اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما بيَّن-تبارك وتعالى- فَسَادَ قَوْل الكُفَّار :" إنَّ الله حرَّم علينا كَذَا وكَذَا " أردَفَه بِبيَان الأشْيَاءِ التي حرَّمها عليهم.
قال الزَّمَخْشَرِي(١) :" تعال " من الخَاصِّ الذي صار عَامّاً، وأصله أن يقوله من كان في مكانٍ عال لِمَن هو أسْفل منه، ثم كَثُر وَعمَّ.
قال القرطبي(٢) :" وقوله تعالى :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾ أي : تقدَّمُوا واقْرَءُوا حقّاً يقيناً ؛ كما أوْحَى إليَّ رَبِّي، لا ظنّاً ولا كَذِباً كما زعمتم، ثم بيَّن بعد ذلك فقال :﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾، يقال للرَّجُل : تعال : أي : تقدّم : ويقال للمرأة : تعالي، ويقال للاثْنَيْن والاثْنَيْن : تَعَالَيَا، ولجماعة الرِّجَال : تعالَوْا، ولجماعة النِّسَاء : تَعَالَيْن ؛ قال الله -تبارك وتعالى- :﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨].
وجعلوا التَّقَدُّم ضرباً من التَّعَاليِ والارتفاع ؛ لأنَّ المأمُور بالتقدّم في أصل وضْعِ هذا الفِعْل، كأنه كان قَاعِداً فقيل له تَعَالَ، أي : ارفع شخْصَك بالقِيَام وتقدم ؛ ثم اتَّسَعُوا فيه حتى جَعَلُوه للوَاقِفِ والمَاشي ؛ قال الشَّجَريّ(٣).
قوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ في [ " ما " ] هذه ثلاثة أوجُه :
أظهرها : أنها مَوْصُولةٌ بمعنى " الَّذِي " والعَائِد مَحْذُوفٌ، أي : الذي حَرَّمَه، والموْصُول في محلِّ نصْبٍ مَفْعُولاً به.
الثاني : أن تكون مَصْدَريَّة، أي : أتْل تَحْريم ربِّكُم، ونفس التَّحْرِيم لا يُتْلَى، وإنما هو مَصْدرٌ واقعٌ موقع المَفْعُول به، أي : أتلُ مُحَرَّمَ ربِّكم الذي حرَّمه هو.
والثالث : أنها استِفْهَاميَّة، في محلِّ نَصْبٍ ب " حَرَّم " بعدها، وهي مُعَلقة ل " أتْلُ " والتَّقْدير : أتْل أيَّ شَيْءٍ حَرّم ربكم، وهذا ضعيف ؛ لأنَّه لا تُعَلَّقُ إلاَّ أفْعَال القُلُوب وما حُمِل عليها.
قال القرطبي(٤) : هذه الآية أمْرٌ من الله -تعالى- لنبِيِّه - عليه السلام - بأن يَدْعُوَ جميع الخَلْقِ إلى سَمَاعِ تِلاوَة ما حرَّم الله -تبارك وتعالى-، وهكذا يَجِب على من بَعْدَه من العُلَمَاء أن يبَلِّغُوا النَّاس، ويُبَيِّنُوا لهم ما حُرِّمَ عليهم مما أحِلَّ ؛ قال-تعالى- :﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال الرَّبيع بين خيثم لجَلِيس له :" أيَسُرُّك أن تَقْرَأ في صَحِيفَةٍ من النَّبِي ﷺ لم يُفَكَّ كِتَابُها ؟ قال : نعم، قال : فاقْرَءُوا :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخر الثَّلاث آيَاتٍ " (٥).
قال كعبُ الأحْبَار : وهذه السُّورة مفتتح التَّوْرَاةِ : بسم اللَّه الرحمان الرَّحِيم :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية الكريمة(٦).
وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما- : هذه الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ التي ذكرها الله -تعالى- في سُورة " آل عمران " أجمعت عليها شرائِعُ الخَلْق، ولم تُنْسَخ قط في مِلَّةٍ، وقد قيل : إنَّها العَشْر كلمات المُنَزَّلة على مُوسَى - عليه الصلاة والسلام-(٧).
و " عليكم " فيه وجهان :
أحدهما : أنه مُتَعَلِّق ب " حَرَّم " ؛ اختِيَار البَصْرِيِّين.
والثاني : أنه متعلِّق ب " أتْلُ " ؛ وهو اختيار الكُوفيِّين، يعني : أن المسألة من باب الإعْمَال، وقد عَرَفْت أن اختيار البَصْريِّين إعمال الثَّاني واختيار الكوفيين إعْمَال الأوَّل.
قوله :" ألاَّ تُشْركُوا " فيه أوجُه :
أحدهما : أنَّ " أنْ " تفسيرية ؛ لأنَّه تَقَدَّمَها مَا هُو بمعنى القَوْل لا حُرُوفه، و " لا " هي نَاهِيَة، و " تُشْركُوا " مجزوم بها، وهذا وَجْهٌ ظاهرٌ، وهو اختيار الفراء(٨) قال :" ويجُوزُ أن يكون مَجْزوماً ب " لاَ " على النَّهْي ؛ كقولك :" أمَرْتُك ألا تذْهب إلى زَيْد " بالنَّصْب والجزم ". ثم قال : والجَزْم في هذه الآية الكريمة أحبُّ إليَّ ؛ كقوله -تبارك وتعالى- :﴿فَأَوْفُواْ الكيل والميزان﴾ [الأعراف: ٨٥] يعني : عَطْف هذه الجُمْلَة الأمْرِيَّة يُقَوِّي [ أنّ ] ما قَبَلَها نَهْي ؛ ليتناسَبَ طَرفاً الكلام.
وهو اخْتِيَار الزَّمَخْشَري(٩) أيضاً ؛ فإنه قال :" وأنْ في " ألاَّ تُشْرِكُوا " مفسِّرة، و " لا " للنَّهِي " ثم قال بَعْد كلام :" فإن قُلْتَ : إذا جَعَلت " أن " مُفَسِّرة لفعل التِّلاوة، وهو مُعَلَّق بما حَرَّم ربُّكم، وجب أن يكُون ما بَعْدَه مَنْهِيَّا عنه محرّماً كُلُّهُ ؛ كالشرك وما بَعْدَه مما دَخَل عليه حَرْف النَّهْي [ فما تصنع ] بالأوَامِرِ ؟ ".
قال شهاب الدِّين(١٠) :" لَمَّا وَرَدَت هذه الأوَامِر مع النَّواهي، وتقدمَهُنَّ جميعاً فعل التَّحْريم، واشتركْنَ في الدُّخُول تحت حُكْمه، عُلِم أن التَّحْريم راجعٌ إلى أضْدَادِها، وهي الإسَاءة إلى الوَالديْن، وبَخْسُ الكَيْل والمِيزَان، وتَرْكُ العَدْل في القَوْل، ونكْثُ العَهْد ".
قال أبو حيَّان(١١) - رضي الله عنه- :" وكون هذه الأشْيَاء اشتركت في الدُّخُول تحت حكم التَّحْريم، وكون التَّحْريم راجعاً إلى أضْدَاد الأوَامِر ؛ بعيدٌ جدّاً، وإلغاز في التَّعَامِي، ولا ضَرُورَة تدْعُو إلى ذلك ".
قال شهاب الدين(١٢) :" ما اسَتبْعَدَهُ ليس بِبَعيد، وأين الإلغَاز والتَّعَمِّي من هذا الكلامِ حتى يَرْمِيه به ".
قال ابن الخَطِيب(١٣) : فإن قيل : قوله :﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَانا﴾ كالتَّفْصِيل لِما أجمله في قوله :- تبارك وتعالى- :" ما حَرَّم " وذلك بَاطِلٌ ؛ لأن تَرْكَ الشِّرْك والإحْسَان بالوالِدين واجبٌ لا مُحَرَّم.
والجواب من وجوه :
الأول : أن المُرَاد من التَّحْريم أن يَجْعَل له حريماً معيناً، وذلك بأن بَيّنَه بَيَاناً مَضْبُوطاً معيَّناً ؛ فقوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ معناه : أتْلُ عليكم ما بَيَّنَه بياناً شَافِياً ؛ بحيث يجعل له حَرِيماً مضبوطاً مُعَيَّناً، وعلى هذا التّقدير السُّؤال زائِلٌ.
الثاني : أن الكلام تمَّ وانْقَطع عند قوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم ابتدأ فقال :" عليكم ألا تشركوا ".
فإن قيل : فقوله :" وبالوالدين إحسانا " معطوف على قوله ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ [ فوجب أن يكون قوله :" بالوالدين إحساناً " مفسِّراً لقوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ] فلزم أن يكون الإحسان بالوَالديْن حراماً ؛ وهو باطل.
قلنا لما أوجب الإحْسَان إليهما، فقدَّم تحريم الإسَاءة إليها، والله -تعالى- أعْلَم.
ثم قال أبو حيَّان : وأمَّا عطف هَذِهِ الأوامِرِ فيحتمل وجهين :
أحدهما : أنها مَعْطُوفة لا على المَنَاهِي قبلها، فيلزم انْسِحَاب التّحْريم عليها ؛ حيث كانت في حيِّز " أنْ " التَّفْسِيريَّة، بل هي معطُوفةٌ على قوله :﴿تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أمرهم أوّلاً بأمر يترتَّبُ عليه ذِكْرُ مَناهٍ، ثم أمَرَهُم ثانياً بأوَامِر ؛ وهذا مَعْنَى وَاضِح.
والثاني : أن تكون الأوَامِر معْطُوفة على المَنَاهِي، وداخلة تحت " أنْ " التَّفْسِيريَّة، ويصِحُّ ذلك على تَقْدير محْذُوفٍ، تكون " أنْ " مُفسّرة له وللمَنْطُوق قبله الذي دَلَّ على حَذْفِه، والتَّقْدير : وما أمَرَكُم به، فحذف وما أمَرَكُم به لدِلالةِ ما حرَّم عليه ؛ لأن مَعْنَى ما حرَّم ربكم : ما نَهَاكُم ربُّكم عنه، فالمعنى : تعالَوْا أتْل ما نَهَاكُم ربُّكم عنه وما أمَرَكُم به، وإذا كان التَّقْدير هكذا، صح أن تكُون " أن " تَفْسيريَّة لفِعْل النَّهْي، الدَّال عليه التَّحريم وفِعْل الأمْر المَحْذُوف، ألا ترى أنَّه يَجُوز أن تَقُول : أمرتُكَ ألا تكْرِم جَاهِلاً وأكرم عَالِماً " إذ يجوز أن يُعْطَف الأمْرُ على النَّهي والنَّهي على الأمر ؛ كما قال :[ الطويل ]
وهذا لا نَعْلَم فيه خلافاً، بخلاف الجمل المُتَبايِنَة بالخَبَر والاستِفْهَام والإنْشَاء ؛ فإن في جواز العَطْف فيها خِلافاً انتهى.
الثاني : أن تكون " أنْ " نَاصِبَة للفْعِل بعدها، وهي وما في حَيِّزِهَا في محلِّ نَصْبٍ بدلاً من " مَا حَرَّم ".
الثالث : أنها النَّاصِبة أيضاً، وهي وما في حَيِّزها بدلٌ من العَائِد المحذُوف، إذا التَّقْدير : ما حَرَّمه، وهي في المَعْنى كالذي قَبْلَه.
و " لا " على هذين الوَجْهَيْن زائدة ؛ لئلا يَفْسُد المعنى كزِيَادَتِها في قوله -تعالى- :﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، و﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] والتَّقْدير : حرّم ربُّكُم عليكم أن تُشْرِكوا.
قال أبو حيَّان(١٥) :" وهذا ضَعِيف ؛ لانحصار عُمُوم المحرَّم في الإشْرَاك ؛ إذ ما بعده من الأمْر ليس دَاخِلاً في المُحَرَّم، ولا ما بعد الأمر مما فيه لا يمكن ادّعَاء زِيَادة " لا " فيه ؛ لظهور أنَّ " لاَ " فيه للنهْي "، ولما ذكر مكِّي(١٦) كونها بَدَلاً من " مَا حَرَّم " [ لم يُنَبّه على زيادة " لاَ " ولا بُدَّ منه.
وقد مَنَع الزَّمَخْشَريُّ أن يكُون بدلاً من " مَا حَرَّمَ " ](١٧) فقال(١٨) :" فإن قُلْتَ : هلا قُلْت : فهي الَّتِي تَنْصِب الفْعْل، وجعلت " ألاَّ تُشْرِكُوا " بدلاً من " ما حَرَّمَ ".
قلت : وجب أن يكُون : ألاَّ تُشْرِكُوا، ولا " تَقْرَبوا " و " لا تقْتُلوا " و " لا تَتّبِعُوا السُّبُلَ " نواهي ؛ لانعطاف الأوَامِر عليها، وهي قوله -تعالى- ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ ؛ لأن التقْدير : وأحْسِنُوا بالوالدين إحْسَاناً، وأوْفُوا وإذا قلتم فاعدلوا، وبعهد الله أوفوا.
فإن قُلْت : فما تَصْنَع بقوله :﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣] فيمن قَرَأَ بالفَتْح ؛ وإنما يستقيم عَطْفُه على " ألاَّ تُشْرِكُوا " إذا جعلْت " أنْ " هي النَّاصِبَة، حتى يكون المَعْنَى : أتْل عَلَيْكُم نَفْي الإشْرَاكِ، وأتل عَلَيْكم أنَّ هذا صِرَاطِي مستَقيماً ؟
قلت : أجْعَلُ قوله :" وأنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقيماً " علَّةً للاتِّبَاع بتقدير اللام ؛ كقوله ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] بمعنى : ولأن هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه، والدليل عليه قراءة بالكسر، كأنه قيل : واتَّبْعُوا صراطِي، لأنَّه مسْتَقِيمٌ، أو : واتِّبِعُوا صِرَاطي أنَّه مُسْتَقيم ".
واعترض عليه أبُو حيَّان(١٩) بعد السُّؤال الأوّل وجوابه، وهو :" فإن قلت :" هلاَّ قُلْت هي النَّاصِبَة " إلى :" وبِعهْد الله أوْفُوا " ؛ فقال : لا يَتَعَيِّنُ أن تكُون جمِيع الأوَامِر معطُوفَة على ما دخل عليه " لا " ؛ لأنَّا بيَّنَّا جواز عَطْفِ " وبالوَالِدَيْن إحْساناً " على " تَعَالَوْا " وما بَعْدَه معطوف عليه، ولا يكون قوله " " وبالوَالِدَيْن
قال الزَّمَخْشَرِي(١) :" تعال " من الخَاصِّ الذي صار عَامّاً، وأصله أن يقوله من كان في مكانٍ عال لِمَن هو أسْفل منه، ثم كَثُر وَعمَّ.
قال القرطبي(٢) :" وقوله تعالى :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾ أي : تقدَّمُوا واقْرَءُوا حقّاً يقيناً ؛ كما أوْحَى إليَّ رَبِّي، لا ظنّاً ولا كَذِباً كما زعمتم، ثم بيَّن بعد ذلك فقال :﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾، يقال للرَّجُل : تعال : أي : تقدّم : ويقال للمرأة : تعالي، ويقال للاثْنَيْن والاثْنَيْن : تَعَالَيَا، ولجماعة الرِّجَال : تعالَوْا، ولجماعة النِّسَاء : تَعَالَيْن ؛ قال الله -تبارك وتعالى- :﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨].
وجعلوا التَّقَدُّم ضرباً من التَّعَاليِ والارتفاع ؛ لأنَّ المأمُور بالتقدّم في أصل وضْعِ هذا الفِعْل، كأنه كان قَاعِداً فقيل له تَعَالَ، أي : ارفع شخْصَك بالقِيَام وتقدم ؛ ثم اتَّسَعُوا فيه حتى جَعَلُوه للوَاقِفِ والمَاشي ؛ قال الشَّجَريّ(٣).
قوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ في [ " ما " ] هذه ثلاثة أوجُه :
أظهرها : أنها مَوْصُولةٌ بمعنى " الَّذِي " والعَائِد مَحْذُوفٌ، أي : الذي حَرَّمَه، والموْصُول في محلِّ نصْبٍ مَفْعُولاً به.
الثاني : أن تكون مَصْدَريَّة، أي : أتْل تَحْريم ربِّكُم، ونفس التَّحْرِيم لا يُتْلَى، وإنما هو مَصْدرٌ واقعٌ موقع المَفْعُول به، أي : أتلُ مُحَرَّمَ ربِّكم الذي حرَّمه هو.
والثالث : أنها استِفْهَاميَّة، في محلِّ نَصْبٍ ب " حَرَّم " بعدها، وهي مُعَلقة ل " أتْلُ " والتَّقْدير : أتْل أيَّ شَيْءٍ حَرّم ربكم، وهذا ضعيف ؛ لأنَّه لا تُعَلَّقُ إلاَّ أفْعَال القُلُوب وما حُمِل عليها.
فصل
قال القرطبي(٤) : هذه الآية أمْرٌ من الله -تعالى- لنبِيِّه - عليه السلام - بأن يَدْعُوَ جميع الخَلْقِ إلى سَمَاعِ تِلاوَة ما حرَّم الله -تبارك وتعالى-، وهكذا يَجِب على من بَعْدَه من العُلَمَاء أن يبَلِّغُوا النَّاس، ويُبَيِّنُوا لهم ما حُرِّمَ عليهم مما أحِلَّ ؛ قال-تعالى- :﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال الرَّبيع بين خيثم لجَلِيس له :" أيَسُرُّك أن تَقْرَأ في صَحِيفَةٍ من النَّبِي ﷺ لم يُفَكَّ كِتَابُها ؟ قال : نعم، قال : فاقْرَءُوا :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخر الثَّلاث آيَاتٍ " (٥).
قال كعبُ الأحْبَار : وهذه السُّورة مفتتح التَّوْرَاةِ : بسم اللَّه الرحمان الرَّحِيم :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية الكريمة(٦).
وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما- : هذه الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ التي ذكرها الله -تعالى- في سُورة " آل عمران " أجمعت عليها شرائِعُ الخَلْق، ولم تُنْسَخ قط في مِلَّةٍ، وقد قيل : إنَّها العَشْر كلمات المُنَزَّلة على مُوسَى - عليه الصلاة والسلام-(٧).
و " عليكم " فيه وجهان :
أحدهما : أنه مُتَعَلِّق ب " حَرَّم " ؛ اختِيَار البَصْرِيِّين.
والثاني : أنه متعلِّق ب " أتْلُ " ؛ وهو اختيار الكُوفيِّين، يعني : أن المسألة من باب الإعْمَال، وقد عَرَفْت أن اختيار البَصْريِّين إعمال الثَّاني واختيار الكوفيين إعْمَال الأوَّل.
قوله :" ألاَّ تُشْركُوا " فيه أوجُه :
أحدهما : أنَّ " أنْ " تفسيرية ؛ لأنَّه تَقَدَّمَها مَا هُو بمعنى القَوْل لا حُرُوفه، و " لا " هي نَاهِيَة، و " تُشْركُوا " مجزوم بها، وهذا وَجْهٌ ظاهرٌ، وهو اختيار الفراء(٨) قال :" ويجُوزُ أن يكون مَجْزوماً ب " لاَ " على النَّهْي ؛ كقولك :" أمَرْتُك ألا تذْهب إلى زَيْد " بالنَّصْب والجزم ". ثم قال : والجَزْم في هذه الآية الكريمة أحبُّ إليَّ ؛ كقوله -تبارك وتعالى- :﴿فَأَوْفُواْ الكيل والميزان﴾ [الأعراف: ٨٥] يعني : عَطْف هذه الجُمْلَة الأمْرِيَّة يُقَوِّي [ أنّ ] ما قَبَلَها نَهْي ؛ ليتناسَبَ طَرفاً الكلام.
وهو اخْتِيَار الزَّمَخْشَري(٩) أيضاً ؛ فإنه قال :" وأنْ في " ألاَّ تُشْرِكُوا " مفسِّرة، و " لا " للنَّهِي " ثم قال بَعْد كلام :" فإن قُلْتَ : إذا جَعَلت " أن " مُفَسِّرة لفعل التِّلاوة، وهو مُعَلَّق بما حَرَّم ربُّكم، وجب أن يكُون ما بَعْدَه مَنْهِيَّا عنه محرّماً كُلُّهُ ؛ كالشرك وما بَعْدَه مما دَخَل عليه حَرْف النَّهْي [ فما تصنع ] بالأوَامِرِ ؟ ".
قال شهاب الدِّين(١٠) :" لَمَّا وَرَدَت هذه الأوَامِر مع النَّواهي، وتقدمَهُنَّ جميعاً فعل التَّحْريم، واشتركْنَ في الدُّخُول تحت حُكْمه، عُلِم أن التَّحْريم راجعٌ إلى أضْدَادِها، وهي الإسَاءة إلى الوَالديْن، وبَخْسُ الكَيْل والمِيزَان، وتَرْكُ العَدْل في القَوْل، ونكْثُ العَهْد ".
قال أبو حيَّان(١١) - رضي الله عنه- :" وكون هذه الأشْيَاء اشتركت في الدُّخُول تحت حكم التَّحْريم، وكون التَّحْريم راجعاً إلى أضْدَاد الأوَامِر ؛ بعيدٌ جدّاً، وإلغاز في التَّعَامِي، ولا ضَرُورَة تدْعُو إلى ذلك ".
قال شهاب الدين(١٢) :" ما اسَتبْعَدَهُ ليس بِبَعيد، وأين الإلغَاز والتَّعَمِّي من هذا الكلامِ حتى يَرْمِيه به ".
قال ابن الخَطِيب(١٣) : فإن قيل : قوله :﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَانا﴾ كالتَّفْصِيل لِما أجمله في قوله :- تبارك وتعالى- :" ما حَرَّم " وذلك بَاطِلٌ ؛ لأن تَرْكَ الشِّرْك والإحْسَان بالوالِدين واجبٌ لا مُحَرَّم.
والجواب من وجوه :
الأول : أن المُرَاد من التَّحْريم أن يَجْعَل له حريماً معيناً، وذلك بأن بَيّنَه بَيَاناً مَضْبُوطاً معيَّناً ؛ فقوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ معناه : أتْلُ عليكم ما بَيَّنَه بياناً شَافِياً ؛ بحيث يجعل له حَرِيماً مضبوطاً مُعَيَّناً، وعلى هذا التّقدير السُّؤال زائِلٌ.
الثاني : أن الكلام تمَّ وانْقَطع عند قوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم ابتدأ فقال :" عليكم ألا تشركوا ".
فإن قيل : فقوله :" وبالوالدين إحسانا " معطوف على قوله ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ [ فوجب أن يكون قوله :" بالوالدين إحساناً " مفسِّراً لقوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ] فلزم أن يكون الإحسان بالوَالديْن حراماً ؛ وهو باطل.
قلنا لما أوجب الإحْسَان إليهما، فقدَّم تحريم الإسَاءة إليها، والله -تعالى- أعْلَم.
ثم قال أبو حيَّان : وأمَّا عطف هَذِهِ الأوامِرِ فيحتمل وجهين :
أحدهما : أنها مَعْطُوفة لا على المَنَاهِي قبلها، فيلزم انْسِحَاب التّحْريم عليها ؛ حيث كانت في حيِّز " أنْ " التَّفْسِيريَّة، بل هي معطُوفةٌ على قوله :﴿تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أمرهم أوّلاً بأمر يترتَّبُ عليه ذِكْرُ مَناهٍ، ثم أمَرَهُم ثانياً بأوَامِر ؛ وهذا مَعْنَى وَاضِح.
والثاني : أن تكون الأوَامِر معْطُوفة على المَنَاهِي، وداخلة تحت " أنْ " التَّفْسِيريَّة، ويصِحُّ ذلك على تَقْدير محْذُوفٍ، تكون " أنْ " مُفسّرة له وللمَنْطُوق قبله الذي دَلَّ على حَذْفِه، والتَّقْدير : وما أمَرَكُم به، فحذف وما أمَرَكُم به لدِلالةِ ما حرَّم عليه ؛ لأن مَعْنَى ما حرَّم ربكم : ما نَهَاكُم ربُّكم عنه، فالمعنى : تعالَوْا أتْل ما نَهَاكُم ربُّكم عنه وما أمَرَكُم به، وإذا كان التَّقْدير هكذا، صح أن تكُون " أن " تَفْسيريَّة لفِعْل النَّهْي، الدَّال عليه التَّحريم وفِعْل الأمْر المَحْذُوف، ألا ترى أنَّه يَجُوز أن تَقُول : أمرتُكَ ألا تكْرِم جَاهِلاً وأكرم عَالِماً " إذ يجوز أن يُعْطَف الأمْرُ على النَّهي والنَّهي على الأمر ؛ كما قال :[ الطويل ]
| . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . | يَقُولُونَ لا تَهِلِكْ أسًى وتَجَمَّل(١٤) |
الثاني : أن تكون " أنْ " نَاصِبَة للفْعِل بعدها، وهي وما في حَيِّزِهَا في محلِّ نَصْبٍ بدلاً من " مَا حَرَّم ".
الثالث : أنها النَّاصِبة أيضاً، وهي وما في حَيِّزها بدلٌ من العَائِد المحذُوف، إذا التَّقْدير : ما حَرَّمه، وهي في المَعْنى كالذي قَبْلَه.
و " لا " على هذين الوَجْهَيْن زائدة ؛ لئلا يَفْسُد المعنى كزِيَادَتِها في قوله -تعالى- :﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، و﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] والتَّقْدير : حرّم ربُّكُم عليكم أن تُشْرِكوا.
قال أبو حيَّان(١٥) :" وهذا ضَعِيف ؛ لانحصار عُمُوم المحرَّم في الإشْرَاك ؛ إذ ما بعده من الأمْر ليس دَاخِلاً في المُحَرَّم، ولا ما بعد الأمر مما فيه لا يمكن ادّعَاء زِيَادة " لا " فيه ؛ لظهور أنَّ " لاَ " فيه للنهْي "، ولما ذكر مكِّي(١٦) كونها بَدَلاً من " مَا حَرَّم " [ لم يُنَبّه على زيادة " لاَ " ولا بُدَّ منه.
وقد مَنَع الزَّمَخْشَريُّ أن يكُون بدلاً من " مَا حَرَّمَ " ](١٧) فقال(١٨) :" فإن قُلْتَ : هلا قُلْت : فهي الَّتِي تَنْصِب الفْعْل، وجعلت " ألاَّ تُشْرِكُوا " بدلاً من " ما حَرَّمَ ".
قلت : وجب أن يكُون : ألاَّ تُشْرِكُوا، ولا " تَقْرَبوا " و " لا تقْتُلوا " و " لا تَتّبِعُوا السُّبُلَ " نواهي ؛ لانعطاف الأوَامِر عليها، وهي قوله -تعالى- ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ ؛ لأن التقْدير : وأحْسِنُوا بالوالدين إحْسَاناً، وأوْفُوا وإذا قلتم فاعدلوا، وبعهد الله أوفوا.
فإن قُلْت : فما تَصْنَع بقوله :﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣] فيمن قَرَأَ بالفَتْح ؛ وإنما يستقيم عَطْفُه على " ألاَّ تُشْرِكُوا " إذا جعلْت " أنْ " هي النَّاصِبَة، حتى يكون المَعْنَى : أتْل عَلَيْكُم نَفْي الإشْرَاكِ، وأتل عَلَيْكم أنَّ هذا صِرَاطِي مستَقيماً ؟
قلت : أجْعَلُ قوله :" وأنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقيماً " علَّةً للاتِّبَاع بتقدير اللام ؛ كقوله ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] بمعنى : ولأن هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه، والدليل عليه قراءة بالكسر، كأنه قيل : واتَّبْعُوا صراطِي، لأنَّه مسْتَقِيمٌ، أو : واتِّبِعُوا صِرَاطي أنَّه مُسْتَقيم ".
واعترض عليه أبُو حيَّان(١٩) بعد السُّؤال الأوّل وجوابه، وهو :" فإن قلت :" هلاَّ قُلْت هي النَّاصِبَة " إلى :" وبِعهْد الله أوْفُوا " ؛ فقال : لا يَتَعَيِّنُ أن تكُون جمِيع الأوَامِر معطُوفَة على ما دخل عليه " لا " ؛ لأنَّا بيَّنَّا جواز عَطْفِ " وبالوَالِدَيْن إحْساناً " على " تَعَالَوْا " وما بَعْدَه معطوف عليه، ولا يكون قوله " " وبالوَالِدَيْن
١ ينظر: الكشاف ٢/٧٨..
٢ ينظر: القرطبي ٧/٨٥ ـ ٨٦..
٣ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٤ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٥ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٦ تقدم أول السورة..
٧ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٨ ينظر: معاني القرآن ١/٣٦٤..
٩ ينظر: الكشاف ٢/٧٩..
١٠ ينظر: الدر المصون ٣/٢١٣..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٥٠..
١٢ ينظر: الدر المصون ٣/٢١٣..
١٣ ينظر: الرازي ١٣/١٨٩..
١٤ عجز بيت لامرئ القيس وصدره:
ينظر: ديوانه ١٠، شرح القصائد للتبريزي (٥٥)، مجاز القرآن ١/١٧١، الدر المصون ٣/٢١٤..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٥١..
١٦ ينظر: المشكل ١/٢٩٨..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر: الكشاف ٢/٧٩..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٥١..
٢ ينظر: القرطبي ٧/٨٥ ـ ٨٦..
٣ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٤ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٥ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٦ تقدم أول السورة..
٧ ينظر: القرطبي ٧/٨٦..
٨ ينظر: معاني القرآن ١/٣٦٤..
٩ ينظر: الكشاف ٢/٧٩..
١٠ ينظر: الدر المصون ٣/٢١٣..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٥٠..
١٢ ينظر: الدر المصون ٣/٢١٣..
١٣ ينظر: الرازي ١٣/١٨٩..
١٤ عجز بيت لامرئ القيس وصدره:
| وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم | .............. |
١٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٥١..
١٦ ينظر: المشكل ١/٢٩٨..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر: الكشاف ٢/٧٩..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٥١..