فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿قُل لمَن ما فِي السموات والأرض﴾ هذا احتجاج عليهم وتبكيت لهم، والمعنى : قل لهم هذا القول فإن قالوا فقل لله، وإذا ثبت أن له ما في السموات والأرض إما باعترافهم، أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ولكنه كتب على نفسه الرحمة، أي وعد بها فضلاً منه وتكرّماً، وذكر النفس هنا عبارة عن تأكد وعده، وارتفاع الوسائط دونه، وفي الكلام ترغيب للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وتسكين خواطرهم بأنه رحيم بعباده لا يعاجلهم بالعقوبة، وأنه يقبل منهم الإنابة والتوبة، ومن رحمته لهم إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة.
قوله :﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ اللام جواب قسم محذوف. قال الفراء وغيره : يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله :﴿الرحمة﴾ ويكون ما بعدها مستأنفاً على جهة التبيين، فيكون المعنى ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ليمهلنكم وليؤخرنّ جمعكم. وقيل المعنى : ليجمعنكم في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه. وقيل :«إلى » بمعنى في، أي ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل يجوز أن يكون موضع ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ النصب على البدل من الرحمة، فتكون اللام بمعنى «أن ». والمعنى : كتب ربكم على نفسه الرحمة أن يجمعنكم كما قالوا في قوله تعالى :﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ أي أن يسجنوه. وقيل إن جملة ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مسوقة للترهيب بعد الترغيب، وللوعيد بعد الوعد، أي إن أمهلكم برحمته فهو مجازيكم بجمعكم في معاقبة من يستحق عقوبته من العصاة، والضمير في ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ لليوم أو للجمع.
قوله :﴿الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾. قال الزجاج : إن الموصول مرتفع على الابتداء وما بعده خبره كما تقول : الذي يكرمني فله درهم، فالفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقال الأخفش : إن شئت كان ﴿الذين﴾ في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أي ليجمعنّ المشركين الذين خسروا أنفسهم، وأنكره المبرد، وزعم أنه خطأ، لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب. لا يقال : مررت بك زيد ولا مررت بي زيد. وقيل : يجوز أن يكون ﴿الذين﴾ مجروراً على البدل من المكذبين الذين تقدّم ذكرهم، أو على النعت لهم. وقيل : إنه منادى وحرف النداء مقدّر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سلمان الفارسيّ قال : إنا نجد في التوراة أن الله خلق السموات والأرض، ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتبادلون، وبها يتزاورون وبها تحنّ الناقة، وبها تنتج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها تتابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع. وقد أخرج مسلم، وأحمد، وغيرهما، عن سلمان عن النبيّ ﷺ قال :«خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة : منها رحمة يتراحم بها الخلق، وتسعة وتسعون ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي» وقد روي من طرق أخرى بنحو هذا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار﴾ يقول ما استقرّ في الليل والنهار، وفي قوله :﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ قال : أما الولي فالذي تولاه، ويقرّ له بالربوبية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله :﴿فَاطِرَ السموات والأرض﴾ قال : بديع السموات والأرض. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير، وابن الأنباري، عنه قال : كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض ؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها، يقول : أنا ابتدأتها.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ قال : يرزق ولا يرزق. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ قال : من يصرف عنه العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن السديّ في قوله :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ يقول : بعافية.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : جاء النمام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحري بن عمرو فقالوا : يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره ؟ فقال رسول الله ﷺ :" لا إله إلا الله، بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو "، فأنزل الله :﴿قُلْ أَيُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال : أمر محمد ﷺ أن يسأل قريشاً أيّ شيء أكبر شهادة ؟ ثم أمره أن يخبرهم فيقول : الله شهيد بيني وبينكم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله :﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ﴾ يعني أهل مكة ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ يعني من بلغه هذا القرآن من الناس فهو له نذير. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس قال : لما نزلت هذه الآية ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن﴾ كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وكل جبار يدعوهم إلى الله عزّ وجل، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم، والخطيب وابن النجار، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :" من بلغه القرآن فكأنما شافهته به "، ثم قرأ، ﴿وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي قال :«من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ. وفي لفظ " من بلغه القرآن حتى تفهمه وتعقله كان كمن عاين رسول الله ﷺ وكلمه ". وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله :﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِه﴾ قال : العرب ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ قال : العجم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال : قال النضر وهو من بني عبد الدار : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى