اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
هذه الآية من بَقِيَّة توبيخ الكُفَّارِ يوم القيامة.
قال أهل اللُّغة : المَعْشَر كُل جماعةِ أمْرُهُم واحد، ويَحصُل بنيهم مُعَاشَرة ومُخالطة، والجَمْع : مَعَاشر(١).
قوله :" مِنْكُم " في محلِّ رفعٍ صلة لرسُل، فيتعلَّق بمحْذُوفٍ، وقوله :" يَقُصُّونَ " يحتمل أن يكون صِفَة ثَانِيةَ، وجاءت كذا مَجِيئاً حَسَناً، حيث تَقدَّم ما هو قَرِيبٌ من المُفْرَد على الجُمْلَة، ويحْتَمل أن يكُون في مَحَلِّ نصب على الحالِ، وفي صَاحِبها وجهان :
أحدهما : هو رُسُل وجَازَ ذَلِك وإن كان نَكِرَة ؛ لتخَصُّصِه بالوَصْفِ.
والثاني : أنه الضَّمير المسْتَتِر في " مِنْكُم " وقوله :" رُسُلٌ مِنْكم " زعم الفرَّاء : أن في هذه الآية حَذْف مُضَافٍ، أي :" ألم يَأتِكُم رُسُلٌ من أحَدِكم، يعني : من جِنْس الإنْس " قال : كقوله- تعالى- :﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمان: ٢٢]، وإنما يَخْرُجَان من المِلْح ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: ١٦]، وإنما هو في بَعْضِها، فالتَّقدير : يَخْرُجُ من أحدهما، وجعل القمر في إحْدَاهُنَّ فحذف للعِلْم به، وإنما احْتَاج الفرَّاء إلى ذلك ؛ لأن الرُّسُل عنده مُخْتَصَّة بالإنْسِ، يعني : أنه لم يعْتَقِد أنَّ اللَّه أرْسَل للجِنِّ رَسَولاً مِنْهُم، بل إنما أرْسَل إليهم الإنْس، كما يُرْوَى في التَّفْسير، وعليه قَامَ الإجْمَاع أن النَّبِي محمداً ﷺ مرسلٌ للإنْسِ والجِنِّ، وهذا هو الحَقُّ، أعني : أن الجِنَّ لم يُرْسَل منهم إلا بواسطةِ رِسالَة الإنْس ؛ كما جاء في الحَدِيث مع الجِنِّ الذين لمَّا سَمِعُوا القُرآن ولَّوا إلى قََوْمِهِم مُنْذِرين، ولكن لا يَحْتَاجُ إلى تَقْدير مُضَافٍ، وإن قلنا : إن رُسُل الجنِّ من الإنس للمَعْنى الذي ذَكرْنَاه، وهو أنه يُطْلَق عليهم رُسُل مجازاً ؛ لكونهم رُسُلاً بواسطة رسالة الإنْسِ، وزعم قومٌ منهم الضَّحّاك : أن الله أرْسَل للجِنِّ رسُولاً منهم يُسَمَّى يُوسُف(٢).
قال ابن الخطيب : ودَعْوَى الإجماع في هذا بعيدٌ ؛ لأنه كَيْف ينعقد الإجماعُ مع حُصُول الاختلافِ، قال : ويمكنُ أن يَحْتَجَّ الضحَّاك بقوله- تبارك وتعالى- :﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ [الأنعام: ٩].
قال المفسِّرُون : والسَّبب في أن استِئْنَاسَ الإنسان بالإنْسَانِ أكْمل من استِئْنَاسه بالملك، فوجب في حُكم اللَّه- تبارك وتعالى- أن يَجْعَل رُسُل الإنْس من الإنْس ؛ ليكمل الاستِئْنَاسُ، وهذا المَعْنَى حَاصِلٌ في الجنِّ، فوحب أن يكُون رُسُل الجِنِّ من الجِنِّ، لتزول النَّفْرَة ويَحْصُل كمال الاستِئْنَاسِ.
وقال الكلبي : كانت الرُّسُل قبل أن يُبْعث محمَّد ﷺ يُبْعَثُون إلى الجنِّ وإلى الإنْسِ جَمِيعاً(٣).
وقال مُجَاهد : الرُّسُل من الإنس والنُّذُر من الجنِّ، ثم قرأ [ قوله تعالى ] :﴿وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾(٤) [الأحقاف: ٢٩]، وهم قوم يَسْمَعُون كلام الرُّسُل فِيُبَلِّغُون الجِنِّ ما سَمِعُوا، وليس للجِنِّ رُسُلٌ.
ثم قال :" يَقُصُّونَ عليكم آيَاتِي " أي : يَقْرءُون عليكم كُتُبِي " ويُنْذِرونكم لقاءَ يَوْمِكُمْ هذا " وهو يوم القيامة، فلم يِجِدُوا عند ذلك إلا الاعتراف، فذلك قالوا : شَهِدْنَا على أنْفُسِنَا.
فإن قيل : كيف أقَرُّوا في هذه الآية الكريمة بالكُفْرِ، وجَحَدوا في قوله :﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
فالجواب : يوم القيامة يوم طَويلٌ، والأحْوال فيه مُخْتَلِفَةٌ، فتارة يُقِرُّون وأخْرى يَجْحَدُون، وذلك يَدُلُّ على شِدَّة الخَوْفِ واضْطِرَاب أحْوالِهم، فإن من عظُمَ خَوْفُه، كَثُر الاضْطِرَابُ في كلامه، قال - تبارك وتعالى- :﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ أي : أنهم إنِّما وقعُوا في الكُفر بسبب أنَّ الحياة الدُّنْيا غَرَّتْهُم، حتى لم يُؤمِنُوا وشَهِدُوا على أنْفُسِهِم أنَّهم كَانُوا كافِرين، و حمل مُقَاتِل قوله " وشَهِدُوا على أنْفُسهمْ " بأنه تشْهد عَلَيْهِم الجَوَارحُ بالشِّرْك والكُفْر ومَقْصُوده دفع التكْرَار عن الآية الكريمة، وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّه لا تَكليف قَبْل ورُودِ الشَّرْع، وإلاَّ لم يَكُن لهذا التَّعْلِيل فَائِدَة.
١ ينظر: الرازي ١٣/١٥٩..
٢ ينظر: الرازي ١٣/١٦٠..
٣ انظر: "البحر المحيط" (٤/٢٢٦)..
٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٨٦) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى