اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله -تعالى- ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ مَنْصُوبان على أنَّهُما نُسِقَا على " جَنَّاتِ " أي : وأنشأ من الأنْعام حَمُولَة، و " الأنْعَام " قيل : هي من الإبل خَاصَّة، وقيل : الإبل والبَقَر والغَنَم.
وقيل : ما أحَلَّه الله -تعالى- من الحيوانِ ؛ قاله أحمد بن يَحْيَى(١)، قال القُرْطُبيُّ : وهذا أصَحُّهَا.
وقال القُرْطُبِي : فَعُولة بفتح الفَاءِ، إذَا كانت بمعنى الفَاعِل اسْتَوى فيها المُذَكَّر والمؤنَّث ؛ نحو قولك : رَجُل فَرُوقَة للجَبَان والخَائِفِ، ورجل صَرُورَة وامرأة صرورة إذا لم يَحُجَّا ؛ ولا جَمْع له فإذا كانت بِمَعْنَى المفعول، فرق بين المُذَكَّر والمؤنَّث بالهاء، كالحَلُوبة والرَّكُوبة، والحَمُولة بضم الحاءِ : أحْمَال وأما الحُمُول : بالضَّمِّ بغير هاء فهي الإبل الَّتِي عليها الهَوَادِجُ كان فيها نِساءٌ أو لم يَكُنّ ؛ قاله أبو زَيْد(٢).
والحَمُولة : ما أطاق الحمل عَلَيْه من الإبل، والفَرْش : صِغَار هذا هو المشْهُور في اللُّغَة.
وقيل الحَمُولة : كبارُ الأنْعَام، أعني : الإبل والبَقَر والغَنَم، والفَرْشُ : صغارها قال :" ويدُلُ له أنَّهُ أبدل منه قوله بعد ذلك :" ثَمَانِيَة أزْوَاجٍ من الضَّأنِ " كما سيأتي لأنها دَانِية من الأرْض بسبب صغَر أجْرَامِها مثل الفَرْشِ وهي الأرْض المَفْرُوشُ عليها ".
وقال الزَّجَّاج(٣) : أجمع أهْل اللُّغَة على أنّ الفَرْشَ صِغَار الإبل، وأنشد القَائِل :[ الزجر ]
أوْرَثَنِي حَمُولَةً وَفَرْشَاأمُشُّهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَشَّا(٤)
وقال الآخر :[ الرمل ]
وَحَوَيْنَا الفَرْشَ مِنْ أنْعَامِكُمْوالحَمُولاتِ وَربَّاتِ الحِجَالْ(٥)
قال أبو زَيْد :" يحتمل أن يكون سُمِّيَتْ بالمَصْدَر ؛ لأن الفَرْشَ في الأصْل مصدر " والفَرْش لفظ مُشْتَرك بين مَعَانٍ كثيرة : منها ما تقدَّم، ومنها : مَتَاع البَيْت والفَضَاء الوَاسِع، واتِّسَاع خُفِّ البَعير قليلاً، والأرْض الملساء، عن أبي عَمْرو بن العَلاء، ونباتٌ يلْتَصِق بالأرْضِ، ومنه قول الشاعر :[ الزجر ]
كَمِشْفَرِ النَّابِ تلُوكُ الفَرْشَا(٦) ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل الحَمُولة : كل ما حُمِل عليه من إبل وبَقَر وبَغْل وحِمَار.
والفَرْشُ هنا : ما اتُّخِذَ من صُوفه ووبَرِه وشَعْرِه ما يُفْتَرشُ، وأنشدوا للنَّابغة :[ الطويل ]
وَحَلَّتْ بُيُوتِي فِي يَفَاعٍ مُمَنَّعٍتَخَالُ بِهِ راعِي الحَمُولَةِ طَائِرا(٧)
وقال عنترة :[ الكامل ]
مَا رَاعَنِي إلاَّ حَمُولَةُ أهْلِهَاوَسْط الدِّيار تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ(٨)
قوله :﴿كُلُوا ممَّا رزَقُكم اللَّه﴾ يريد : ما أحَلَّها لكم.
قالت المعتزلة(٩) : إنه -تبارك وتعالى- أمر بأكْل الرِّزْقِ، ومنع من أكل الحَرامٍ ينتج أن الرِّزْق ليس بَحَرَام.
ثم قال - تعالى- :﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ أي : التَّحلِيل والتَّحريم من عِنْد أنْفُسكُم، كما فعله أهْل الجَاهِليَّة، أي : لا تَسْلكُوا طرائق الشَّيْطَان وأبان " أنه لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ " أي : بيِّن العداوة أخرج آدم من الجنَّة، وقوله :﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢].
قال الزجاج : في خُطُوات الشَّيْطَانِ ثلاثة أوجُه : ضم الطاء(١٠)، وفتحها، وإسكَانها.
١ ينظر: القرطبي ٧/٧٣..
٢ ينظر: القرطبي ٧/٧٣ ـ ٧٤..
٣ ينظر: معاني القرآن ٢/٣٢٧..
٤ ينظر: القرطبي ٧/١١٢، البحر ٤/٢٣٨ الدر المصون ٣/٢٠٠.
ومشّ الناقة يمُشّها مَشَّا من باب "نصر" أي: حلبها..

٥ ينظر: القرطبي ٧/١١٢، البحر ٤/٢٣٧، الدر المصون ٣/٢٠١، ورواية القرطبي: "وربات الحَجَل"..
٦ ينظر: اللسان (فرش)، البحر ٤/٢٣٧، الدر المصون ٣/٢٠١..
٧ ينظر: ديوانه ص ٦٩ ـ ٧٠، الكتاب ١/٣٦٨، شرح أبيات سيبويه ١/٣٠، شرح المفصل ٢/٥٤، تخليص الشواهد ٤٣٧، شرح قطر الندى ص ١٧٢ لسان العرب (حمل) الدر المصون ٣/٢٠١..
٨ ينظر: ديوانه (١٧)، شرح القصائد ٣٢٧، التهذيب ٧/١٧، تفسير القرطبي ٧/١١٢، الدر المصون ٣/٢٠١..
٩ ينظر: الرازي ١٣/١٧٧..
١٠ ينظر: الرازي ١٣/١٧٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى