جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُلْ يا قوم اعْمَلُواْ عَلَىَ مَكَانَتِكُمْ إِنّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدّارِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لقومك من قريش، الذين يجعلون مع الله إلها آخر : اعْمَلُوا على مَكانَتِكُمْ يقول : اعملوا على حيالكم وناحيتكم. كما :
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : يا قَوْمِ اعْمَلُوا على مَكانَتِكُمْ يعني على ناحيتكم.
يقال منه : هو يعمل على مكانته ومكينته. وقرأ ذلك بعض الكوفيين :«على مَكاناتِكُمْ » على جمع المكانة. والذي عليه قرّاء الأمصار : على مَكانَتِكُمْ على التوحيد. إنّي عامِلٌ يقول جلّ ثناؤه لنبيه : قل لهم : اعملوا ما أنتم عاملون، فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول : فسوف تعلمون عند نزول نقمة الله بكم، أينا كان المحقّ في عمله والمصيب سبيل الرشاد، أنا أم أنتم ؟ وقوله تعالى ذكره لنبيه : قل لقومك يا قَوْمِ اعْمَلُوا على مَكانَتِكُمْ أمر منه له بوعيدهم وتهديدهم، لا إطلاق لهم في عمل ما أرادوا من معاصي الله.

القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ.


يعني بقوله جلّ ثناؤه : مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ فسوف تعلمون أيها الكفرة بالله عند معاينتكم العذاب، من الذي تكون له عاقبة الداء منا ومنكم، يقول : من الذي قعب دنياه ما هو خير له منها أو شرّ منها بما قدّم فيها من صالح أعماله أو سيئها. ثم ابتدأ الخبر جلّ ثناؤه فقال : إنّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمونَ يقول : إنه لا ينجح ولا يفوز بحاجته عند الله من عمل بخلاف ما أمره الله به من العمل في الدنيا، وذلك معنى ظلم الظالم في هذا الموضع. وفي «مَنْ » التي في قوله : مَنْ تكُونُ له وجهان من الإعراب : الرفع على الابتداء، والنصب بقوله : تَعْلَمُونَ لإعمال العلم فيه والرفع فيه أجود، لأن معناه : فسوف تعلمون أينا له عاقبة الدار، فالابتداء في أن من أصحّ وأفصح من إعمال العلم فيه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى