اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله-تعالى- ﴿لَهُمْ دَارُ السلام عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يحتمل أن تكُون هذه الجُمْلَة مُسْتَأنفة، فلا مَحَلَّ لها ؛ كأن سَائِلاً سَأل عمّا أعدَّ اللَّه لهمن فَقِيل له ذلِك، ويُحْتَمَل أن يَكُون حالاً من فَاعِل " يذِّكّرُون "، ويُحْتَمل أن يَكُون وَصْفاً لِقَوْم، وعلى هَذَيْن الوَجْهَيْن فَيَجُوز أن تكُون الحَالُ أو الوصْفُ الجَارُّ والمجْرُور فَقَط، ويَرْتَفِع " دَار السَّلام " بالفَاعِليَّة، وهذا عِنْدَهُم أوْلى ؛ لأنه أقْرَبُ إلى المُفْرَد من الجُمْلَة، والأصْل في الوَصْفِ والحَالِ والخَبَر الإفْرَاد، فما قَرُبَ إليه فهو أوْلَى.
و " عِنْد ربِّهِمْ " حال من " دارُ " ويجُوز أن يَنْتَصِب " عِنْدَ " بنَفْس " السَّلام " ؛ لأنه مَصْدَرٌ، أي : يُسَلِّم عليهم عِنْدَ ربِّهِم، أي : في جَنَّتهِ، ويجُوز أن يَنْتَصِب بالاسْتِقْرَار في " لَهُمْ ".
وقوله :" وهُوَ وَليُّهم " يحتمل أيضاً الاسْتِئْنَاف، وأن يكون حالاً، أي : لهُمْ دارُ السلام، والحال أن اللَّه وَلِيُّهم ونَاصِرُهم.
" وبما كانوا " الباء سَبَبِيَّة، و " مَا " بمعْنَى الّذِي، أو نَكِرة أو مَصدريَّة.

فصل في معنى السلام


قيل : السَّلام اسم من أسْمَاء الله -تعالى- والمعنى : دار الله كما قِيلَ : الكَعْبَة بَيْتُ اللَّهِ، والخِلِيفَةُ عبدُ اللَّهِ.
وقيل : السَّلام صفة الدَّار بمعْنَى : دَارِ السَّلامةِ، والعرب تُلْحِقُ هذه الهَاءَ في كثير من المَصَادِر وتحذفُها، يقولون : ضَلالَ وضَلاَلة، وسَفَاة وسَفَاهَة، ورَضَاع ورَضَاعة، ولَذاذ ولَذَاذَة.
وقيل : السَّلام جمع السَّلامةِ، وإنَّما سُمّيت الجَنَّة بهذا الاسْمِ ؛ لأن أنواع السَّلامة بأسْرِها حَاصِلَة فِيهَا، وفي المُرَاد بهذه العِنْدِيَّة وجوه :
أحدها : أنَّها مُعَدَّة عنده كما تَكُون الحُقُوقُ مُعَدَّة مهيأة حَاضِرَة ؛ كقوله :﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: ٨].
ثانيها : أن هذه العِنْديَّة تُشْعِر بأن هذا الأمْر المؤخَّر موصُوف بالقُربِ من اللَّهِ-تبارك وتعالى- وهذا لَيْس قُرْبٌ بالمكانِ والجهة، فوجب كَوْنُه بالشَّرْفِ والرُّتْبَة، وذلك يَدُلُّ على أن ذَلِك الشَّيْء بَلَغ في الكمالِ والرِّفْعَة إلى حَيْثُ لا يُعْرَفُ كنْهُهُ، إلاَّ أنه كقوله :﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
وثالثها : هي كقوله في صفة الملائكة :﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقوله :" أنَا عِنْد المنْكَسِرَة قُلُوبُهُم " (١)، و " أنا عِنْد ظَنِّ عَبْدِي بِي " (٢)، وقال -تعالى- :﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥] وقال :﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: ٨] وكل ذلك يَدُلُّ على أنَّ حُصُول كمال صِفَة العِنْديَّة بواسِطَة صِفَة العُبُوديَّة.
وقوله :" وهُوَ وَلِيُّهُم " يدل على قُرْبِهم من اللَّه ؛ لأن الوليَّ معناه القَريبُ، لا وَلِيّ لهم إلاَّ هُو، ثم قال :" بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " ؛ وإنما ذكر ذلِك لِئَلاً يَنْقَطِع العَبْدُ عن العَمَلِ.
١ ذكره العجلوني في كشف الخفا (١/٢٠٣) وقال: قال في المقاصد: ذركه في البداية للغزالي وقال القارئ عقبه: ولا يخفى أن الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية..
٢ تقدم تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى