محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٢١ من سورة الأنعام في ١١٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٥٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٢١ من سورة الأنعام

١١٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنّهُ لَفِسْقٌ وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىَ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ : لا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه أنتم أو يذبحه موحد يدين لله بشرائع شرعها له في كتاب منزّل فإنه حرام عليكم، ولا ما أهلّ به لغير الله مما ذبحه المشركون لأوثانهم، فإن أكْلَ ذلك فسق، يعني : معصية كفر. فكنى بقوله :«وإنه » عن «الأكل »، وإنما ذكر الفعل، كما قال : الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمانا يراد به : فزاد قولهم ذلك إيمانا، فكنى عن القول، وإنما جرى ذكره بفعل. وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائهِمْ : اختلف أهل التأويل في المعنّي بقوله : وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْليائهمْ فقال بعضهم : عنى بذلك : شياطين فارس ومن على دينهم من المجوس إلى أوْلِيَائِهِمْ من مَرَدِةِ مشركي قريش، يوحون إليهم زخرف القول بجدال نبيّ الله وأصحابه في أكل الميتة. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، قال : حدثنا موسى بن عبد العزيز القنباري، قال : حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، لما نزلت هذه الآية بتحريم الميتة، قال : أوحت فارس إلى أوليائها من قريش أن خاصِموا محمدا وكانت أولياءهم في الجاهلية وقولوا له : إن ما ذبحت فهو حلال، وما ذبح الله قال ابن عباس : بشمشار من ذهب فهو حرام، فأنزل الله هذه الاَية : وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ قال : الشياطين : فارس، وأولياؤهم : قريش.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عمرو بن دينار، عن عكرمة : أن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، وكتبت فارس إلى مشركي قريش أن محمدا وأصحابه يزعمون أنه يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه للميتة وأما ما ذبحوا هم يأكلون. وكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت : وَإنّهُ لَفِسْقٌ وَإنّ الشّياطِينَ ليَوُحُونَ. . . الاَية، ونزلت : يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورا.
وقال آخرون : إنما عني بالشياطين الذين يغرون بني آدم أنهم أوحوا إلى أوليائهم من قريش. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، قال : كان مما أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس : كيف تعبدون شيئا لا تأكلون مما قتل، وتأكلون أنتم ما قتلتم ؟ فرُوي الحديث حتى بلغ النبيّ ﷺ، فنزلت : وَلا تأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، قوله : وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائهِمْ قال : إبليس الذي يوحي إلى مشركي قريش. قال ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال : شياطين الجنّ يوحون إلى شياطين الإنس، يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم. قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال : سمعت أن الشياطين يوحون إلى أهل الشرك يأمرونهم أن يقولوا : ما الذي يموت وما الذي تذبحون إلا سواء يأمرونهم أن يخاصموا بذلك محمدا ﷺ، وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ إنّكُمْ لَمُشْرِكُونَ قال : قول المشركين : أما ما ذبح الله للميتة فلا تأكلون، وأما ما ذبحتم بأيديكم فحلال.
حدثنا محمد بن عمار الرازي، قال : حدثنا سعيد بن سليمان، قال : حدثنا شريك، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن المشركين قالوا للمسلمين : ما قتل ربكم فلا تأكلون، وما قتلتم أنتم تأكلونه فأوحى الله إلى نبيه ﷺ : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : لما حرّم الله الميتة أمر الشيطانُ أولياءه، فقال لهم : ما قتل الله لكم خير مما تذبحون أنتم بسكاكينكم، فقال الله : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.
حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : جادل المشركون المسلمين، فقالوا : ما بال ما قتل الله لا تأكلونه وما قتلتم أنتم أكلتموه، وأنتم تتبعون أمر الله فأنزل الله : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنّهُ لَفِسْقٌ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ يقولون : ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه فأنزل الله : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة : أن ناسا من المشركين دخلوا على رسول الله ﷺ، فقالوا : أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها ؟ فقال :«اللّهُ قَتَلَها ». قالوا : فتزعم أن ما قتلت أنتَ وأصحابُك حلال، وما قتله الله حرام ؟ فأنزل الله : وَلا تأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرميّ : أن ناسا من المشركين، قالوا : أما ما قتل الصقر والكلب فتأكلونه، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بآياته مؤمِنِينَ قال : قالوا : يا محمد، أما ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأما ما قتل ربكم فتحرّمونه فأنزل الله : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنّهُ لَفِسْقٌ وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ إنّكُمْ لَمُشْركُونَ وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه، إنكم إذن لمشركون.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال : قال المشركون : ما قتلتم فتأكلونه، وما قتل ربكم لا تأكلونه فنزلت : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ إنّكُمْ لَمُشْركُونَ قول المشركين : أما ما ذَبَحَ الله للميتة فلا تأكلون منه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ قال : جادلهم المشركون في الذبيحة، فقالوا : أما ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه يعنون : الميتة. فكانت هذه مجادلتهم إياهم.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلا تَأْكُلُوا ممّا لَمْ يُذكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنّه لَفِسْقٌ. . . الاَية، يعني : عدوّ الله إبليس، أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة، فقال لهم : خاصموا أصحاب محمد في الميتة، فقولوا : أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمر الله فأنزل الله على نبيه : وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ إنّكُمْ لَمُشْركُونَ وإنا والله ما نعلمه كان شرك قط إلا بإحدى ثلاث : أن يدعو مع الله إلها آخر، أو يُسجد لغير الله، أو يُسمى الذبائحَ لغير الله.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : وَلا تَأكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إن المشركين قالوا للمسلمين : كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، وما ذبح الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه ؟ فقال الله : لَئِنْ أطَعْتُمُوهُمْ فأكلتم الميتة إنّكُمْ لَمُشْركُونَ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ قال : كانوا يقولون : ما ذُكِرَ الله عليه وما ذبحتم فكلوا فنزلت : وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنّهُ لَفِسْقٌ وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : وَلا تَأكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ. . . إلى قوله : لِيُجادِلُوكُمْ قال : يقول : يوحي الشياطين إلى أوليائهم : تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون مما قتل الله ؟ فقال : إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه، وإن الذي مات لم يذكر اسم عليه.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك، في قوله : وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ هذا في شأن الذبيحة، قال : قال المشركون للمسلمين : تزعمون أن الله حرّم عليكم الميتة، وأحلّ لكم ما تذبحون أنتم بأيديكم، وحرّم عليكم ما ذبح هو لكم وكيف هذا وأنتم تعبدونه ؟ فأنزل الله هذه الاَية : وَلا تأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ. . . إلى قوله : المُشْرِكُونَ.
وقال آخرون : كان الذين جادلوا رسول الله ﷺ في ذلك قوما من اليهود. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع، قالا : حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال ابن عبد الأعلى : خاصمت اليهود النبيّ ﷺ وقال ابن وكيع : جاءت اليهود إلى النبيّ ﷺ فقالوا : نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله فأنزل الله : وَلا تأكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنّهُ لَفِسْقٌ.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال : إن الله أخبر أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة بما ذكرنا من جدالهم إياهم. وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ويركبون معاصيَ الله ويأتون ما حرَّم الله= (سيجزون)، يقول: سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، لا تأكلوا، أيها المؤمنون، مما مات فلم تذبحوه أنتم، أو يذبحه موحِّدٌ يدين لله بشرائع شَرَعها له في كتاب منزل، فإنه حرام عليكم= ولا ما أهلَّ به لغير الله مما ذبَحه المشركون لأوثانهم، فإن أكل ذلك"فسق"، يعني: معصية كفر. (٢)
* * *
فكنى بقوله:"وإنه"، عن"الأكل"، وإنما ذكر الفعل، (٣) كما قال: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)، [سورة ال عمران: ١٧٣] يراد به، فزاد قولُهم ذلك إيمانًا، فكنى عن"القول"، وإنما جرى ذكره بفعلٍ. (٤)
* * *
(١) انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف من فهارس اللغة (كسب)
= وتفسير ((الجزاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزا)
= وتفسير ((اقترف)) فيما سلف ص: ٥٩، ٦٠
(٢) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ١١: ٣٧٠؛ تعليق: ٢ والمراجع هناك
(٣) ((الفعل))، هو المصدر.
(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٥٢
= (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم). (١)
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، فقال بعضهم: عنى بذلك شياطين فارسَ ومن على دينهم من المجوس = (إلى أوليائهم)، من مردة مشركي قريش، يوحون إليهم زخرف القول، بجدالِ نبي الله وأصحابه في أكل الميتة. (٢)
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٠٥- حدثني عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري قال، حدثنا موسى بن عبد العزيز القنباريّ قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية، بتحريم الميتة، قال: أوحت فارس إلى أوليائها من قريشٍ أنْ خاصموا محمدًا = وكانت أولياءهم في الجاهلية (٣) = وقولوا له: أوَ ما ذبحتَ فهو حلال، وما ذَبح الله (٤) = قال ابن عباس: بِشمْشَارٍ من ذهب (٥) = فهو حرام! ! فأنزل الله هذه الآية: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، قال: الشياطين: فارس، وأولياؤهم قريش. (٦)
(١) انظر تفسير ((الوحي)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحي).
(٢) في المطبوعة: ((يوحون إليهم زخرف القول ليصل إلى نبي الله وأصحابه في أكل الميتة)) لم يحسن قراءة المخطوطة، فاجتهد اجتهادًا ضرب على الجملة فسادًا لا تعرف له غاية. وكان في المخطوطة: ((... زخرف القول يحد إلى نبي الله))، غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها.
(٣) يعني: وكانت قريش أولياء فارس وأنصارهم في الجاهلية، وهي جملة معترضة وضعتها بين خطين.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: ((إن ما ذبحت))، كأنه خبر، وهو استفهام واستنكار أن تكون ذبيحة الخلق حلالا، وذبيحة الله - فيما يزعمون، وهي الميتة - حرامًا.
(٥) ((شمشار))، وفي تفسير ابن كثير ٣: ٣٨٩: ((بشمشير))، وتفسيره في خبر آخر يدل على أن ((الشمشار)) أو ((الشم شير))، هو السكين أو النصل، انظر رقم: ١٣٨٠٦، وكأن هذا كان من عقائد المجوس، أن الميتة ذبيحة الله، ذبحها بشمشار من ذهب!!.
(٦) الأثر: ١٣٨٠٥ - ((عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي النيسابوري)) ثقة، صدوق من شيوخ البخاري وأبي حاتم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢١٥.
و ((موسى بن عبد العزيز اليماني العدني القنباري))، لا بأس به، متكلم فيه. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٢٩٢، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٥١.
و ((القنباري)) نسبة إلى ((القنبار)) وهي حبال تفتل من ليف شجر النارجيل، الذي يقال له: الجوز الهندي، وتجر بحبال القنبار السفن لقوته.
١٣٨٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عمرو بن دينار، عن عكرمة: إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم وكاتبتهم فارس، وكتبت فارسُ إلى مشركي قريش إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه = للميتة = وأمّا ما ذبحوا هم يأكلون"! وكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد عليه السلام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت: (وإنه لفسقٌ وإن الشياطين ليوحون) الآية، ونزلت: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غرورا). [سورة الأنعام: ١١٢]
* * *
وقال آخرون: إنما عنى بالشياطين الذين يغرُون بني آدم: أنهم أوحوا إلى أوليائهم من قريش.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة قال: كان مما أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس: كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون مما قَتَل، وتأكلون أنتم ما قتلتم؟ فرُوِي الحديث حتى بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).
١٣٨٠٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، قال: إبليسُ الذي يوحي إلى مشركي قريش = قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس:"يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم"= قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير
قال: سمعت أنَّ الشياطين يوحون إلى أهل الشرك، يأمرونهم أن يقولوا: ما الذي يموتُ، وما الذي تذبحون إلا سواء! يأمرونهم أن يخاصِمُوا بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم= (وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون)، قال: قولُ المشركين أمّا ما ذبح الله، للميتة، فلا تأكلون، وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فحلال!
١٣٨٠٩- حدثنا محمد بن عمار الرازي قال، حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا شريك، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: إن المشركين قالوا للمسلمين: ما قتل ربّكم فلا تأكلون، وما قتلتم أنتم تأكلونه! فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). (١)
١٣٨١٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما حرم الله الميتة، أمر الشيطان أولياءَه فقال لهم: ما قتل الله لكم، خيرٌ مما تذبحون أنتم بسكاكينكم! فقال الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).
١٣٨١١- حدثنا يحيى بن داود الواسطي قال، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس قال: جادل المشركون المسلمين فقالوا: ما بال ما قتلَ الله لا تأكلونه، وما قتلتم أنتم أكلتموه! وأنتم تتبعون أمر الله! فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)، إلى آخر الأية.
١٣٨١٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)،
(١) الأثر: ١٣٨٠٩ - ((محمد بن عمار بن الحارث الرازي))، أبو جعفر، روى عن إسحاق بن سليمان والسندي بن عبدويه، ومؤمل بن إسماعيل، وكتب عنه ابن أبي حاتم، وقال: ((وهو صدوق ثقة)). مترجم في ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٣.
((سعيد بن سليمان))، لم أعرف من يكون فيمن يسمى بذلك، وأخشى أن يكون صوابه: ((إسحاق بن سليمان الرازي))، الذي ذكر ابن حبان أن ((محمد بن عمار يروي عنه)).
يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه! فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).
١٣٨١٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: أن ناسًا من المشركين دخلُوا على رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت، من قَتَلها؟ فقال: اللهُ قتلها. قالوا: فتزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابُك حلالٌ، وما قتله الله حرام! فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).
١٣٨١٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي: أن ناسًا من المشركين قالوا: أما ما قتل الصقر والكلب فتأكلونه، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه!
١٣٨١٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين)، قال: قالوا: يا محمد، أمّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأمّا ما قتل ربُّكم فتحرِّمونه! فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه، إنكم إذًا لمشركون.
١٣٨١٦- حدثنا المثنى، قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: قال المشركون: ما قتلتم فتأكلونه، وما قتل ربكم لا تأكلونه! فنزلت: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).
١٣٨١٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، قول المشركين: أما ما ذبح الله = للميتة = فلا تأكلون منه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال!
١٣٨١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٨١٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)، قال: جادلهم المشركون في الذبيحة فقالوا: أما ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه! يعنون"الميتة"، فكانت هذه مجادلتهم إياهم.
١٣٨٢٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) الآية، يعني عدوّ الله إبليس، أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا:"أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمرَ الله"! فأنزل الله على نبيه: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، وإنا والله ما نعلمه كان شرك قط إلا بإحدى ثلاث: أن يدعو مع الله إلهًا آخر، أو يسجد لغير الله، أو يسمي الذبائح لغير الله.
١٣٨٢١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، وما ذبح الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ فقال الله: لئن أطعتموهم فأكلتم الميتة، إنكم لمشركون.
١٣٨٢٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)، قال: كانوا يقولون: ما ذكر الله عليه وما ذبحتم فكلوا! فنزلت: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم).
١٣٨٢٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) إلى قوله:
(ليجادلوكم)، قال يقول: يوحي الشياطين إلى أوليائهم: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون مما قتل الله! فقال: إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه، وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه.
١٣٨٢٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)، هذا في شأن الذبيحة. قال: قال المشركون للمسلمين: تزعمون أن الله حرم عليكم الميتة، وأحل لكم ما تذبحون أنتم بأيديكم، وحرم عليكم ما ذبح هو لكم؟ وكيف هذا وأنتم تعبدونه! فأنزل الله هذه الآية: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، إلى قوله: (لمشركون).
* * *
وقال آخرون: كان الذين جادلوا رسول الله ﷺ في ذلك قومًا من اليهود.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٢٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع قالا حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس = قال ابن عبد الأعلى: خاصمت اليهودُ النبي ﷺ = وقال ابن وكيع: جاءت اليهود النبي ﷺ = فقالوا: نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله! فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق).
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنّ الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة، بما ذكرنا من جدالهم إياهم = وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم= وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس= وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية
الأخرى التي يقول فيها: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)، [سورة الأنعام: ١١٢]. بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس، كما جعل لأنبيائه من قبله، يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرمَ الله من الميتة عليهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في الذي عنى الله جل ثناؤه بنهيه عن أكله مما لم يذكر اسم الله عليه.
فقال بعضهم: هو ذبائح كانت العرب تذبحها لآلهتها.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٢٦- حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) ؟ قال: يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. قلت لعطاء: فما قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ؟ قال: ينهى عن ذبائح كانت في الجاهلية على الأوثان، كانت تذبحها العرب وقريش.
* * *
وقال آخرون: هي الميتة. (١)
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٢٧- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن عطاء
(١) هذه الترجمة: ((وقال آخرون: هي الميتة))، ليست في المخطوطة، ولكن إثباتها كما في المطبوعة هو الصواب إن شاء الله.
بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، قال: الميتة.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك كلَّ ذبيحة لم يذكر اسمُ الله عليها.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٢٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد قال: سُئِل الحسن، سأله رجل قال له: أُتِيتُ بطيرِ كَرًى، (١) فمنه ما ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير؟ فقال الحسن: كُلْه، كله! قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). (٢)
١٣٨٢٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن أيوب وهشام، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كلوا من ذبائح أهل الكتاب والمسلمين، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.
١٣٨٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد قال: كنت اجلس إليه في حلقة، فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم، فإذا جاء سائل فإنما يسأله ويسكتون. قال: فجاءه رجل فسأله، فقال: رجل ذبح فنسي أن يسمِّي؟ فتلا هذه الآية:
(١) في المطبوعة: ((بطير كذا)) وهو خطأ لا شك فيه. وفي المخطوطة: ((بطير كدى)) برسم الدال، وهو خطأ لا معنى له. والصواب ما أثبت ((كرى)) (بفتحتين) جمع ((الكروان)) وهو طائر بين الدجاجة والحمامة، حسن الصوت، يؤكل لحمه، ذكر صاحب لسان العرب أنه يدعى الحجل والقبيح، والصحيح أنه ضرب من الطير شبيه به. ويقال له عند صيده ((أطرق كرى، أطرق كرى، إن النعام في القرى))، فيجبن ويلتصق بالأرض، فيلقي عليه ثوب فيصاد.
(٢) الأثر: ١٣٨٢٨ - ((جهير بن يزيد العبدي))، حدث عن معاوية بن قرة، وابن سيرين - روى عنه أبو أسامة، وموسى بن إسماعيل، والقعنبي. وثقه يحيى بن معين وابن حبان، وغيرهما. ولم يذكر فيه البخاري جرحًا. مترجم في تعجيل المنفعة: ٧٤، والكبير ١ / ٢ / ٢٥٣، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٥٤٧ قال ابن حجر: ((جهير، بصيغة التصغير، وقيل: بوزن عظيم)).
(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، حتى فرغ منها.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عنى بذلك ما ذُبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحلّ ذبيحته.
وأما من قال:"عنى بذلك: ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله"، فقول بعيد من الصواب، لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده. وقد بينا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى:"لطيف القول في أحكام شرائع الدين"، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
* * *
وأما قوله" (وإنه لفسق)، فإنه يعني: وإنّ أكْل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة، وما أهل به لغير الله، لفسق.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى:"الفسق"، في هذا الموضع. (١)
فقال بعضهم: معناه: المعصية.
فتأويل الكلام على هذا: وإنّ أكلَ ما لم يذكر اسم الله عليه لمعصية لله وإثم.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٣١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وإنه لفسق)، قال:"الفسق"، المعصية.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: الكفر.
* * *
وأما قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلي أوليائهم)، فقد ذكرنا اختلاف
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).
المختلفين في المعنيّ بقوله: (وإن الشياطين ليوحون)، والصوابَ من القول فيه = وأما إيحاؤهم إلى أوليائهم، فهو إشارتهم إلى ما أشاروا لهم إليه: إما بقول، وإما برسالة، وإما بكتاب.
* * *
وقد بينا معنى:"الوحي" فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (١)
وقد:-
١٣٨٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عكرمة، عن أبي زُمَيل قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس، فجاءه رجل من أصحابه، فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة! = يعني المختار بن أبي عبيد = فقال ابن عباس: صدق! فنفرت فقلت: يقول ابن عباس"صدق"! فقال ابن عباس: هما وحيان، وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد، ووحي الشياطين إلى أوليائهم. ثم قرأ: (وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم). (٢)
* * *
وأما الأولياء: فهم النصراء والظهراء، في هذا الموضع. (٣)
* * *
ويعني بقوله: (ليجادلوكم)، ليخاصموكم، بالمعنى الذي قد ذكرت قبل. (٤)
* * *
وأما قوله: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، فإنه يعني: وإن أطعتموهم
(١) انظر تفسير ((الوحي)) فيما سلف ٩: ٣٩٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٣٨٣٢ - ((أبو زميل)) هو: ((سماك بن الوليد الحنفي))، روى عن ابن عباس، وابن عمر، ومالك بن مرثد، وعروة بن الزبير. روى عنه شعبة، ومسعر، وعكرمة بن عمار. وهو ثقة مترجم التهذيب، والكبير ٢ / ٢ /١٧٤، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٨٠.
و ((المختر بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي))، كذاب متنبئ خبيث، فقتله الله بيد مصعب بن الزبير وأصحابه سنة ٦٧ من الهجرة، وله خبر طويل فيه كذبه وما فعل، وما فعل الناس به.
(٣) انظر تفسير ((الولي)) فيما سلف ١٠: ٤٩٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((الجدال)) فيما سلف من فهارس اللغة (جدل).
في أكل الميتة وما حرم عليكم ربكم; كما:-
١٣٨٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وإن أطعتموهم)، يقول: وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه.
١٣٨٣٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن أطعتموهم)، فأكلتم الميتة.
* * *
وأما قوله: (إنكم لمشركون)، يعني: إنكم إذًا مثلهم، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالا. فإذا أنتم أكلتموها كذلك، فقد صرتم مثلهم مشركين.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم في هذه الآية، هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عُنيت به. وعلى هذا قول عامة أهل العلم. (١)
* * *
وروي عن الحسن البصري وعكرمة، ما:-
١٣٨٣٥- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين. ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)، فنسخ واستثنى من ذلك فقال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) [سورة المائدة: ٥].
* * *
(١) انظر ((الناسخ والمنسوخ))، لأبي جعفر النحاس صلى الله عليه وسلم: ١٤٤، قال: ((وفي هذه السورة = يعني سورة الأنعام = شيء قد ذكره قوم هو عن الناسخ والمنسوخ بمعزل، ولكنا نذكره ليكون الكتاب عام الفائدة... )) ثم ذكر الآية، وما قيل في ذلك، إلى صلى الله عليه وسلم: ١٤٦.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنه لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلما، وقد اختلف الأئمة، رحمهم الله، في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :
فمنهم من قال : لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي(١) من متأخري الشافعية في كتابه " الأربعين "، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد :﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. ثم قد أكد في هذه الآية بقوله :﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير قيل : عائد على الأكل، وقيل : عائد على الذبح لغير الله - وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة :" إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك ". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خُدَيْج. " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ". وهو في الصحيحين أيضًا، وحديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال للجن :" لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه " (٢) رواه مسلم. وحديث جُنْدَب بن سفيان البَجَلي قال : قال رسول الله ﷺ " من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله ". أخرجاه(٣) وعن عائشة، رضي الله عنها، أن ناسا قالوا : يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري : أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ قال :" سموا عليه أنتم وكلوا ". قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، [ وأنهم ](٤) خشوا ألا تكون وجدت من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله [ تعالى ](٥) أعلم.
والمذهب الثاني في المسألة : أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو نسيانًا لم تضر(٦) وهذا مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد. نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.
وحمل الشافعي الآية الكريمة :﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء :﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال : ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي [ رحمه الله ](٧) قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل " الواو " في قوله :﴿وإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي : لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ولا يكون فسقا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون " الواو " عاطفة. لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جمله فعلية طلبية. وهذا ينتقض عليه بقوله :﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محاولة، فإن كانت " الواو " التي(٨) ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال ؛ امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت(٩) على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن " الواو " حالية، بطل ما قال من أصله، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قوله :﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال : هي الميتة.
ثم رواه، عن أبي زُرْعَة، عن يحيى بن أبي كثير(١٠) عن ابن لَهِيعَة، عن عطاء - وهو ابن السائب - به.
وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل، من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي - مولى سُوَيْد بن مَنْجوف(١١) أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات - قال : قال رسول الله ﷺ " ذَبِيحَة المسلم حلال ذُكِر اسمُ اللهِ أو لم يُذْكَرْ، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله " (١٢)
وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال : إذا ذبح المسلم - ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله " (١٣)
واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة، رضي الله عنها، المتقدم أن ناسا قالوا : يا رسول الله، إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال :" سَمّوا أنتم وكُلُوا ". قال : فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.
المذهب الثالث في المسألة :[ أنه ](١٤) إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر وإن تركها عمدًا لم تحل.
هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه : وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، وعَطَاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني في كتابه " الهداية " الإجماع - قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ : لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإجماع.
وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : من حرم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك(١٥)
يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال :" المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله " (١٦)
وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري(١٧) فإنه(١٨) وإن كان من رجال مسلم إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، من قوله. فزادا في إسناده " أبا الشعثاء "، ووقفا(١٩) والله [ تعالى ](٢٠) أعلم. وهذا أصح، نص عليه البيهقي [ وغيره من الحفاظ ](٢١)
وقد نقل ابن جرير وغيره. عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهية على التحريم كثيرا، والله أعلم. إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور، فيعده إجماعا، فليعلم هذا، والله الموفق.
قال ابن جرير : حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد قال : سئل الحسن، سأله رجل أتيت بطير كَرًى(٢٢) فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن : كله، كله. قال : وسألت محمد بن سيرين فقال : قال الله [ تعالى ](٢٣) ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر(٢٤) وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ :" إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه " (٢٥) وفيه نظر، والله أعلم.
وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي، من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ؟ فقال النبي ﷺ :" اسم الله على كل مسلم " (٢٦)
ولكن هذا إسناده(٢٧) ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي، ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم.
وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب(٢٨) الأئمة ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات(٢٩)، والله أعلم.
قال ابن جرير : وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم : لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عُنيت به. وعلى هذا قول عامة أهل العلم.
وروي عن الحسن البصري وعكرمة. ما حدثنا به ابن حُميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال الله :﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك فقال :﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وقال ابن أبي حاتم : قرئ علي العباس بن الوليد بن مزيد(٣٠)، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر - عن مكحول قال : أنزل الله في القرآن :﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال :﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب.
ثم قال ابن جرير : والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه.
وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله تعالى :﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال : قال رجل لابن عمر : إن المختار يزعم أنه يوحى إليه ؟ قال : صدق، وتلا هذه الآية :﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾
وحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زُمَيْل قال : كنت قاعدًا عند ابن عباس، وحج المختار ابن أبي عبيد، فجاءه(٣١) رجل فقال : يا ابن عباس، وزعم أبو إسحاق أنه أوحي(٣٢) إليه الليلة ؟ فقال ابن عباس : صدق، فنفرت وقلت : يقول ابن عباس صدق. فقال ابن عباس : هما وحيان، وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله [ عَزَّ وجل ](٣٣) إلى محمد ﷺ، ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ :{ وَإِنَّ الشَّيَ
١ في أ: "الظاهري"..
٢ صحيح مسلم برقم (٤٥٠)..
٣ صحيح البخاري برقم (٩٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٩٦٠)..
٤ زيادة من م..
٥ زيادة من م..
٦ في م: "لم تضره".
.

٧ زيادة من م، أ..
٨ في م: "الذي"..
٩ في م: "عطف"..
١٠ في م: "يحيى بن بكر"..
١١ في م، أ: "ميمون"..
١٢ المراسيل برقم (٣٧٨) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/٢٤٠) من طريق أبي داود به. وقال ابن القطان كما في نصب الراية (٤/١٨٣): "فيه مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد"..
١٣ سنن الدارقطني (٤/٢٩٥) وقد روى مرفوعا، ورجح البيهقي وقفه وصححه ابن السكن..
١٤ زيادة من أ.
.

١٥ تفسير الطبري (١٢/٥٣)..
١٦ السنن الكبرى (٩/٢٤٠)..
١٧ في م: "الخوزني"، وفي أ: "الجزري"..
١٨ في م: "وإنه"..
١٩ في م، أ: "ووقفاه"..
٢٠ زيادة من م..
٢١ زيادة من م، أ..
٢٢ في م، أ: "بطير كذا"..
٢٣ زيادة من م، أ..
٢٤ في م: "وعن أبي ذر"..
٢٥ رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٥) من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٤) من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٣) من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه. قال البوصيري في الزوائد (٢/١٣٠): "إسناده ضعيف". ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٣٥٦) من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، رضي الله عنه، أما من حديث عبد الله بن عمرو فلم أجده، وقد جاء من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه أبو نعيم في الحلية (٦/٣٥٢).
.

٢٦ الكامل لابن عدي (٦/٣٨٥)..
٢٧ في أ: "إسناد"..
٢٨ في أ: "مذهب"..
٢٩ والراجح في هذه المسألة والله أعلم، ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في وجوب التسمية مطلقا، فلا تؤكل الذبيحة بدونها سواء تركها عمدا أو سهوا، قال: "وهذا أظهر الأقوال، فإن الكتاب والسنة قد علق الحل بذكر اسم الله في غير موضع" انظر كلامه في: مجموع الفتاوى (٣٥/٢٣٩)..
٣٠ في أ: "يزيد".
.

٣١ في أ: "فدعاه"..
٣٢ في أ: "يوحى"..
٣٣ زيادة من أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْر بْنِ نُفَير، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عَنِ الْإِثْمِ فَقَالَ: "الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ" (١)
﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾
اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا تَحِلُّ الذَّبِيحَةُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَحِلُّ هَذِهِ الذَّبِيحَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَسَوَاءٌ مَتْرُوكٌ التَّسْمِيَةُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ مَوْلَاهُ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَصَرَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ أَبُو الْفُتُوحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطَّائِيُّ (٢) مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ فِي كِتَابِهِ "الْأَرْبَعِينَ"، وَاحْتَجُّوا لِمَذْهَبِهِمْ هَذَا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِقَوْلِهِ فِي آيَةِ الصَّيْدِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤]. ثُمَّ قَدْ أَكَّدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَالضَّمِيرُ قِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الْأَكْلِ، وَقِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ -وَبِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ وَالصَّيْدِ، كَحَدِيثَيْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ". وَهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خُدَيْج. "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال لِلْجِنِّ: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ" (٣) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحَدِيثِ جُنْدَب بْنِ سُفْيَانَ البَجَلي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ". أَخْرَجَاهُ (٤) وَعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي: أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: "سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا". قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا، [وَأَنَّهُمْ] (٥) خَشُوا أَلَّا تَكُونَ وُجِدَتْ مِنْ أُولَئِكَ، لِحَدَاثَةِ إِسْلَامِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، لِتَكُونَ كَالْعِوَضِ عَنِ الْمَتْرُوكَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ إِنْ لَمْ تَكُنْ وُجِدَتْ، وَأَمَرَهُمْ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّدَادِ، وَاللَّهُ [تَعَالَى] (٦) أَعْلَمُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ تُرِكَتْ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا لَمْ تَضُرَّ (٧) وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أحمد. نقلها
(١) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٥٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.
(٢) في أ: "الظاهري".
(٣) صحيح مسلم برقم (٤٥٠).
(٤) صحيح البخاري برقم (٩٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٩٦٠).
(٥) زيادة من م.
(٦) زيادة من م.
(٧) في م: "لم تضره".
عَنْهُ حَنْبَلٌ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ عَلَى مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥].
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قَالَ: يَنْهَى عَنْ ذَبَائِحَ كَانَتْ تَذْبَحُهَا قُرَيْشٌ عَنِ الْأَوْثَانِ، وَيَنْهَى عَنْ ذَبَائِحِ الْمَجُوسِ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ الَّذِي طَرَقَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيِّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] (١) قَوِيٌّ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ يُقَوِّيَهُ بِأَنْ جَعَلَ "الْوَاوَ" فِي قَوْلِهِ: ﴿وإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حَالِيَّةً، أَيْ: لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ فِسْقًا، وَلَا يَكُونُ فِسْقًا حَتَّى يَكُونَ قَدْ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ هَذَا مُتَعَيَّنٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "الْوَاوُ" عَاطِفَةً. لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَطْفُ جُمْلَةٍ إِسْمِيَّةٍ خَبَرِيَّةٍ عَلَى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ طَلَبِيَّةٍ. وَهَذَا يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فَإِنَّهَا عَاطِفَةٌ لا محاولة، فَإِنْ كَانَتِ "الْوَاوُ" الَّتِي (٢) ادَّعَى أَنَّهَا حَالِيَّةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا قَالَ؛ امْتَنَعَ عَطْفُ هَذِهِ عَلَيْهَا، فَإِنْ عُطِفَتْ (٣) عَلَى الطَّلَبِيَّةِ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ "الْوَاوُ" حَالِيَّةً، بَطَلَ مَا قَالَ مِنْ أَصْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قَالَ: هِيَ الْمَيْتَةُ.
ثُمَّ رَوَاهُ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ (٤) عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ عَطَاءٍ -وَهُوَ ابْنُ السَّائِبِ -بِهِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الصَّلْتِ السَّدُوسِيِّ -مَوْلَى سُوَيْد بْنِ مَنْجوف (٥) أَحَدِ التَّابِعَيْنِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "ذَبِيحَة الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذُكِر اسمُ اللهِ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ، إِنَّهُ إِنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ" (٦)
وَهَذَا مُرْسَلٌ يُعَضَّدُ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا ذَبَحَ الْمُسْلِمُ -وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ" (٧)
وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَوْمًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ يَأْتُونَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: "سَمّوا أَنْتُمْ وكُلُوا". قَالَ: فَلَوْ كَانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ شَرْطًا لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ إِلَّا مَعَ تَحَقُّقِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ فِي الْمَسْأَلَةِ: [أَنَّهُ] (٨) إِنْ تَرَكَ الْبَسْمَلَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ نِسْيَانًا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمْ تحل.
(١) زيادة من م، أ.
(٢) في م: "الذي".
(٣) في م: "عطف".
(٤) في م: "يحيى بن بكر".
(٥) في م، أ: "ميمون".
(٦) المراسيل برقم (٣٧٨) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/٢٤٠) من طريق أبي داود به. وقال ابن القطان كما في نصب الراية (٤/١٨٣) :"فيه مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد".
(٧) سنن الدارقطني (٤/٢٩٥) وقد روى مرفوعا، ورجح البيهقي وقفه وصححه ابن السكن.
(٨) زيادة من أ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، وعَطَاء، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْغِيَنَانِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْهِدَايَةِ" الْإِجْمَاعَ -قَبْلَ الشَّافِعِيِّ عَلَى تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، فَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْمَشَايِخُ: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَمْ يَنْفُذْ لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ جِدًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ عَمَّنْ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: مَنْ حَرَّمَ ذَبِيحَةَ النَّاسِي، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ، وَخَالَفَ الْخَبَرَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ (١)
يَعْنِي مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرْسُوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، إِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ، فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْهُ" (٢)
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَفْعُهُ خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزِيرِيُّ (٣) فَإِنَّهُ (٤) وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيَّ رَوَيَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ قَوْلِهِ. فَزَادَا فِي إِسْنَادِهِ "أَبَا الشَّعْثَاءِ"، وَوَقَفَا (٥) وَاللَّهُ [تَعَالَى] (٦) أَعْلَمُ. وَهَذَا أَصَحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ [وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ] (٧)
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُمَا كَرِهَا مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيَانًا، وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهِيَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. إِلَّا أَنَّ مِنْ قَاعِدَةِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ قَوْلَ الْوَاحِدِ وَلَا الِاثْنَيْنِ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ، فَيُعِدُّهُ إِجْمَاعًا، فَلْيُعْلَمْ هَذَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ جَهِير بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ، سَأَلَهُ رَجُلٌ أَتَيْتُ بِطَيْرٍ كَرًى (٨) فَمِنْهُ مَا قَدْ ذُبِحَ فَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا نُسِيَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَطَ الطَّيْرُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: كُلْهُ، كُلْهُ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] (٩) ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ (١٠) وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١١) وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ الْقُرْقُسَانِيِّ، عن الأوزاعي، عن
(١) تفسير الطبري (١٢/٥٣).
(٢) السنن الكبرى (٩/٢٤٠).
(٣) في م: "الخوزني"، وفي أ: "الجزري".
(٤) في م: "وإنه".
(٥) في م، أ: "ووقفاه".
(٦) زيادة من م.
(٧) زيادة من م، أ.
(٨) في م، أ: "بطير كذا".
(٩) زيادة من م، أ.
(١٠) في م: "وعن أبي ذر".
(١١) رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٥) من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٤) من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٣) من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه. قال البوصيري في الزوائد (٢/١٣٠) :"إسناده ضعيف". ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٣٥٦) من طريق ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أما من حديث عبد الله بن عمرو فلم أجده، وقد جاء من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه أبو نعيم في الحلية (٦/٣٥٢).
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (١)
وَلَكِنَّ هَذَا إِسْنَادُهُ (٢) ضَعِيفٌ، فَإِنَّ مَرْوَانَ بْنَ سَالِمٍ الْقُرْقُسَانِيَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيَّ، ضَعِيفٌ، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَفْرَدْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَذَكَرْتُ مَذَاهِبَ (٣) الْأَئِمَّةِ وَمَآخِذَهُمْ وَأَدِلَّتَهُمْ، وَوَجْهَ الدَّلَالَاتِ وَالْمُنَاقَضَاتِ وَالْمُعَارَضَاتِ (٤)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَلْ نُسِخَ مِنْ حُكْمِهَا شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ وَهِيَ مُحْكَمَةٌ فِيمَا عُنيت بِهِ. وَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ. مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُميد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا قَالَ اللَّهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَنُسِخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥].
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرِئَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ (٥)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي النُّعْمَانُ -يَعْنِي ابْنَ الْمُنْذِرِ -عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ثُمَّ نَسَخَهَا الرَّبُّ وَرَحِمَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَنَسَخَهَا بِذَلِكَ وَأَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ حِلِّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَبَيْنَ تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنَ السَّلَفِ النَّسْخَ هَاهُنَا فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّخْصِيصَ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) الكامل لابن عدي (٦/٣٨٥).
(٢) في أ: "إسناد".
(٣) في أ: "مذهب".
(٤) والراجح في هذه المسألة والله أعلم، ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في وجوب التسمية مطلقا، فى تؤكل الذبيحة بدونها سواء تركها عمدا أو سهوا، قال: "وهذا أظهر الأقوال، فإن الكتاب والسنة قد علق الحل بذكر اسم الله في غير موضع" انظر كلامه في: مجموع الفتاوى (٣٥/٢٣٩).
(٥) في أ: "يزيد".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: أن المختار يزعم أنه يوحى إليه؟ قال: صَدَقَ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي زُمَيْل قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَجَّ المختار ابن أَبِي عُبَيْدٍ، فَجَاءَهُ (١) رَجُلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ أُوحِيَ (٢) إِلَيْهِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَ، فَنَفَرْتُ وَقُلْتُ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ صَدَقَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا وَحْيَانِ، وَحْيُ اللَّهِ، وَوَحْيُ الشَّيْطَانِ، فَوَحْيُ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٣) إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَحْيُ الشَّيْطَانِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ (٤) لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ نَحْوَ هَذَا.
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] (٥) :﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: خَاصَمَتِ الْيَهُودُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا، وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾
هَكَذَا رَوَاهُ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُتَّصِلًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى النبي ﷺ فقالوا: نأكل مِمَّا قَتَلْنَا وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ]﴾ (٦).
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرير، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى وَسُفْيَانُ (٧) بْنُ وَكِيع، كِلَاهُمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ.
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الحَرَشي، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ. (٨) وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدِهَا:
أَنَّ الْيَهُودَ لَا يَرَوْنَ إِبَاحَةَ الْمَيْتَةِ حَتَّى يُجَادِلُوا.
الثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
الثَّالِثِ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الحَرَشِي، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عباس. ورواه الترمذي بلفظ (٩) : أتى
(١) في أ: "فدعاه".
(٢) في أ: "يوحى".
(٣) زيادة من أ.
(٤) في هـ: "الشيطان".
(٥) زيادة من م.
(٦) زيادة من أ.
(٧) في م: "سعيد" هو خطأ.
(٨) سنن أبي داود برقم (٢٨١٩) وتفسير الطبري (١٢/٨٢).
(٩) في م، أ: "بلفظ قال".
نَاسٌ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا (١).
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أَرْسَلَتْ فَارِسُ إِلَى قُرَيْشٍ: أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّدًا وَقُولُوا لَهُ: كَمَا تَذْبَحُ أَنْتَ بِيَدِكَ بِسِكِّينٍ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا ذَبَحَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، بِشِمْشِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ -يَعْنِي الْمَيْتَةَ -فَهُوَ حَرَامٌ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قَالَ: الشَّيَاطِينَ مِنْ فارس، وأوليائهم [مِنْ] (٢) قُرَيْشٍ (٣).
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا سِماك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يَقُولُونَ: مَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُوهُ. وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ فَكُلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ (٤). وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْيَهُودِ، فَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ (٥)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَاتَبُوا فَارِسَ عَلَى الرُّومِ، وكاتبتهم فارس، وكتب فَارِسُ إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ، فَمَا ذَبَحَ اللَّهُ بِسِكِّينٍ مِنْ ذَهَبٍ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ -لِلْمَيْتَةِ وَمَا (٦) ذَبَحُوهُ هُمْ يَأْكُلُونَ. فَكَتَبَ بذلك المشركون إلى أصحاب مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَقَعَ فِي أَنْفُسِ نَاسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (٧) :﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ [إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ]﴾ (٨) وَنَزَلَتْ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾
وَقَالَ السُّدِّي فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: كَيْفَ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَتَّبِعُونَ مَرْضَاةَ اللَّهِ، وَمَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ فَأَكَلْتُمُ الْمَيْتَةَ ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾
وَهَكَذَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: حَيْثُ عَدَلْتُمْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَكُمْ وَشَرْعِهِ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ]﴾ (٩) [التوبة: ٣١].
(١) سنن الترمذي برقم (٣٠٦٩).
(٢) زيادة من أ.
(٣) المعجم الكبير للطبراني (١١/٢٤١).
(٤) سنن أبي داود برقم (٢٨١٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٧٣).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٢/٧٨).
(٦) في م: "وأما".
(٧) في م، أ: "فنزلت".
(٨) زيادة من م، أ. وفي هـ: "الآية".
(٩) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٢١ } ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾
ويدخل تحت هذا المنهي عنه، ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام، وآلهتهم، فإن هذا مما أهل لغير الله به، المحرم بالنص عليه خصوصا.
ويدخل في ذلك، متروك التسمية، مما ذبح لله، كالضحايا، والهدايا، أو للحم والأكل، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية، عند كثير من العلماء.
ويخرج من هذا العموم، الناسي بالنصوص الأخر، الدالة على رفع الحرج عنه، ويدخل في هذه الآية، ما مات بغير ذكاة من الميتات، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه.
ونص الله عليها بخصوصها، في قوله :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ولعلها سبب نزول الآية، لقوله ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بغير علم.
فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتةَ، وتحليله للمذكاة، وكانوا يستحلون أكل الميتة- قالوا -معاندة لله ورسوله، ومجادلة بغير حجة ولا برهان- أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ يعنون بذلك : الميتة.
وهذا رأي فاسد، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن.
فتبا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة. ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير.
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في شركهم وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين، فلذلك كان طريقكم، طريقهم.
ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم، لا تدل –بمجردها على أنها حق، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله.
فإن شهدا لها بالقبول قبلت، وإن ناقضتهما ردت، وإن لم يعلم شيء من ذلك، توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب، لأن الوحي والإلهام، يكون الرحمن ويكون من الشيطان، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين، حصل من الغلط والضلال، ما لا يحصيه إلا الله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٢١} ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
ويدخل تحت هذا المنهي عنه، ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام، وآلهتهم، فإن هذا مما أهل لغير الله به، المحرم بالنص عليه خصوصا.
ويدخل في ذلك، متروك التسمية، مما ذبح لله، كالضحايا، والهدايا، أو للحم والأكل، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية، عند كثير من العلماء.
ويخرج من هذا العموم، الناسي بالنصوص الأخر، الدالة على رفع الحرج عنه، ويدخل في هذه الآية، ما مات بغير ذكاة من الميتات، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه.
ونص الله عليها بخصوصها، في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ولعلها سبب نزول الآية، لقوله ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بغير علم.
فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتةَ، وتحليله للمذكاة، وكانوا يستحلون أكل الميتة- قالوا -معاندة لله ورسوله، ومجادلة بغير حجة ولا برهان- أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ يعنون بذلك: الميتة.
وهذا رأي فاسد، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن.
فتبا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة. ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير.
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في شركهم وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين، فلذلك كان طريقكم، طريقهم.
ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم، لا تدل -بمجردها على أنها حق، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
وإنه
يعني الاكل
ليوحون
أي يوسوسون
إلى أوليائهم
الكفار
ليجادلوكم
في الميتة فيقولون اتاكلون ما قتلتم ولا تاكلون ما قتل الله
وإن أطعتموهم
في استحلال الميتة

إعراب الآية ١٢١ من سورة الأنعام

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢١]

وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
وَلا تَأْكُلُوا نهي. مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كسرت الراء لالتقاء الساكنين.
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ خبر «إنّ».

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٢]

أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)
وروى المسيّبي عن نافع بن أبي نعيم أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ بإسكان الواو وقال أبو جعفر: يجوز أن يكون محمولا على المعنى أي انظروا وتبيّنوا أغير الله أبتغي حكما أو من كان ميتا فأحييناه. ومن فتح الواو جعلها واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٣]

وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)
لام كي قيل: إنه مجاز كما قال فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨].

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٥]

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أي يوسعه ثوابا إلى طاعته وهي شرط ومجازاة. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً مثله، وقرأ ابن كثير ضَيِّقاً «١» بتخفيف الياء كما يقال: ليّن ولين وهيّن وهين. حرج اسم الفاعل وحرج مصدر وصف به كما يقال: رجل عدل ورضى وقيل: حرج جمع حرجة ومعناه شدّة الضيق ومنه فلان يتحرّج أي يضيّق على نفسه في تركه هواه للمعاصي. كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ «٢» قد ذكرناه. كَذلِكَ الكاف في موضع نصب وكذا ما مرّ من قوله «وكذلك جعلنا في كلّ قرية».

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٦]

وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)
(١) انظر تيسير الداني ٨٨، والبحر المحيط ٤/ ٢١٩.
(٢) قراءات (يصّعّد) في البحر المحيط ٤/ ٢٢٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٢١ من سورة الأنعام

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. [١٢١].
قال المشركون: يا محمد، أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلبُ والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عِكْرِمَة: إن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش - وكانوا أولياءهم في الجاهلية، وكانت بينهم مكاتبة - إن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبح الله فهو حرام. فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

الموضوعات القرآنية للآية ١٢١ من سورة الأنعام

١٤ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عمر -من طريق أبي إسحاق- أنّه قيل له: إنّ المختار يزعُمُ أنه يُوحى إليه. قال: صدَق؛ ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٩.
٢
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «قال إبليسُ: يا ربِّ، كلُّ خلقِك بيَّنتَ رزقَه، ففيمَ رزقي؟ قال: فيما لم يُذكَر اسمي عليه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو الشيخ في العظمة ٥‏/‏١٦٨٣، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ١٠‏/‏٣٦٠-٣٦١ (٣٨٥). قال أبو نعيم في حلية الأولياء ٣‏/‏٢٧٩: «هذا حديث غريب». وقال الألباني في الصحيحة ٢‏/‏٣٢٥-٣٢٦ (٧٠٨): «الحديث صحيح الإسناد».
٣
عن أبي زُمَيْلٍ، قال: كنتُ قاعدًا عند ابن عباس، وحجَّ المختارُ بن أبي عبيد، فجاء رجل، فقال: يا أبا عباس، زعم أبو إسحاق أنّه أُوحِي إليه الليلة. فقال ابن عباس: صدَق. فنَفَرْتُ، وقلتُ: يقول ابن عباس: صدَق! فقال ابن عباس: هما وحيان؛ وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد ﷺ، ووحي الشيطان إلى أوليائه. ثم قرأ: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٣٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٩.

تفسير

٢٧ قولًا
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿وإن أطعتموهم﴾ فأكلتم الميتة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٣١.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن أطعتموهم﴾ باستحلالكم الميتة ﴿إنكم لمشركون﴾ مثلهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٨٦-٥٨٧.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيج- في قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾، قال: إبليس أوحى إلى مشركي قريش١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٣/٤٥١ بتصرف) على قول ابن عباس وابن كثير المكي بقوله: «اللفظة على وجهها، وكَفَرة الجن أولياء الكَفَرة قريش، ووحيهم إليهم كان بالوسوسة حتى ألهموهم تلك الحجة، أو على ألسنة الكُهّان».
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني- قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس؛ يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٢.
٥
عن سعيد بن جبير أنّه قال: ﴿ليوحون إلى أوليائهم﴾، قال: من المشركين١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٨٠.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾، قال: الشياطين: فارس، وأولياؤهم: قريش١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٣/٤٥١ بتصرف) على قول عكرمة بقوله: «وذلك أنّهم كانوا يوالون قريشًا على عداوة النبي ﷺ، فخاطبوهم مُنَبِّهين على الحجة، [وهي] قولهم: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله! فذلك من مخاطبتهم هو الحي الذي عنى، و الأولياء قرائن، والمجادلة: هي تلك الحُجَّة».
٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾، جادلهم المشركون في الذبيحة، فقالوا: أمّا ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وأمّا ما قتل الله فلا تأكلونه! يعنون: الميتة. فكانت هذه مجادلتهم إيّاهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٤.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: عمَد عدوُّ اللهِ إبليسُ إلى أوليائه من أهل الضلالة، فقال لهم: خاصِموا أصحاب محمد في الميتة؛ فقولوا: أمّا ما ذبَحتم وقتَلْتم فتأكُلون، وأما ما قتَل الله فلا تأكُلون، وأنتم زعَمتم أنكم تتَّبِعون أمر الله!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٩
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ إنّ المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تَتَّبعون مرضاة الله، وما ذبح الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟! فقال الله: لئن أطعتموهم فأكلتم الميتة ﴿إنكم لمشركون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٥.
١٠
عن عبد الله بن كثير المكي -من طريق ابن جُرَيْج- قال: سمعتُ: أنّ الشياطين يوحون إلى أهل الشرك يأمرونهم أن يقولوا: ما الذي يموت وما الذي تذبحون إلا سواء. يأمرونهم أن يُخاصِموا بذلك محمدًا ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٢.
١١
عن الحضرمي [بن لاحق التميمى السعدي] -من طريق سليمان التيمي- أنّ ناسًا من المشركين قالوا: أمّا ما قتل الصقرُ والكلب فتأكلونه، وأمّا ما قتل الله فلا تأكلونه!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٣.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ من المشركين ﴿ليجادلوكم﴾ في أمر الذبائح١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٨٦-٥٨٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في المعنيِّ بقوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: عنى بذلك: شياطين فارس، ومَن على دينهم من المجوس، ﴿إلى أوليائهم﴾ من مَرَدة مشركي قريش، يوحون إليهم زخرف القول بجدال نبي الله وأصحابه في أكل الميتة. والثاني: إنما عني بالشياطين الذين يُغْرُون بني آدم أنهم أوحوا إلى أوليائهم من قريش. والثالث: كان الذين جادلوا رسول الله ﷺ في ذلك قومًا من اليهود. ورجَّح الجمعَ ابنُ جرير (٩/٥٢٧) للعموم، فقال: «وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس، وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾ [الأنعام:١١٢]». ثم رجَّح أنّه مِن كلا الجنسين مستندًا إلى السياق، فقال: «لأنّ الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس، كما جعل لأنبيائه من قبله يوحي بعضهم إلى بعض المزين من الأقوال الباطلة، ثم أعْلَمه أنّ أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومَن تبعه من المؤمنين فيما حرَّم الله من الميتة عليهم».
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿وإن أطعتموهم﴾، يقول: وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٣١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٨٠.
١٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿وإن أطعمتموهم﴾ يعني: في أكل الميتة استحلالًا؛ ﴿إنكم لمشركون﴾ مثلُهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٨٠.
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، قول المشركين: أمّا ما ذبح اللهُ للميتة فلا تأكلون منه، وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال!١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٢٧، وأخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٤.
١٦
قال مجاهد بن جبر: ﴿وإن أطعتموهم﴾ فاستحللتم الميتة ﴿إنكم لمشركون﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٩٥-.
١٧
عن عامر الشعبي -من طريق عيسى بن عبد الرحمن- ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، قال: لَئِن أكَلتم الميتة وأطَعتُموهم إنّكم لَمشركون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٨٠.
١٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾:... وإنّا -واللهِ- ما نعلمُه كان شِرْكًا قطُّ إلا في إحدى ثلاث: أن يُدْعى مع الله إلهٌ آخر، أو يُسجدَ لغير الله، أو تُسمّى الذبائح لغير الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وابن المنذر، وأبي الشيخ. وتقدم بتمامه في نزول الآية.
١٩
عن عبد الله بن كثير المكي -من طريق ابن جُرَيج- ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، قال: قول المشركين: أمّا ما ذبح الله للميتة فلا تأكلون، وأما ما ذبحتم بأيديكم فحلال!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٢.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، يعني: الميتة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٨. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
٢١
عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد الخَطْمِيِّ قال: كنتُ أجلس إليه في حلقة١، فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم، فإذا جاء سائلٌ فإنّما يسأله ويسكتون. قال: فجاءه رجل، فسأله، فقال: رجلٌ ذبح فنسي أن يُسَمِّي؟ فتلا هذه الآية: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ حتى فرغ منها٢
التخريج
  1. ١المتكلم هنا ابن سيرين.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٩.
٢٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، يعني: الميتة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٨.
٢٣
عن جُهَيرِ بن يزيد، قال: سُئِل الحسن؛ سأله رجل قال له: أُتيت بطير كَرًا١، فمنه ما ذُبِح فذُكِر اسم الله عليه، ومنه ما نُسِي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير؟ فقال الحسن: كُلْهُ كُلَّه، قال: وسألت محمد بن سيرين، فقال: قال الله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾٢
التخريج
  1. ١الكرا: لغة في الكَرَوانُ -بالتحريك-: طائر يُدعى الحجلَ. وقيل: طائر يُشْبِهُ البط. لسان العرب (كرو).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٩/ ٥٢٨.
٢٤
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، قال: يُنهى عن ذبائحَ كانت تذبحُها قريش على الأوثان، ويُنهى عن ذبائح المجوس١٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٨.
تعليقات المحققين
  1. ١اختُلِف في المنهيِّ عن أكله مما لم يذكر اسم الله عليه على ثلاثة أقوال: الأول: هو ذبائح كانت العرب تذبحها لآلهتها. والثاني: هي الميتة. والثالث: بل عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٥٢٩) القول الأول الذي قاله عطاء، والثاني الذي قاله ابن عباس، وانتقد القول الأخير، مستندًا إلى الإجماع، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله عنى بذلك: ما ذُبِح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته... ، وأمّا مَن قال: عني بذلك ما ذبحه المسلم فنسيَ ذكرَ اسمِ الله. فقول بعيد من الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده». وذكر ابنُ عطية (٣/٤٥١) أنّ من قالوا بهذا القول تعلَّقوا بالعموم الوارد في الآية؛ إذ لفظها يعمُّ ما تُرِكَت التسمية عليه من ذبائح الإسلام. وبنحوه قال ابنُ كثير (٦/١٤٦). وسيأتي تفصيلٌ لحكم التسمية.
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿وإنه لفسق﴾، قال: الفسق: المعصية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٣٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٩/٥٢٩) معنى الآية على قول ابن عباس، فقال: «فتأويل الكلام على هذا: وإنّ أكْلَ ما لم يُذْكَرِ اسمُ الله عليه لَمَعْصيةٌ لله وإثم». وذكر قول آخرين أنّ معنى الفسق في هذا الموضع: الكفر، ولم يسند تحته أيَّ رواية.
٢٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، يعني: إنّ أكْلَ الميتة لَمَعصِية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٨٦.
٢٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: يُوحِي الشياطينُ إلى أوليائهم من المشركين أن يقولوا: تأكُلون ما قتَلْتم، ولا تأكُلون ما قتَل الله! فقال: إنّ الذي قتَلْتم يُذكَرُ اسمُ الله عليه، وإنّ الذي مات لم يُذكَرِ اسمُ الله عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٦، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٨٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.

النسخ في الآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، فنسَخ واستَثْنى من ذلك، فقال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة:٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود (٢٨١٧)، والبيهقي في سننه ٩‏/‏٢٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩/ ٥٣١.
٣
عن مكحول الشامي -من طريق النعمان بن المنذر- قال: أنزل الله في القرآن: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾. ثم نسخَها الربُّ عز وجل ورحِم المسلمين، فقال: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة:٥]. فنسَخها بذلك، وأحلَّ طعام أهل الكتاب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِفَ هل في الآية نسخ أم لا؛ فقال قوم بعدم النسخ، وقال آخرون: نسخ منها ذبائح أهل الكتاب. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٥٣٢) القول الأول دون الثاني الذي قاله عكرمة، والحسن البصري مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله إنّما حرَّم علينا بهذه الآية الميتة، وما أُهِلَّ به للطواغيت، وذبائحُ أهل الكتاب ذَكِيَّةٌ؛ سموا عليها أو لم يسموا؛ لأنّهم أهل توحيد، وأصحاب كتب لله يدينون بأحكامها، يذبحون الذبائح بأديانهم كما ذبح المسلم بدينه، سمّى اللهَ على ذبيحته أو لم يُسَمِّه، إلا أن يكون ترك مِن ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل، أو بعبادة شيء سوى الله، فيحرم حينئذ أكل ذبيحته سمّى الله عليها أو لم يسم». وذكر ابنُ جرير أنّ القول الأول هو قول عامة أهل العلم. وبنحوه قال ابنُ عطية (٣/٤٥١). وكذا رجَّح ابنُ كثير (٦/١٥٥) عدم النسخ، ولم يذكر مستندًا. ثم وجَّه معنى النسخ الوارد في الآثار، قال: «ومَن أطلق مِن السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص».

أحكام متعلقة بالآية

١٠ أقوال
١
عن راشد بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: «ذبيحةُ المسلم حلال، سمّى أو لم يُسَمِّ، ما لم يتعمَّدْ، والصيدُ كذلك»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحارث في مسنده بغية الباحث ١‏/‏٤٧٨ (٤١٠). قال البوصيري في إتحاف الخيرة ٥‏/‏٢٨١ (٤٦٧١): «هذا إسناد مرسل ضعيف؛ لضعف الأحوص بن حكيم». وقال المتقي الهندي في كنز العمال ٦‏/‏٢٦٤ (١٥٦٢١): «عبد بن حميد في تفسيره، عن راشد بن سعد مرسلًا». وقال الألباني في إرواء الغليل ٨/ ١٦٩ (٢٥٣٧): «ضعيف».
٢
عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجلَ مِنّا يذبحُ وينسى أن يُسَمِّيَ؟ فقال النبي ﷺ: «اسمُ الله على كلِّ مسلم»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٥‏/‏٩٤ (٤٧٦٩)، والبيهقي في الكبرى ٩‏/‏٤٠٢ (١٨٨٩٤) واللفظ له. وفيه مروان بن سالم؛ قال ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٨‏/‏١٢٠-١٢١: «عامَّة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه». وقال الدارقطني في سننه ٥‏/‏٥٣٤ (٤٨٠٣): «مروان بن سالم ضعيف». قال البيهقي: «هذا الحديث منكر بهذا الإسناد». وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ١‏/‏٣٧٧ (٤٤٩): «مروان هذا متروك الحديث». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٤‏/‏٩١: «قال النسائي: مروان بن سالم متروك الحديث». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٣٢٧: «هذا إسناده ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٤‏/‏٣٠ (٦٠١٦): «فيه مروان بن سالم الغفاري، وهو متروك». وقال العيني في عمدة القاري ١٣‏/‏٤٩: «ضعيف». وقال الشوكاني في فتح القدير ٢‏/‏١٨٠: «حديث ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٦/ ٢٩١ (٢٧٧٤): «موضوع».
٣
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة- قال: كان قومٌ أسلموا على عهد النبي ﷺ، فقدِموا بلَحْمٍ إلى المدينة يبيعونه، فتَجَيَّشَتْ١ أنفسُ أصحاب النبي ﷺ منه، وقالوا: لعلهم لم يُسَمُّوا. فسألوا النبي ﷺ، فقال: «سمُّوا أنتم، وكُلُوا»٢
التخريج
  1. ١تجيشت: أي: غثت، وهو مِن الارتفاع، كأن ما في بطونهم ارتفع إلى حلوقهم فحصل الغثى. النهاية (جَيَشَ).
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق (٨٥٤٢)، والبيهقي ٩‏/‏٢٣٩ من طريق عروة عن عائشة. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن عبد الله بن يزيد الخَطْمِيِّ، قال: كُلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مِمّا ذُكِر اسمُ الله عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: مَن ذبَح فنَسِيَ أن يُسَمِّيَ فليذكُرِ اسم الله عليه، وليأكُلْ، ولا يدَعْه للشيطان إذا ذبَح على الفطرة؛ فإنّ اسم الله في قلب كل مسلم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٨٥٣٨) من طريق عكرمة بلفظ: المسلم اسمٌ من أسماء الله، فإذا نسي أحدكم أن يسمي على الذبيحة فلْيُسَمِّ، وليأكل، وسعيد بن منصور (٩١٤ - تفسير) بنحوه، والبيهقي في سننه ٩‏/‏٢٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٦
عن مَعْمَر، قال: بلغني: أنّ رجلًا سأل ابنَ عمر عن ذبيحة اليهودي والنصراني. فتلا عليه: ﴿أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة:٥]. وتلا عليه: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾. وتلا عليه: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة:٣، النحل:١١٥]. قال: فجعل الرجل يردِّدُ عليه، فقال ابن عمر: لعن الله اليهود والنصارى وكَفَرة الأعراب؛ فإنّ هذا وأصحابه يسألوني، فإذا لم أُوافِقْهم أنشَئوا يُخاصِموني١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠١٨٧).
٧
عن عامر الشعبي -من طريق داود- قال: لا تأكُلوا مِمّا لم يُذكَرِ اسمُ الله عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص٤٤٠.
٨
عن طاووس بن كيسان -من طريق ابنه- قال: مع المسلم ذِكْرُ الله، فإن ذبَح ونسِيَ أن يُسَمِّيَ فلْيُسَمِّ، وليأكُلْ، فإنّ المجوسيَّ لو سمّى الله على ذبيحته لم تُؤْكَلْ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٨٥٣٩). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٩
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق سلمة بن كهيل- في الرجل يذبح وينسى أن يُسَمِّيَ، قال: لا بأس به. قيل: فأين قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾؟ قال: إنّما ذبَحْتَ بدينِك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٠
عن محمد بن سيرين، في الرجل يذبحُ وينسى أن يُسَمِّيَ، قال: لا يأكل١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٤٥٠-٤٥١) وابنُ كثير (٦/١٤٦-١٥٤) اختلافَ العلماء في حكم التسمية على ثلاثة أقوال: الأول: لا تحل الذبيحة بغير التسمية، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا. والثاني: جواز متروك التسمية سهوًا كان أم عمدًا. والثالث: جواز متروك التسمية سهوًا دون العمد. وساق ابنُ كثير استدلالات كل فريق وأطال فيها.

نزول الآية

١٥ قولًا
١
قال مجاهد بن جبر: كان المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة؛ فيقولون: أمّا ما ذبحتم وقتلتم فتأكلونه، وأمّا ما قتل الله فلا تأكلونه، وأنتم بزعمكم تتبعون أمر الله؟! فأنزل الله: ﴿وإن أطعتموهم﴾ فاستحللتم الميتة ﴿إنكم لمشركون﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٩٥-.
٢
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: قال المشركون لأصحاب محمد ﷺ: هذا الذي تذبحون أنتم تأكُلونه، فهذا الذي يموتُ مَن قتَله؟ قالوا: الله. قالوا: فما قتَل اللهُ تُحَرِّمونه، وما قتَلْتم أنتم تُحِلُّونه! فأنزل الله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٤ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وأبي الشيخ.
٣
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾: هذا في شأن الذبيحة. قال: قال المشركون للمسلمين: تزعمون أنّ الله حرَّم عليكم الميتة، وأحلَّ لكم ما تذبحون أنتم بأيديكم، وحرَّم عليكم ما ذبح هو لكم، وكيف هذا وأنتم تعبدونه؟! فأنزل الله هذه الآية: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ إلى قوله: ﴿لمشركون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٦.
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان-: لَمّا نزلت هذه الآية بتحريم الميتة قال: أوْحَتْ فارسُ إلى أوليائها من قريش: أن خاصِموا محمدًا -وكانت أولياءهم في الجاهلية-، وقولوا له: إنّ ما ذبحت فهو حلال، وما ذبح الله -قال ابن عباس: بشمشار من ذهب- فهو حرام؟! فأنزل الله هذه الآية: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾. قال: الشياطين: فارس، وأولياؤهم: قريش١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٩ مختصرًا. كما أخرجه ابن جرير من طريق عمرو بن دينار مطولًا، وفيه: وكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء؛ فنزلت: ﴿وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون﴾.
٥
عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ المشركين دخلوا على نبي الله ﷺ، فقالوا: أخبِرْنا عن الشاة إذا ماتت، مَن قتَلَها؟ قال: «اللهُ قتَلها». قالوا: فتزعمُ أنّ ما قتَلْتَ أنت وأصحابُك حلال، وما قتَله الله حرام! فأنزل الله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٣ مرسلًا.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق سماك- قال: كان مِمّا أوحى الشياطينُ إلى أوليائهم من الإنس: كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون مِمّا قَتَل، وتأكلون أنتم ما قتلتم؟ فروى الحديثَ حتى بلغ النبي ﷺ؛ فنزلت: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢١-٥٢٢ مرسلًا.
٧
عن عامر الشعبي -من طريق عيسى بن عبد الرحمن- أنّه سُئِل عن قوله: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، فقيل: تزعُمُ الخوارج أنها في الأُمراء. قال: كذَبوا، إنّما أُنزِلت هذه الآية في المشركين، كانوا يُخاصِمون أصحابَ رسول الله ﷺ، فيقولون: أمّا ما قتَل الله فلا تأكُلوا منه -يعني: الميتة-، وأمّا ما قتَلْتم أنتم فتأكُلون منه! فأنزل الله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ إلى قوله: ﴿إنكم لمشركون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٨٠.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: عَمَدَ عدوُّ اللهِ إبليسُ إلى أوليائه من أهل الضلالة، فقال لهم: خاصِموا أصحاب محمد في الميتة؛ فقولوا: أمّا ما ذبَحتم وقتَلْتم فتأكُلون، وأما ما قتَل الله فلا تأكُلون، وأنتم زعَمتم أنكم تتَّبِعون أمر الله! فأنزل الله: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. وإنّا -واللهِ- ما نعلمُه كان شِرْكًا قطُّ إلا في إحدى ثلاث: أن يُدْعى مع الله إلهٌ آخر، أو يُسجدَ لغير الله، أو تُسمّى الذبائح لغير الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٩
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ كُفّار مكة حين سمعوا أنّ اللَّه حرم الميتة قالوا للمسلمين: أتزعمون أنّكم تتبعون مرضاة ربكم؟ ألا تُحَدِّثونا عما قتلتم أنتم بأيديكم أهو أفضل أوْ ما قَتَل اللَّه؟ فقال المسلمون: بل اللهُ أفضلُ صنعًا. فقالوا لهم: فما لَكُمْ تأكلون مِمّا ذبحتم بأيديكم، وما ذبح اللَّه فلا تأكلونه، وهُوَ عندكم ميتة؟! فأنزل الله: ﴿وما لَكُمْ ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾... وأنزل الله في قولهم: ما قتل الله فلا تأكلوه: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾... ، وفيهم نزلت: ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر﴾ [الحج:٦٧]. يعني: أمر الذبائح١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥٨٦-٥٨٧.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: خاصَمَتِ اليهودُ النبي ﷺ، وفي لفظ: جاءت اليهودُ إلى النبي ﷺ، فقالوا: نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله؟! فأنزل الله: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود (٢٨١٩)، وابن جرير ٩‏/‏٥٢٦، والطبراني (١٢٢٩٥)، والبيهقي في سننه ٩‏/‏٢٤٠. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه. قال الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢٤٤٥): «صحيح، لكن ذكر اليهود فيه منكر، والمحفوظ أنهم المشركون».
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ عطية (٣/٤٥٢) قول ابن عباس مستندًا لمخالفته الواقع، فقال: «وهذا ضعيف؛ لأنّ اليهود لا تأكل الميتة». ثم وجَّهه بقوله: «أما أن ذلك يتجه منهم على جهة المغالطة كأنهم يحتجون عن العرب». وانتقده ابنُ كثير (٦/١٥٦-١٥٨) مستندًا لمخالفته الواقع، وأحوال النزول، والتعليل المرويّ في السنّة، فقال: «وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: أنّ اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: أنّ الآية من الأنعام، وهي مكية. الثالث: أنّ هذا الحديث رواه الترمذي، عن محمد بن موسى الحرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي ﷺ...». ثم ذكر أنّ الصحيح المحفوظ هو روايته عن ابن عباس دون ذكر لليهود، واستدل على ذلك بعدد من الطرق والروايات.
١١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن السائب- مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٧٨.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾، كانوا يقولون: ما ذبح اللهُ فلا تأكلوا، وما ذبحتم أنتم فكلوا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود (٢٨١٨)، وابن ماجه (٣١٧٣)، وابن جرير ٩‏/‏٥٢٢-٥٢٣، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٣٨٠، والحاكم ٤‏/‏٢٣٣، والبيهقي في سننه ٩‏/‏٢٣٩. كما أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٣، والحاكم من طريق هارون بن عنترة، عن أبيه، وفيه: أنّ المجادلين هم المشركون.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا نزَلت: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ أرسَلَت فارسُ إلى قريش: أن خاصِموا محمدًا. فقالوا له: ما تذبحُ أنت بيدِك بسكين فهو حلال، وما ذبَح الله بشِمْشارٍ١ من ذهب -يعني: الميتة- فهو حرام؟! فنزلت هذه الآية: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾. قال: الشياطين من فارس، وأولياؤهم قريش٢
التخريج
  1. ١الشِمْشار: فسره الشيخ شاكر في تحقيقه لابن جرير ١٢‏/‏٧٧ بأنه السكين أو النصل، ثم قال: وكأن هذا كان من عقائد المجوس، أن الميتة ذبيحة الله، ذبحها بشمشار من ذهب.
  2. ٢أخرجه الطبراني في الكبير ١١‏/‏٢٤١ (١١٦١٤). قال أحمد شاكر في عمدة التفسير ١‏/‏٨١٧: «إسناد الطبراني إسناد صحيح».
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: قالوا: يا محمد، أمّا ما قتَلْتم وذبَحتم فتأكلُونه، وأما ما قتَل ربُّكم فتُحَرِّمونه! فأنزل الله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم﴾ في كُلِّ ما نهَيتُكم عنه ﴿إنكم﴾ إذن ﴿لمشركون﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قال: لَمّا حرَّم الله الميتة أمر الشيطانُ أولياءه، فقال لهم: ما قتل الله لكم خيرٌ مِمّا تذبحون أنتم بسكاكينكم. فقال الله: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٥٢٢. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
التفسير بالمأثور لسورة الأنعام كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٢١ من سورة الأنعام

٥ وقفات في هذه الآية

  • وقفات فى (نور وضياء)

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ما كل مسألة تثبت بالجدل، فالدين مبناه على التسليم

    — عمر المقبل

  • ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ : - لا تجعل نفسك جسرا للشيطان أثناء جدالك العقيم واستبدل ذلك ببيت في أدنى الجنه . - قال الحبيب : ( أنا زعيم ببيت في ربَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا ) .

    — فوائد القرآن

  • ( حكيم - عليم ) : ترددت في الأنعام بصور مختلفة ثلاث مرات في أواخر الأنعام مسائل فقهية ، والفقيه لا بد أن يكون حكيمًا فقدم ( حكيم ) ( عليم - حكيم ) : ترددت في يوسف بصور مختلفة ثلاث مرات ، سورة يوسف مبنية على العلم حيث تردد لفظ العلم سبعًا وعشرين مرة فقدم ( عليم ) .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • برنامج التفسير الفقهي سورة الأنعام آية 121

    — سعد الشثري

الناسخ والمنسوخ في الآية ١٢١ من سورة الأنعام

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ليجدل وكم وَإِنْ أطعتم وهم إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْه وإِنَّه لَفِسْقٌ﴾:
قال عكرمةُ: هي منسوخة بقوله: ﴿وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّلَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فأَحَلَّ لنا طعامَهم، وهم لا يُسَمُّونَ على ذبائحهم، - وهذا قول مكحول وعطاء -.
وقيل: هي محكمةٌ ولا يجوز أن تؤكلَ ذبيحةٌ لم يُذْكَرِ اسْمُ الله عليها،- وهو قول الحسن، وابن سيرين والشعبي - وقد أُجْمعَ على جوازِ أكل ذبيحة الناسي لِذكر الله عند الذَّبْح.
وقيل: الآيةُ مُخَصَّصَةٌ مُحْكَمة، والمرادُ بها الْمُتَعَمِّدُ لِتَرْكِ التَّسميةِ على الذبيحة، وخَصَّصَها إباحةُ أكل ذبائحِ أَهل الكتاب - وهو قولُ ابنِ جبير والنخعي ومالك وأبي حنيفة - غير أَنَّ مالكاً يكرهُ أكلَ ذبيحة الكتابي إذا علم أنه لم يُسَمِّ مُتَعَمِّداً، ولم يُحَرِّم ذلك، وقد بينّا هذا في المائدة بأشبعمن هذا.
وقد يتوهم متوهِّمٌ أنَّ قولَه: ﴿وَلاَ تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] أَتى عامّاً في كُلِّ طعام، (والإِجماعُ) على أن المرادَ به الذبائح ناسخ لذلك، وليس الأمرُ كذلك، إنما الإِجماع (بيَّنَ وخَصَّصَ) أن المراد بذلك الذبائحُ، ولو كان ذلك نسخاً عند مَن أجاز النسخَ بالإِجماع لوجب بالنسخ أن يؤكلَ كُلُّ ما لم يُذْكَرِ اسمُ الله عليه مِن ذبيحةٍ وغيرِها، لأَنّ حق الناسخ إزالةُ حُكْم المنسوخ، وهذا لا يجوز، وإنما هو (تخصيص وتبيين) بالإِجماع؛ إذ المرادُ الذبائحُ خاصةً دون سائر الطعام، وفي الآية ما يدلُّ على ذلك.

ترجمات معاني الآية ١٢١ من سورة الأنعام

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(121) And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].[341]
[341]- i.e., by your obedience to them - obedience being the basis of worship.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال