جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَهُوَ الّذِيَ أَنشَأَ جَنّاتٍ مّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنّخْلَ وَالزّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزّيْتُونَ وَالرّمّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وهذا إعلام من الله تعالى ذكره ما أنعم به عليهم من فضله، وتنبيه منه لهم على موضع إحسانه، وتعريف منه لهم ما أحلّ وحرّم وقسمَ في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقّا. يقول تعالى ذكره : وربكم أيها الناس أنْشَأ : أي أحدث وابتدع خلقا، لا الآلهة والأصنام، جَنّاتٍ يعني : بساتين، مَعْرُوشاتٍ وهي ما عرش الناس من الكروم، وغيرَ مَعْرُوشاتٍ : غير مرفوعات مبنيات، لا ينبته الناس ولا يرفعونه، ولكن الله يرفعه وينبته وينميه. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : مَعْرُوشاتٍ يقول : مسموكات.
وبه عن ابن عباس : وَهُوَ الّذِي أنْشأَ جَنّاتٍ مَعرُوشاتٍ وغيْرَ مَعْرُوشاتٍ فالمعروشات : ما عَرَش الناس وغير معروشات : ما خرج في البرّ والجبال من الثمرات.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أما «جنات » فالبساتين وأما «المعروشات » : فما عُرِش كهيئة الكرم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله : وَهُوَ الّذِي أنْشأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ قال : ما يُعْرَش من الكروم. وغيرَ مَعْرُوشاتٍ قال : ما لا يعرش من الكرم.

القول في تأويل قوله تعالى : والنّخْلَ وَالزّرْعَ مُخْتَلِفا أُكُلُهُ والزّيْتُونَ والرّمّانَ مُتَشابها وغيرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَره إذَا أثْمَرَ.


يقول جلّ ثناؤه : وأنشأ النخل والزرع مختلفا أكله، يعني بالأُكل : الثمر، يقول : وخلق النخل والزرع مختلفا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحبّ والزيتون والرمان، متشابها وغير متشابه في الطعم، منه الحلو والحامض والمزّ كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : مُتَشابِها وغيرَ مُتَشابِهٍ قال : متشابها في المنظر، وغير متشابه في الطعم.
وأما قوله : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أْثمَرَ فإنه يقول : كلوا من رطبه ما كان رطبا ثمره. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو همام الأهوازي، قال : حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، في قوله : كُلُوا مِنْ ثَمَره إذَا أْثمَرَ قال : من رطبه وعنبه.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا محمد بن الزبرقان، قال : حدثنا موسى بن عبيدة في قوله : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أثْمَرَ قال : من رطبه وعنبه.

القول في تأويل قوله تعالى : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ.


اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحبّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا يونس، عن الحسن، في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَاده قال : الزكاة.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا عبد الصمد، قال : حدثنا يزيد بن درهم، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَاده قال : الزكاة المفروضة.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا معلى بن أسد، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال : حدثنا الحجاج بن أوطأة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : العشر ونصف العشر.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج، عن محمد بن عبيد الله، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : العشر ونصف العشر.
حدثنا عمرو بن عليّ وابن وكيع وابن بشار، قالوا : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا إبراهيم بن نافع المكيّ، عن ابن عباس، عن أبيه، في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : الزكاة.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو هلال، عن حيان الأعرج، عن جابر بن زيد : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : الزكاة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : هي الصدقة. قال : ثم سئل عنها مرّة أخرى، فقال : هي الصدقة من الحبّ والثمار.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال : أخبرني أبو بكر بن عبد الله، عن عمرو بن سليمان وغيره، عن سعيد بن المسيب، أنه قال : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : الصدقة المفروضة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : هي الصدقة من الحبّ والثمار.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ يعني بحقه : زكاته المفروضة، يوم يُكال أو يُعلم كيله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِه وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، وهو أن يعلم ما كيله وحقه، فيخرج من كلّ عشرة واحدا، وما يلتقط الناس من سنبله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وحقه يوم حصاده : الصدقة المفروضة، ذُكِر لنا أن نبيّ الله ﷺ سنّ فيما سقت السماء أو العين السائحة، أو سقاه الطلّ والطلّ الندى أو كان بعلاً العشر كاملاً وإن سقى برشاء : نصف العشر. قال قتادة : وهذا فيما يكال من الثمرة، وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسة أوسق، وذلك ثلاث مئة صاع، فقد حقّ فيها الزكاة، وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وطاوس : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قالا : هو الزكاة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن سالم المكيّ، عن محمد ابن الحنفية، قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : يوم كيله، يعطي العشر أو نصف العشر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن سالم المكيّ، عن محمد ابن الحنفية، قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : العشر، ونصف العشر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن قتادة : وآتُوا حَقّهُ يَوْم حَصَادِهِ قالا : الزكاة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو معاوية الضرير، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : العشر ونصف العشر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن عباس، مثله.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك، يقول في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصادِهِ يعني : يوم كيله ما كان من برّ أو تمر أو زبيب. وحقه : زكاته.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أثْمَرَ، وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : كل منه، وإذا حصدته فآت حقه. وحقه : عشوره.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن يونس بن عبيد، عن الحسن أنه قال في هذه الآية : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : الزكاة إذا كِلْته.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي رجاء، قال : سألت الحسن، عن قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : الزكاة.
حدثني ابن البرقي، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال : سألت ابن زيد بن أسلم عن قول الله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ فقلت له : هو العشور ؟ قال : نعم، فقلت له : عن أبيك ؟ قال : عن أبي وغيره.
وقال آخرون : بل ذلك حقّ أوجبه الله في أموال أهل الأموال، غير الصدقة المفروضة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن أبيه : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : شيئا سوى الحقّ الواجب. قال : وكان في كتابه «عن عليّ بن الحسين ».
حدثنا عمرو، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا عبد الملك، عن عطاء، في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : القبضة من الطعام.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جرير، عن عطاء : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : من النخل والعنب والحبّ كله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال : قلت لعطاء : أرأيت ما حصدت من الفواكه ؟ قال : ومنها أيضا تؤتي. وقال : من كلّ شيء حصدت تؤتي منه حقه يوم حصاده، من نخل أو عنب أو حبّ أو فواكه أو خضر أو قصب، من كلّ شيء من ذلك. قلت لعطاء : أواجب على الناس ذلك كله ؟ قال : نعم ثم تلا : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ. قال : قلت لعطاء : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ هل في ذلك شيء مؤقت معلوم ؟ قال : لا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : يعطي من حصاده يومئذٍ ما تيسر، وليس بالزكاة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الملك، عن عطاء : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حصَادِهِ قال : ليس بالزكاة، ولكن يطعم من حضره ساعتئذٍ حَصَده.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن حماد : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : كانوا يعطون رطبا.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : إذا حضرك المساكين طرحتَ لهم منه، وإذا أنقيته وأخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته، وإذا أخذت في جداد النخل طرحت لهم من التفاريق وإذا أخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : سوى الفريضة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد : وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال : يُلِقي إلى السّؤّال عند الحصاد من السنبل، فإذا طبن أو طين الشكّ من أبي جعفر ألقى إليهم. فإذا حمله فأراد أن يجعله كُدْسا ألقى إليهم، وإذا داس أطعم منه، وإذا ف

تفسير هذه الآية من كتب أخرى