فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه﴾ قرأ الجمهور بفتح الواو بعد همزة الاستفهام. وقرأ نافع، وابن أبي نعيم بإسكانها، قال النحاس : يجوز أن يكون محمولاً على المعنى : أي انظروا وتدبروا ﴿[ أَفغَيْرَ ] الله أَبْتَغِى ( حَكَماً ) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه﴾ والمراد بالميت هنا الكافر، أحياه الله بالإسلام. وقيل معناه : كان ميتاً حين كان نطفة، فأحييناه بنفخ الروح فيه. والأوّل أولى، لأن السياق يشعر بذلك لكونه في تنفير المسلمين عن اتباع المشركين، وكثيراً ما تستعار الحياة للهداية وللعلم، ومنه قول القائل :
وفي الجهل قبل الموت موت لأهلهفأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحيي بالعلم ميتفليس له حتى النشور نشور
والنور : عبارة عن الهداية والإيمان. وقيل هو القرآن. وقيل الحكمة. وقيل هو النور المذكور في قوله تعالى :﴿يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم﴾والضمير في به راجع إلى النور ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات﴾ أي كمن صفته في الظلمات، ومثله مبتدأ والظلمات خبره، والجملة صفة لمن. وقيل : مثل زائدة، والمعنى : كمن في الظلمات، كما تقول : أنا أكرم من مثلك، أي منك، ومثله :﴿فَجَزَاء مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم﴾ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾. وقيل المعنى : كمن مثله مثل من هو في الظلمات، و ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ منْهَا﴾ في محل نصب على الحال، أي حال كونه ليس بخارج منها بحال من الأحوال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه﴾ قال : كان كافراً ضالاً فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ هو القرآن ﴿كَمَن مَثَلُهُ فِي الظلمات﴾ : الكفر والضلالة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة في الآية قال : نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ يعني عمر بن الخطاب، ﴿كَمَن مَثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ منْهَا﴾ يعني أبا جهل بن هشام. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن زيد بن أسلم، في الآية قال : نزلت في عمر ابن الخطاب، وأبي جهل بن هشام، كانا ميتين في ضلالتهما، فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزّه، وأقرّ أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله ﷺ دعا فقال :«اللهم أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب». وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة في قوله :﴿وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا﴾ قال : نزلت في المستهزئين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال : سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال :﴿أكابر مُجْرِمِيهَا﴾ عظماءها.
وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج في قوله :﴿وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ﴾ الآية قال : قالوا لمحمد حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق. لو كان هذا حقاً لكان فينا من هو أحق أن يؤتي به محمد :﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله :﴿سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ﴾ قال : أشركوا ﴿صَغَارٌ﴾ قال : هوان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى