فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَرَبُّكَ الغني﴾ أي عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم لا ينفعه إيمانهم، ولا يضرّه كفرهم، ومع كونه غنياً عنهم، فهو ذو رحمة بهم لا يكون غناه عنهم مانعاً من رحمته لهم، وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطوّل ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها العباد العصاة، فيستأصلكم بالعذاب المفضي إلى الهلاك ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِ﴾ إهلاك ﴿كَمْ ما يشاء﴾ من خلقه ممن هو أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منكم ﴿كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية، أي ويستخلف استخلافاً مثل إنشائكم من ذرية قوم آخرين، قيل : هم أهل سفينة نوح، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم، ولا استخلف غيرهم رحمة لهم، ولطفاً بهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبان بن عثمان قال : الذرية الأصل، والذرية النسل. وأخرجا أيضاً عن ابن عباس ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ قال : بسابقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿على مَكَانَتِكُمْ﴾ قال : على ناحيتكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ﴾ الآية. قال : جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيباً وللشيطان والأوثان نصيباً، فإن سقط من ثمره ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشياطين في نصيب الله، ردّوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله نزحوه، فهذا ما جعلوا لله من الحرث وسقي الماء، وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله :﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : جعلوا لله مما ذرأ من الحرث جزءاً أو لشركائهم جزءاً، فما ذهب به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه وقالوا الله عن هذا غني، وما ذهب به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه. والأنعام التي سموا لله : البحيرة والسائبة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله :﴿وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ﴾ قال : شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خوف العيلة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى