المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذه الآية تتضمن تعديد مذاهبهم الفاسدة، وكانت سنتهم في بعض الأنعام أن يحرموا ما ولدت على نسائهم ويخصصونه لذكورهم، والهاء في ﴿خالصة﴾ قيل هي للمبالغة كما هي في رواية غيرها(١)، وهذا كما تقول فلان خالصتي، وإن كان باب هاء المبالغة أن يلحق بناء مبالغة كعلامة ونسابة وبصيرة ونحوه، وقيل هي لتأنيث الأنعام إذ ما في بطونها أنعام أيضاً(٢)، وقيل هي على تأنيث لفظ ﴿ما﴾ لأن ﴿ما﴾ واقعة في هذا الموضع موقع قولك جماعة وجملة(٣)، وقرأ جمهور القراء والناس «خالصةٌ » بالرفع، وقرأ عبد الله بن مسعود وابن جبير وابن أبي عبلة والأعمش «خالصٌُ » دون هاء ورفع هاتين القراءتين على خبر الابتداء.
وقرأ ابن عباس بخلاف(٤) والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين «خالصةً » بالنصب، وقرأ سعيد بن جبير فيما ذكر أبو الفتح «خالصاً » ونصب هاتين القراءتين على أن الحال من الضمير الذي في قوله ﴿في بطون﴾، وذلك على تقدير الكلام : وقالوا : ما استقر هو في بطون هذه الأنعام فحذف الفعل وحمل المجرور الضمير، والحال من الضمير والعامل فيها معنى الاستقرار، قال أبو الفتح ويصح أن يكون حالاً من ﴿ما﴾ على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها، وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو حيوة والزهري «خالصه » بإضافة «خالص » إلى ضمير يعود على ﴿ما﴾، ومعناه ما خلص وخرج حياً، والخبر على قراءة من نصب «خالصة » في قوله ﴿لذكورنا﴾ والمعنى المراد بما في قوله ﴿ما في بطون﴾ قال السدي : هي الأجنة، وقال ابن عباس وقتادة والشعبي : هو اللبن، قال الطبري واللفظ يعمهما، وقوله ﴿ومحرم﴾ يدل على أن الهاء في ﴿خالصة﴾ للمبالغة، ولو كانت لتأنيث لقال ومحرمة، و ﴿أزواجنا﴾ يريد به جماعة النساء التي هي معدة أن تكون أزواجاً، قال مجاهد، وحكى الطبري عن ابن زيد أن المراد ب ﴿أزواجنا﴾ البنات.
قال القاضي أبو محمد : وهذا يبعد تحليقه على المعنى، وقوله ﴿إن يكن ميتة﴾ كان من سنتهم أن ما خرج من الأجنة ميتاً من تلك الأنعام الموقوفة فهو حلال للرجال والنساء جميعاً وكذلك ما مات من الأنعام الموقوفة نفسها، وقرأ ابن كثير «وإن يكن » بالياء «ميتةٌ » بالرفع فلم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان تأنيث الفاعل المسند إليه غير حقيقي، والمعنى وإن وقع ميتة أو حدث ميتة، وقرأ ابن عامر «وإن تكن » بالتاء «ميتةٌ » بالرفع فألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل في اللفظ مؤنثاً، وأسند الفعل إلى الميتة كما فعل ابن كثير، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه «تكن » بالتاء «ميتةً » بالنصب فأنث وإن كان المتقدم مذكراً لأنه حمله على المعنى.
قال القاضي أبو محمد : فالتقدير وإن تكن النسمة أو نحوها ميتة، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص «يكن » بالياء «ميتةً » بالنصب، فذكروا الفعل لأنهم أسندوه إلى ضميرما تقدم من قوله ﴿ما في بطون هذه الأنعام﴾ وهو مذكر، وانتصبت الميتة على الخبر، قال أبو عمرو بن العلاء ويقوي هذه القراءة قوله ﴿فهم فيه﴾ ولم يقل فيها(٥)، وقرأ يزيد بن القعقاع «وإن تكن ميّتة » بالتشديد، وقرأ عبد الله بن مسعود «فهم فيه سواء » ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات إلى الله تعالى وشرعوه من الباطل والإفك(٦) ﴿إنه حكيم﴾ أي في عذابهم على ذلك ﴿عليم﴾ بقليل ما تقوّلوه من ذلك وكثيره.
١ - وعلى هذا يكون معنى خالص وخالصة واحد لا فرق إلى أن الهاء للمبالغة، قاله الكسائي..
٢ - هذا جواب عن اعتراض رد على قول من قال: تأنيثها-أي خالصة- لتأنيث الأنعام، وهو قول الفراء، فقال جماعة: هذا خطأ لأن ما في بطونها ليس منها ولهذا فهو لا يشبه قوله تعالى: ﴿يلتقطه بعض السيارة﴾ لأن بعض السيارة سيارة. والجواب عن ذلك: هذا لا يلزم الفراء لأن ما في بطون الأنعام أنعام مثلها فأنّث لتأنيثها. وهذا هو سر تعبير ابن عطية بهذه الجملة..
٣ - وقيل: إن (ما) يرجع إلى الألبان أو الأجنة، فجاء التأنيث على المعنى والتذكير على اللفظ، ولهذا قال: ﴿ومحرم على أزواجنا﴾ على اللفظ، ولو راعى المعنى لقال: ومحرّمة، ويعضد هذا قراءة الأعمش وغيره، [خالص] بغير هاء..
٤ - أي أن هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما موضع خلاف، وانظر بعد ذلك قراءته المروية عنه بالإضافة..
٥ - قال أبو حيان: "وهذا ليس بجيد لأن الميتة لكل ميّت ذكرا كان أو أنثى فكأنه قيل: "وإن يكن ميتا فهم فيه شركاء". (البحر المحيط ٤/ ٢٣٣)..
٦ - جاء هذا الوعيد في قوله تعالى: ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي: كذبهم وافتراءهم، وانتصب (وصفهم) بنزع الخافض، إذ المعنى: سيجزيهم بوصفهم، والله أعلم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى