زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ سبب نزولها : مجادلة المشركين للمؤمنين في قولهم : أتأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله ! على ما ذكرنا في سبب قوله تعالى :﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] هذا قول ابن عباس. وقال عكرمة : كتبت فارس إلى قريش : إن محمدا وأصحابه لا يأكلون ما ذبحه الله، ويأكلون ما ذبحوا لأنفسهم ؛ فكتب المشركون إلى أصحاب النبي ﷺ بذلك، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت هذه الآية.
وفي المراد بما لم يذكر اسم الله عليه أربعة أقوال :
أحدها : أنه الميتة، رواه ابن جبير عن ابن عباس.
والثاني : أنه الميتة والمنخنقة، إلى قوله :﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] روي عن ابن عباس.
والثالث : أنها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها، قاله عطاء.
والرابع : أنه عام فيما لم يسم الله عند ذبحه ؛ وإلى هذا المعنى ذهب عبد الله ابن يزيد الخطمي، ومحمد بن سيرين.
فصل : فإن تعمد ترك التسمية، فهل يباح ؟ فيه عن أحمد روايتان. وإن تركها ناسيا أبيحت. وقال الشافعي : لا يحرم في الحالين جميعا. وقال شيخنا علي بن عبيد الله : فإذا قلنا : إن ترك التسمية عمدا يمنع الإباحة، فقد نسخ من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب بقوله :﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وعلى قول الشافعي : الآية محكمة.
قوله تعالى :﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ يعني : وإن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله لفسق، أي : خروج عن الحق والدين. وفي المراد بالشياطين ها هنا قولان :
أحدهما : أنهم شياطين الجن، روي عن ابن عباس.
والثاني : قوم من أهل فارس، وقد ذكرناه عن عكرمة ؛ فعلى الأول : وحيهم الوسوسة، وعلى الثاني : وحيهم الرسالة. والمراد ب﴿أَوْلِيَائِهِمْ﴾ الكفار الذين جادلوا رسول الله ﷺ في ترك أكل الميتة. ثم فيهم قولان :
أحدهما : أنهم مشركو قريش. والثاني : اليهود ؛ ﴿وإن أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى