زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكَذلِكَ زُيّنَ﴾ أي : ومثل ذلك الفعل القبيح فيما قسموا بالجهل زيَّن. قال ابن الأنباري : ويجوز أن يكون ﴿وَكَذلِكَ﴾ مستأنفا، غير مشار به إلى ما قبله ؛ فيكون المعنى : وهكذا زيَّن. وقرأه الجمهور :" زُيّنَ " بفتح الزاي والياء، ونصب اللام من ﴿قَتْلَ﴾، وكسر الدال من ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾، ورفع " الشركاءُ " ؛ وجه هذه القراءة ظاهر. وقرأ ابن عامر : بضم زاي ﴿زُيّنَ﴾، ورفع اللام من ﴿قَتْلَ﴾، ونصب الدال من ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾، وخفض " الشركاء ". قال أبو علي : ومعناها : قتلُ شركِائهم أولادَهمُ ؛ ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهذا قبيح، قليل في الاستعمال. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن :﴿زُيّنَ﴾ بالرفع، ﴿قَتْلَ﴾ بالرفع أيضا، ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾ بالجر، ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ رفعا. قال الفراء : رَفعَ القتل إذ لم يسم فاعله ؛ ورفع الشركاء بفعل نواه، كأنه قال : زيَّنه لهم شركاؤهم. وكذلك قال سيبويه في هذه القراءة ؛ قال : كأنه قيل : من زينه ؟ فقال : شركاؤهم. قال مكي بن أبي طالب : وقد روي عن ابن عامر أيضا أنه قرأ بضم الزاي، ورفع اللام، وخفض الأولاد والشركاء ؛ فيصير الشركاء اسما للأولاد، لمشاركتهم للآباء في النسب والميراث والدين.
وللمفسرين في المراد بشركائهم أربعة أقوال :
أحدها : أنهم الشياطين، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. والثاني : شركاؤهم في الشرك، قاله قتادة. والثالث : قوم كانوا يخدمون الأوثان، قاله الفراء، والزجاج.
والرابع : أنهم الغواة من الناس، ذكره الماوردي. وإنما أضيف الشركاء إليهم، لأنهم هم الذين اختلقوا ذلك وزعموه.
وفي الذي زينوه لهم من قتل أولادهم قولان :
أحدهما : أنه وأد البنات أحياء خيفة الفقر، قاله مجاهد.
والثاني : أنه كان يحلف أحدهم أنه إن ولد له كذا وكذا غلاما أن ينحر أحدهم، كما حلف عبد المطلب في نحر عبد الله، قاله ابن السائب، ومقاتل.
قوله تعالى :﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي : ليهلكوهم. وفي هذه اللام قولان :
أحدهما : أنها لام " كَي ". والثاني : أنها لام العاقبة، كقوله :﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ [القصص: ٨] أي : آل أمرهم إلى الردى، لا أنهم قصدوا ذلك.
قوله تعالى :﴿وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أي : ليخلطوا. قال ابن عباس : ليدخلوا عليهم الشك في دينهم ؛ وكانوا على دين إسماعيل، فرجعوا عنه بتزيين الشياطين.
قوله تعالى :﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية إذا دفنوا بناتهم قالوا : إن الله أمرنا بذلك ؛ فقال :﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أي : يكذبون ؛ وهذا تهديد ووعيد، فهو محكم. وقال قوم : مقصوده ترك قتالهم، فهو منسوخ بآية السيف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى