تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ آية ١٤٥
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه ﷺ، وانزل كتابه، واحل حلاله وحرم حرامه، فما احل فهو حلال، وما حرم فهو حرام،
وما سكت عنه فهو عفو منه، ثم تلا هذه الآية :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية.
حدثنا الحسن بن أبي الربيع أنا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، في قوله :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾، قال : كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء، ويحرمون أشياء، فقال :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي. .﴾ شيئا فيما كنتم تستحلون إلا هذا، يقول :﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾.
الوجه الثاني : حدثنا أبي ثنا الربيع بن يحيى ثنا أسباط عن عمرو بن مرة قال : سمعت جابر بن زيد قال : سالت البحر يعني ابن عباس في رجل ذبح ونسى أن يذكر، فتلا هذه الآية :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾.
الوجه الثالث : حدثنا أبي ثنا مسدد ثنا أبو عوانة وأبو الأحوص قالا : ثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : ماتت شاة لام الأسود فأخبرت النبي ﷺ، فقال : إلا انتفعتم بمسكها ؟ فقالوا : يا رسول الله، مسك ميتة ؟ فقرأ النبي ﷺ :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾، فسلخت. قال ابن عباس : فجعلوا مسكها قربة، ثم رايتها - بعد - شنة.
قوله تعالى :﴿على طاعم يطعمه﴾
حدثنا علي بن الحسين ثنا محمد بن أبي حماد ثنا زافر عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال : لولا حديث الزهري ما لبسنا فراكم ولا خفافكم حتى نعلم أذكية هي أم غير ذكية، قال أبو بكر : فحديث به الزهري فقال : حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة عن ابن عباس، في قوله :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية، قال : طاعم الطعام.
وأما القد والشعر والسن والظفر، من الميتة، فانه لا يؤكل.
قوله :﴿إلا أن يكون ميتة﴾
حدثنا أبو تبة احمد بن الفرج الحمصي ثنا المؤمل ثنا إسرائيل ثنا سماك عن عكرمة عن سودة بنت زمعة قالت : كانت لنا شاة فماتت، فألقيناها، فقال رسول الله ﷺ : ما فعلت الشاة ؟ قلنا : ماتت يا رسول الله فألقيناها. فقرأ رسول الله ﷺ الآية :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية، قال : ألا انتفعتم بإهابها، فأرسلنا إليها، فسلخناها ودبغنا إهابها، فجعلنا منه سقاء، فانتفعنا به حتى كان شنا.
حدثني أبو عبد الله محمد بن حماد الطهراني أنبأ حفص بن عمر العدني ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله في كتابه، قوله :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة﴾.
حدثنا الفضل بن شاذان ثنا سعيد بن منصور ثنا عبد العزيز بن محمد اخبرني عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه قال : كنت عند عبد الله بن عمر فسأله رجل عن أكل القنفذ، فقرأ :﴿قل لا أجد في ما احوي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : سئل عنه رسول الله ﷺ فقال : خبيث من خبائث. فقال ابن عمر : إن كان قاله رسول الله ﷺ فهو كما قاله.
قوله تعالى :﴿أو دما مسفوحا﴾
حدثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : قوله :﴿أو دما مسفوحا﴾ يعني مهراقا.
حدثنا أبي ثنا سهل بن عثمان ثنا أبو الاحوص عن سماك عن عكرمة قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : أكل الطحال ؟ قال : نعم. قال : إن عامتها دم ؟ قال : إنما حرم الله الدم المسفوح.
حدثنا صالح بن احمد بن حنبل قال : سمعت أبي يقول : سمعت سفيان ابن عيينة يقول في قوله :﴿او دما مسفوحا﴾ المسفوح : العبيط.
حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم قال : كانت عائشة إذا سئلت عن كل ذي ناب عن السباع، وكل ذي مخلب من الطير قالت :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا﴾ ثم تقول : إن البرمة لتكون فيها الصفرة.
ذكر عن الفضل بن موسى عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أودجوا الدابة، وأخذوا الدم فأكلوه. قالوا : هو دم مسفوح. حدثنا الحسن بن أبي الربيع أنبأ عبد الرزاق أنبأ معمر عن قتادة : في قوله :﴿أو دما مسفوحا﴾ قال : حرم الدم ما كان مسفوحا، فأما لحم يخالطه الدم فلا باس به.
حدثنا الحسن بن أبي الربيع أنا عبد الرزاق أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة انه قال : لولا هذه الآية :﴿أو دما مسفوحا﴾ لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع إليهود.
قوله تعالى :﴿أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا﴾
حدثنا الحسن بن احمد ثنا إبراهيم بن عبد الله حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن : قوله :﴿أو لحم خنزير﴾ قال : حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير.
قوله :﴿أهل لغير الله به﴾
حدثنا عصام بن داود ثنا آدم ثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية :﴿وما أهل لغير الله به﴾، يقول : ما ذكر عليه غير اسم الله. وروى عن الربيع بن انس نحو ذلك. الوجه الثاني : حدثنا أبي ثنا أبو حذيفة ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد :﴿أهل لغير الله به﴾، قال : ما ذبح لغير الله. وروى عن الحسن وقتادة والضحاك والزهري مثل ذلك.
قوله تعالى :﴿فمن اضطر﴾ حدثني أبو عبد الله محمد بن حماد الطهراني أنبأ حفص بن عمر ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة : قال ابن عباس :﴿فمن اضطر﴾ فليأكل منه الشيء قدر ما يسده، ولا يشبع منه.
حدثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : قوله :﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ يقول : من أكل شيئا من هذه وهو مضطر - فلا حرج، ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى.
قوله تعالى :﴿غير باغ﴾.
حدثنا أبو سعيد الاشج ثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد :﴿غير باغ﴾، قال : الباغي على الأئمة.
حدثنا أبي ثنا أبو حذيفة ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد :﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾، يقول : لا قاطعا للسبيل ولا مفارقا للأئمة، او في معصية الله : لا رخصة له وان اضطر اليه.
حدثنا أبو زرعة ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أنبأ شريك عن سالم عن سعيد بن جبير : قوله :﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾، قال : الذي يقطع الطريق، فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر.
الوجه الثاني : حدثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد الله ثنا ابن لهيعة حدثني عطاء عن سعيد ابن جبير، قول الله :﴿غير باغ﴾، يعني : غير مستحلة. وروى عن مقاتل بن حيان نحو ذلك.
الوجه الثالث : حدثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حماد ثنا أسباط عن السدي :﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾، أما ﴿باغ﴾ فيبغي فيه شهوته.
حدثنا عصام بن رواد ثنا ادم ثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء عن أبيه : قوله :﴿فمن اضطر غير باغ﴾، قال : لا يشوي من الميتة ليشتهيه ولا يأكل إلا المعلقة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه.
قوله تعالى :﴿ولا عاد﴾
ذكر عن محمد بن ربيعة ثنا سلمة بن سابور عن عطية عن ابن عباس : قوله :﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾، قال :﴿غير باغ﴾ في الميتة ﴿ولا عاد﴾ في آكله.
الوجه الثاني : حدثنا أبو سعيد الاشج، ثنا أبو خالد عن الحجاج عن القاسم عن مجاهد :﴿غير باغ ولا عاد﴾، قال : العادي المخيف للسبيل. وروى عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
والوجه الثالث : حدثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حماد ثنا أسباط عن السدي : أما العادي فيعتدى في أكله، يأكل حتى يشبع، ولكن منه قوته ما يمسك به نفسه حتى يبلغ حاجته.
حدثنا أبو زرعة ثنا الحسن بن عمور بن عون الباهلي ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة، في قوله :﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾، في أكله، أن يتعدى الحلال إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة.
قوله :﴿فإن ربك غفور رحيم﴾
قرأت على محمد بن الفضل ثنا محمد بن علي ثنا محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان :﴿غفور رحيم﴾ فيما أكل في اضطرار، وبلغنا والله اعلم أنه لا يزيد على ثلاث لقم.
حدثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد الله ثنا ابن لهيعة حدثني عطاء عن سعيد ابن جبير :﴿فان ربك غفور﴾ يعني لما أكل من الحرام ﴿رحيم﴾ يعني : رحيما به إذ احل له الحرام في الاضطرار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى