مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني
عن الكتاب
- ١٣٠ - يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ
وهذا أيضاً مما يقرع الله به كَافِرِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَيْثُ يَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ: هَلْ بَلَّغَتْهُمُ الرُّسُلُ رِسَالَاتِهِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ أَيْ مِنْ جُمْلَتِكُمْ وَالرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ فَقَطْ وَلَيْسَ مِنَ الْجِنِّ رُسُلٌ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرُّسُلُ مِنْ بَنِي آدم ومن الجن نزر، وحكى ابن جرير عن الضحاك: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ فِي الْجِنِّ رُسُلًا، وَاحْتَجَّ بهذه الآية الكريمة، وفيه نَظَرٌ، لِأَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ وَلَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ وَهِيَ، وَاللَّهُ أعلم، كقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما
وهذا أيضاً مما يقرع الله به كَافِرِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَيْثُ يَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ: هَلْ بَلَّغَتْهُمُ الرُّسُلُ رِسَالَاتِهِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ أَيْ مِنْ جُمْلَتِكُمْ وَالرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ فَقَطْ وَلَيْسَ مِنَ الْجِنِّ رُسُلٌ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرُّسُلُ مِنْ بَنِي آدم ومن الجن نزر، وحكى ابن جرير عن الضحاك: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ فِي الْجِنِّ رُسُلًا، وَاحْتَجَّ بهذه الآية الكريمة، وفيه نَظَرٌ، لِأَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ وَلَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ وَهِيَ، وَاللَّهُ أعلم، كقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما
يستخرجان مِنَ الْمِلْحِ لَا مِنَ الْحُلْوِ، وَهَذَا وَاضِحٌ ولله الحمد. وقد ذكر هَذَا الْجَوَابِ بِعَيْنِهِ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ إِنَّمَا هُمْ مِنَ الْإِنْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ والنبيين من بعده﴾. وقوله تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكتاب﴾ فَحَصَرَ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّ النُّبُوَّةَ كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل ثُمَّ انْقَطَعَتْ عَنْهُمْ بِبَعْثَتِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وَقَالَ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجِنَّ تَبَعٌ لِلْإِنْسِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أَيْ أَقْرَرْنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُونَا رِسَالَاتِكَ وَأَنْذَرُونَا لِقَاءَكَ، وَأَنَّ هذا اليوم كائن لا محالة. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَيْ وَقَدْ فَرَّطُوا فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا وَهَلَكُوا بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلْمُعْجِزَاتِ، لِمَا اغْتَرُّوا بِهِ مِنْ زُخْرُفِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا وَشَهَوَاتِهَا، ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وسلامه عليهم.