زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ نبههم بهذا على أن التحريم والتحليل، إنما يثبت بالوحي. وقال طاوس، ومجاهد : معنى الآية : لا أجد محرما مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا هذا. والمراد بالطاعم : الآكل. ﴿إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أي : إلا أن يكون المأكول مَيْتَةً. قرأ ابن كثير، وحمزة :﴿إِلا أَن يَكُونَ﴾ بالياء، " ميتة " نصبا. وقرأ ابن عامر :" إلا أن تكون " بالتاء، " ميتة " بالرفع ؛ على معنى : إلا أن تقع ميتة، أو تحدث ميتة. ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ قال قتادة : إنما حرم المسفوح، فأما اللحم إذا خالطه دم، فلا بأس به. قال الزجاج : المسفوح : المصبوب. وكانوا إذا ذكَّوا يأكلون الدم كما يأكلون اللحم. والرجس : اسم لما يستقذر، وللعذاب. ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ المعنى : أو أن يكون المأكول فسقا. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي : رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، فسمي ما ذكر عليه غير اسم الله فسقا ؛ والفسق : الخروج من الدين.

فصل : اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين :


أحدهما : أنها محكمة. ولأرباب هذا القول في سبب إحكامها ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ. والثاني : أنها جاءت جوابا عن سؤال سألوه ؛ فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حرم بعد ذلك ما حُرِّم، والثالث : أنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذكر فيها.
والقول الثاني : أنها منسوخة بما ذكر في ( المائدة ) من المنخنقة والموقوذة، وفي السنة من تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. وقيل : إن آية ( المائدة ) داخلة في هذه الآية، لأن تلك الأشياء كلها ميتة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى