قلت : قد تأوَّله هؤلاء بالمَيْتَة، وبما ذُكِر غَيْر اسْم اللَّه عليه ؛ كقوله :" أو فسْقاً أهلِّ لِغَيْر اللَّه به " فهذا أصْل ما ذكره ابن الخَطِيب وتبجَّح به والضَّمير في " أنَّه " يُحْتَمل أن يعُود على الأكْل المَدْلُول عليه ب " لا تأكُلُوا "، وأن يعُود على الموصُول، وفيه حنئيذٍ تأويلان :
أن تَجْعَل الموصُول نَفْس الفِسْق مبالغة.
أو على حَذْفِ مُضَافٍ، أي :" وإنَّ أكله لَفِسْق " أو على الذكْر المَفْهُوم من قوله :" ذكر " قال أبوُ حيَّان(٩) :" والضَّمِير في " إنَّه " : يعُود على الأكْل، قاله الزَّمَخْشَري، واقْتَصَر عليه ".
قال شهاب الدِّين(١٠) - رحمه الله- : لم يَقْتَصِرْ عليه بل ذَكَر : أنَّه يجوز أن يَعُود على المَوصُول، وذكر التَّأويلين المُتقدِّمين، فقال :" الضَّمير راجع على مَصْدر الفِعْل الدَّاخل عليه حَرْف النَّهْي، بمعنى : وإنَّ الأكل منه لَفِسْق، أو على الموصُول على أنَّ أكْلَه لِفِسْق، أو جعل ما لَمْ يُذكَر اسْمُ اللَّه عليه في نفس فسْقاً ".
قوله :" وإنّ الشَّياطين ليوحون إلى أوليَائِهم " من المُشْركين لِيُخَاصِموا مُحمَّداً وأصحابه في أكْل المَيْتَة.
وقال عِكْرِمة : المراد بالشَّيَاطِين : مَرَدة المجُوس، ليُوحون إلى أوْلِيَائِهم من مُشْرِكي قُرَيْش، وذلك لأنَّه لما نزل تَحْريم المَيْتَة، سَمِعه المجُوسُ من أهْل فَارِس، فكتَبُوا إلى قُرَيش - وكانت بَيْنَهُم مُكَاتبة- أنَّ محمَّداً وأصاحابه يَزْعُمون أنَّهم يَتْبَعُون أمْر اللَّه -تعالى- ثم يَزعُمُون أن ما يَذْبَحُونه حلالاً، وما يَذْبَحُه اللَّه حرامٌ فوقع في نَفْس ناسٍ من المُسْلِمين من ذلك، فأنْزَل اللَّه هذه الآية الكَرِيمة.
قوله :" لِيُجَادِلُوكُم " متعلِّق ب " يُوحُون " أي :" يُوحُون لأجْل مُجَادَلَتِكم "، وأصْل " يُوحُون " يُوحِيُون ؛ فأعِلّ.
قوله :" وإن أطَعْتُمُوهم " قيل : إنَّ التَّوْطِئة للقسم، فلذلك أجيب القسم المُقَدَّر بقوله :" إنكم لمُشْرِكُون " وحذف جواب الشَّرْط ؛ لسدّ جواب القسم مسدّه.
وجاز الحذف ؛ لأن فعل الشرط ماض.
وقال أبو البقاء(١١) : حذف الفاء من جواب الشرط، وهو حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي، وهو ههنا كذلك، وهو قوله :" وإنْ أطَعْتُمُوهُم ".
قال شهاب الدِّين(١٢) : كأنه زعم : أنَّ جواب الشَّرْط هو الجُمْلَة من قوه :" إنَّكُم لَمُشْرِكُون " والأصل :" فإنكُم " بالفاء ؛ لأنَّها جُمْلَة اسميَّة، ثم حُذِفَت الفاء ؛ لكون فِعْل الشَّرْط بِلَفْظِ المُضِيِّ، وهذا لَيْس بِشَيء ؛ فإن القَسَم مُقدَّر قَبْل الشَّرْط ويدُل على ذلك حَذْف اللاَّم المُوَطِّئَة قبل " إن " الشَّرْطية، ولَيْس فِعْل الشَّرْط مَاضِياً ؛ كقوله تعالى :﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ﴾ [الأعراف: ٢٣] فَهَهُنَا لا يُمْكنه أن يقُول : إن الفاء مَحذُوفة ؛ لأن فِعْل الشَّرْط مُضارعٌ، وكأن أبا البقاء - والله أعلم- أخذ هذا من الحُوفيِّ ؛ فإني رَأيْتُه فيه كما ذَكَرَهُ أبُو البقاء، ورَدَّه أبُو حيَّان بنحو ما تقدم.

فصل في معنى الآية


والمَعْنَى : وإنْ أطعتُمُوهُم في استِحْلال المَيْتَة، إنكم لَمُشْرِكُون، وإنَّما سُمِّي مُشْرِكاً ؛ لأنه أثْبَت حَاكِماً سِوَى اللَّه، وهذا هو الشِّرك.
وقال الزَّجَّاج : وفيه دَلِيل على أنَّ كُلَّ مَنْ أحَلَّ شيئاً مما حرَّم اللَّه، وحرَّم ما أحَلَّ اللَّه، فهو مُشْرِك.
١ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٣/١٣٨) عن عطاء..
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٧٨) وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه..
٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٧٨) وعزاه لسعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس بلفظ: من ذبح فنسي أن يسمي فليذكر اسم الله عليه وليأكل ولا يدعه للشيطان إذا ذبح على فطرة فإن اسم الله في قلب كل مسلم..
٤ أخرجه أبو داود (٢/١١١) كتاب الصيد: باب في أكل ذبائح أهل الكتاب حديث (٢٨١٩) عن ابن عباس..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: الرازي ١٣/١٣٩..
٧ المبين لغة: الموضح، وفي الاصطلاح له معنيان:
الأول ما احتاج إلى البيان، وقد ورد عليه بيانه.
الثاني: الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان.
ينظر: المصباح المنير (١/٧٠)، المعتمد (١/٣١٩)، المحصول (١ ـ ٣/٢٢٧)، الإحكام للآمدي (٢/١٧٨)، المستصفى (١/٣٤٥)، شرح تنقيح الفصول ص (٣٨)، المنهاج بشرح نهاية السول (٢/٥٢٤)، شرح الكوكب (٣/٤٣٧)، إرشاد الفحول ص (١٦٧)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص (٢٦٦)..

٨ ينظر: الكشاف ٢/٦١ ـ ٦٢..
٩ ينظر: الدر المصون ٣/١٦٩ ـ ١٧٠..
١٠ ينظر: الإملاء ١/٢٦٠..
١١ ينظر: الدر المصون ٣/١٧٠..
١٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٨١) عزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى