التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى أفق أرحب وأوسع، وإلى ميدان أفسح وأشمل فتناديهم بأسلوب مؤثر بليغ ليستمعوا إلى ما حرم الله عليهم فيجتنبوه وإلى ما كلفهم به فيعملوه، تناديهم ليتدبروا فى الأصول الكلية التى تقوم عليها العقيدة السليمة، ويسعد بها المجتمع، ويحيا فى ظلها الأفراد والجماعات فى أمان واطمئنان. تناديهم ليسمعوا البيان الصحيح الحق فيما أحل الله وحرم من الأفعال والأقوال ليسمعوه ممن له وحده الحق فى أن يقوله، وفى أن يتلقى عنه تناديهم فتقول :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ...﴾.
إن المتأمل فى هذه الآيات يراها قد رسمت للإنسان علاقته بربه علاقة ينال بها السعادة والثواب، ورسمت له علاقته بأسرته بحيث تقوم على المودة والمحبة وسدت فى وجهه أبواب الشر التى تؤدى إلى انتهاك حرمات الأنفس والأموال والأعراض، وقد أطلق العلماء على هذه الآيات الكريمة اسم " الوصايا العشر " نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقوله - تعالى - ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ﴾.
روى الترمذى - بسنده - عن ابن مسعود أنه قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد التى عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾. إلى قوله :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وروى الحاكم وصححه، وابن أبى حاتم عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ﷺ : " أيكم يبايعنى على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا قوله - تعالى - :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾. حتى فرغ منها ثم قال : من وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله فى الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء الله أخذه، وإن شاء عفا عنه ".
وروى البيهقى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال. لما أمر الله نبيه ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى منى وأنا وأبو بكر معه، فوقف رسول الله ﷺ على منازل القوم ومضاربهم. فسلم عليهم وردوا السلام، وكان فى القوم مفروق بن عمرو وهانى بن قبيصة والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو أغلب القوم لساناً وأفصحهم بياناً، فالتفت إلى رسول الله ﷺ وقال له :
إلام تدعو يا أخا قريش ؟ فقال النبى ﷺ أدعوكم إلى شهادة أن أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله، وأن تؤوونى وتنصرونى وتمنعونى حتى اؤدى حق الله الذى أمرنى به، فإن قريشاً تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد.
فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. إلى آخر الآيات الثلاث.
فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية.
فقال له مفروق : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك.
وقال هانىء بن قبيصة : قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، ويعجبنى ما تكلمت به، فبشرهم الرسول - إن آمنوا - بأرض فارس وأنهار كسرى.
فقال له النعمان : اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿ياأيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ ثم نهض رسول الله ﷺ.
هذا جانب من فضائل هذه الآيات الثلاث، وذلك هو تأثيرها فى نفوس العرب، والآن فلنبدأ فى التفسير التحليلى لها فنقول :
لقد بدئت الآيات بقوله - تعالى - ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين حللوا وحرموا حسب أهوائهم، تعالوا إلى وأقبلوا نحوى لأبين لكم ما حرمه ربكم عليكم، ولأتلو على مسامعكم ما أمركم به، وما نهاكم عنه خالقكم ومربيكم، فإنكم إن أقبلتم نحوى وأطعمتمونى سعدتم فى دينكم ودنياكم.
وفى تصدير هذه الوصايا بكلمة ﴿قُلْ﴾ إشعار من أول الأمر بأن هذا بيان إلهى، ليس الرسول فيه إلا ناقلا مبلغا، وفيه - أيضا - دلالة على أن المأمور به يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام وقد سبق أن بينا أن سورة الأنعام زاخرة بهذا الأسلوب التلقينى الذى يبدأ بكلمة ﴿قُلْ﴾.
والأصل فى كلمة ( تعال ) أن يقولها من كان فى مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم اتسع فيها حتى عمت، وهى تتضمن إرادة تخليص المخاطبين ورفعتهم من انحطاط هم فيه إلى علو يراد لهم ويدعون إليه‘ وتتضمن كذلك أن المتكلم يريد منهم أن يلتفوا من حوله لتتحد وجهتهم، ولا تتفرق بهم الأهواء والسبل.
وفى قوله ﴿أَتْلُ﴾ إيماء قوى بأن المتكلم يقدر المخاطبين، ويرتفع بهم إلى درجة أنهم لا يحتاجون فى الإرشاد إلا لأن يتلو عليهم ما يريدهم أن يعملوه ثم هم بعد ذلك سيمتثلون لحسن استعدادهم لقبول الحق.
- وإنه لأسلوب قد بلغ الغاية فى اللطف وفى التكريم وفى حسن الموعظة وتوجيه الخطاب.
- وخص التحريم بالذكر مع أن الوصايا قد اشتملت على المحرمات وعلى غيرها لأن سياق الآيات قبل ذلك كان منصبا على كشف ما اخترعه المشركون من تحريم فى الحرث والنسل ما أنزل الله به من سلطان، ولأن بيان أصول المحرمات يستلزم حل ما عداها لأنه الأصل.
وفى نسبة التحريم إلى الرب الذى هو منبع الخير والإحسان. حض لهم على التدبر والاستجابة. لأن الذى حرم عليهم ذلك هو مربيهم، فليس معقولا أن يحرم عليهم ما فيه منفعة لهم، وإنما هو بمقتضى ربوبيته قد حرم عليهم ما فيه ضررهم.
- وقوله ﴿أَتْلُ﴾ جواب الأمر، أى : إن تأتونى أتل. و ﴿مَا﴾ فى قوله ﴿مَا حَرَّمَ﴾ موصولة بمعنى الذى والعائد محذوف أى : أقرأ الذى حرمه ربكم عليكم، وهى فى محل نصب مفعول به، ويحتمل أن تكون مصدرية، أى أتل تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يتلى وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول به، أى : أتل محرم ربكم الذى حرمه هو.
و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق ب ﴿حَرَّمَ﴾ أو ب ﴿أَتْلُ﴾.
قال بعض العلماء : وهذه العبارة التى قدمت بها الوصايا - وهى ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ فيها إشعار بأن الحقائق الأولى التى قام عليها الجدال فى السورة قد أصبحت واضحة. لا مفر من قبولها والبناء عليها، فالله - تعالى - يأمر رسوله بأن يبلغهم، وإذن فهناك إله من شأنه أن يرسل الرسل، وهناك رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله، وهناك محرمات وردت من المصدر الذى يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم هناك لازم عقلى لهذا التحريم هو أن من تعداه وانتهكه كان مغضباً للرب الذى قرره. مستحقاً لعقوبته، وإذن فهناك دار للجزاء ". ولننظر بعد ذلك فى الوصايا.
الوصية الأولى :﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ أى : أوصيكم ألا تشركوا مع الله فى عبادتكم آلهة أخرى. بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة فإنه هو الخالق لكل شىء.
وصدر - سبحانه - هذه الوصايا بالنهى عن الشرك، لأنه أعظم المحرمات وأكبرها إفساداً للفطرة، ولأنه هو الجريمة التى لا تقبل المغفرة من الله، بينما غيره قد يغفره - سبحانه - قال - تعالى - :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ وقد ساق القرآن مئات الآيات التى تدعو إلى الإيمان وتنفر من الشرك وتقيم الأدلة الساطعة، والبراهين الدامغة على وحدانية الله - عز وجل -.
هذا، وقد ذكر الشيخ الجمل فى إعراب هذه الجملة الكريمة ألا تشركوا به شيئاً عدة آراء منها :
١ - أنّ ( أن ) تفسيرية، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه، ولا ناهية ولا تشركوا مجزوم بها.
٢ - أن تكون ( أن ) ناصية للفعل بعدها، وهى وما فى حيزها فى محل نصب بدلا من ﴿مَا حَرَّمَ﴾ ولا زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها فى قوله :﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ و ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ ٣ - تكون ( أن ) ناصبة وما فى حيزها منصوب على الإغراء بعليكم ويكون الكلام قد تم عند قوله ﴿رَبُّكُمْ﴾ ثم ابتدأ فقال : عليكم ألا تشركوا أى الزموا نفى الشرك.
٤ - أنها وما فى حيزها فى محل نصب أو جر على حذف لام العلة، والتقدير تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئاً.
٥ - أن تكون هى وما بعدها فى محل نصب بإضمار فعل تقديره : أوصيكم ألا تشركوا.
ونكتفى بهذا القدر من وجوه الإعراب التى توسع فيها النحاة توسعاً كبيراً، بسبب ورود بعض هذه الوصايا بصيغة النهى، وبعضها بصيغة الأمر، مع تقدم فعل التحريم على جميعها.
أما الوصية الثانية : فى قوله - تعالى - ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ أى : أحسنوا بهما إحسانا كاملا لا إساءة معه.
وقد قرن - سبحانه - هذه الوصية بالوصية الأولى التى هى توحيده وعدم الإشراك به، فى هذه الآية وفى غيرها، للإشعار بعظم هذه الوصيى وللتنبيه إلى معنى واحد - يجمعها مع الأولى وهو أن المنعم يجب أن يشكر ؛ فالوالدان سبب فى حياة الولد فيجب أن يشركهما ويحسن إليهما، والله - تعالى - هو الخالق المنعم فيجب أن يشكر ويفرد بالعبادة والطاعة.
- قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب وهو الإحسان إلى الوالدين، ولم تذكر بأسلوب النهى عن المرحم وهو الإساءة، سموا بالإنسان عن أن تظن به الاساءة إلى الوالدين، وكأن الإساءة إليهما، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها، ولأن الخير المنتظر من هذه الوصية وهو تربية الأبناء على الاعتراف بالنعم وشكر المنعمين عليها إنما يتحقق بفعل الواجب، وهو الإحسان لا بمجرد ترك المحرم وهو الإساءة. ولهذا وذاك قال - سبحانه - ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾.
- والإحسان يتعدى بحرفى الباء وإلى، فقال : أحسن به، وأحسن إليه، وبينهما فرق واضح، فالباء تدل على الإلصاق، وإلى تدل على الغاية، والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول " الباء " دون انفصال ولا مسافة بينهما، أما الغاية فتفيد وصول الفعل إلى مدخول ( إلى ) ولو كان منه على بعد أو كان بينهما واسطة، ولا شك أن الإلصاق فى هذا المام أبلغ فى تأكيد شأن العناية والإحسان بالوالدين، ومن هنا لم يعد الإحسان بالباء فى القرآن إلا حيث أريد ذلك التأكيد، وقد جاءت جميع الآيات القرآنية التى توحى بالإحسان بالوالدين على هذا الأسلوب ".
ثم جاءت الوصية الثالثة وهى قوله - تعالى - ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾.
الإملاق : الفقر، مصدر أملق الرجل إملاقا إذا احتاج وافتقر.
أى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكفلنا برزقكم ورزقهم. ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم. فمن الظلم البين الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من الفقر، مع أن الله - تعالى - هو الرازق لكم ولهم.
والمجتمع الذى يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفا من العار، هو الرازق لم ولهم.
إن المتأمل فى هذه الآيات يراها قد رسمت للإنسان علاقته بربه علاقة ينال بها السعادة والثواب، ورسمت له علاقته بأسرته بحيث تقوم على المودة والمحبة وسدت فى وجهه أبواب الشر التى تؤدى إلى انتهاك حرمات الأنفس والأموال والأعراض، وقد أطلق العلماء على هذه الآيات الكريمة اسم " الوصايا العشر " نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقوله - تعالى - ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ﴾.
روى الترمذى - بسنده - عن ابن مسعود أنه قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد التى عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾. إلى قوله :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وروى الحاكم وصححه، وابن أبى حاتم عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ﷺ : " أيكم يبايعنى على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا قوله - تعالى - :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾. حتى فرغ منها ثم قال : من وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله فى الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء الله أخذه، وإن شاء عفا عنه ".
وروى البيهقى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال. لما أمر الله نبيه ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى منى وأنا وأبو بكر معه، فوقف رسول الله ﷺ على منازل القوم ومضاربهم. فسلم عليهم وردوا السلام، وكان فى القوم مفروق بن عمرو وهانى بن قبيصة والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو أغلب القوم لساناً وأفصحهم بياناً، فالتفت إلى رسول الله ﷺ وقال له :
إلام تدعو يا أخا قريش ؟ فقال النبى ﷺ أدعوكم إلى شهادة أن أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله، وأن تؤوونى وتنصرونى وتمنعونى حتى اؤدى حق الله الذى أمرنى به، فإن قريشاً تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد.
فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. إلى آخر الآيات الثلاث.
فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية.
فقال له مفروق : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك.
وقال هانىء بن قبيصة : قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، ويعجبنى ما تكلمت به، فبشرهم الرسول - إن آمنوا - بأرض فارس وأنهار كسرى.
فقال له النعمان : اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿ياأيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ ثم نهض رسول الله ﷺ.
هذا جانب من فضائل هذه الآيات الثلاث، وذلك هو تأثيرها فى نفوس العرب، والآن فلنبدأ فى التفسير التحليلى لها فنقول :
لقد بدئت الآيات بقوله - تعالى - ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين حللوا وحرموا حسب أهوائهم، تعالوا إلى وأقبلوا نحوى لأبين لكم ما حرمه ربكم عليكم، ولأتلو على مسامعكم ما أمركم به، وما نهاكم عنه خالقكم ومربيكم، فإنكم إن أقبلتم نحوى وأطعمتمونى سعدتم فى دينكم ودنياكم.
وفى تصدير هذه الوصايا بكلمة ﴿قُلْ﴾ إشعار من أول الأمر بأن هذا بيان إلهى، ليس الرسول فيه إلا ناقلا مبلغا، وفيه - أيضا - دلالة على أن المأمور به يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام وقد سبق أن بينا أن سورة الأنعام زاخرة بهذا الأسلوب التلقينى الذى يبدأ بكلمة ﴿قُلْ﴾.
والأصل فى كلمة ( تعال ) أن يقولها من كان فى مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم اتسع فيها حتى عمت، وهى تتضمن إرادة تخليص المخاطبين ورفعتهم من انحطاط هم فيه إلى علو يراد لهم ويدعون إليه‘ وتتضمن كذلك أن المتكلم يريد منهم أن يلتفوا من حوله لتتحد وجهتهم، ولا تتفرق بهم الأهواء والسبل.
وفى قوله ﴿أَتْلُ﴾ إيماء قوى بأن المتكلم يقدر المخاطبين، ويرتفع بهم إلى درجة أنهم لا يحتاجون فى الإرشاد إلا لأن يتلو عليهم ما يريدهم أن يعملوه ثم هم بعد ذلك سيمتثلون لحسن استعدادهم لقبول الحق.
- وإنه لأسلوب قد بلغ الغاية فى اللطف وفى التكريم وفى حسن الموعظة وتوجيه الخطاب.
- وخص التحريم بالذكر مع أن الوصايا قد اشتملت على المحرمات وعلى غيرها لأن سياق الآيات قبل ذلك كان منصبا على كشف ما اخترعه المشركون من تحريم فى الحرث والنسل ما أنزل الله به من سلطان، ولأن بيان أصول المحرمات يستلزم حل ما عداها لأنه الأصل.
وفى نسبة التحريم إلى الرب الذى هو منبع الخير والإحسان. حض لهم على التدبر والاستجابة. لأن الذى حرم عليهم ذلك هو مربيهم، فليس معقولا أن يحرم عليهم ما فيه منفعة لهم، وإنما هو بمقتضى ربوبيته قد حرم عليهم ما فيه ضررهم.
- وقوله ﴿أَتْلُ﴾ جواب الأمر، أى : إن تأتونى أتل. و ﴿مَا﴾ فى قوله ﴿مَا حَرَّمَ﴾ موصولة بمعنى الذى والعائد محذوف أى : أقرأ الذى حرمه ربكم عليكم، وهى فى محل نصب مفعول به، ويحتمل أن تكون مصدرية، أى أتل تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يتلى وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول به، أى : أتل محرم ربكم الذى حرمه هو.
و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق ب ﴿حَرَّمَ﴾ أو ب ﴿أَتْلُ﴾.
قال بعض العلماء : وهذه العبارة التى قدمت بها الوصايا - وهى ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ فيها إشعار بأن الحقائق الأولى التى قام عليها الجدال فى السورة قد أصبحت واضحة. لا مفر من قبولها والبناء عليها، فالله - تعالى - يأمر رسوله بأن يبلغهم، وإذن فهناك إله من شأنه أن يرسل الرسل، وهناك رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله، وهناك محرمات وردت من المصدر الذى يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم هناك لازم عقلى لهذا التحريم هو أن من تعداه وانتهكه كان مغضباً للرب الذى قرره. مستحقاً لعقوبته، وإذن فهناك دار للجزاء ". ولننظر بعد ذلك فى الوصايا.
الوصية الأولى :﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ أى : أوصيكم ألا تشركوا مع الله فى عبادتكم آلهة أخرى. بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة فإنه هو الخالق لكل شىء.
وصدر - سبحانه - هذه الوصايا بالنهى عن الشرك، لأنه أعظم المحرمات وأكبرها إفساداً للفطرة، ولأنه هو الجريمة التى لا تقبل المغفرة من الله، بينما غيره قد يغفره - سبحانه - قال - تعالى - :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ وقد ساق القرآن مئات الآيات التى تدعو إلى الإيمان وتنفر من الشرك وتقيم الأدلة الساطعة، والبراهين الدامغة على وحدانية الله - عز وجل -.
هذا، وقد ذكر الشيخ الجمل فى إعراب هذه الجملة الكريمة ألا تشركوا به شيئاً عدة آراء منها :
١ - أنّ ( أن ) تفسيرية، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه، ولا ناهية ولا تشركوا مجزوم بها.
٢ - أن تكون ( أن ) ناصية للفعل بعدها، وهى وما فى حيزها فى محل نصب بدلا من ﴿مَا حَرَّمَ﴾ ولا زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها فى قوله :﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ و ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ ٣ - تكون ( أن ) ناصبة وما فى حيزها منصوب على الإغراء بعليكم ويكون الكلام قد تم عند قوله ﴿رَبُّكُمْ﴾ ثم ابتدأ فقال : عليكم ألا تشركوا أى الزموا نفى الشرك.
٤ - أنها وما فى حيزها فى محل نصب أو جر على حذف لام العلة، والتقدير تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئاً.
٥ - أن تكون هى وما بعدها فى محل نصب بإضمار فعل تقديره : أوصيكم ألا تشركوا.
ونكتفى بهذا القدر من وجوه الإعراب التى توسع فيها النحاة توسعاً كبيراً، بسبب ورود بعض هذه الوصايا بصيغة النهى، وبعضها بصيغة الأمر، مع تقدم فعل التحريم على جميعها.
أما الوصية الثانية : فى قوله - تعالى - ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ أى : أحسنوا بهما إحسانا كاملا لا إساءة معه.
وقد قرن - سبحانه - هذه الوصية بالوصية الأولى التى هى توحيده وعدم الإشراك به، فى هذه الآية وفى غيرها، للإشعار بعظم هذه الوصيى وللتنبيه إلى معنى واحد - يجمعها مع الأولى وهو أن المنعم يجب أن يشكر ؛ فالوالدان سبب فى حياة الولد فيجب أن يشركهما ويحسن إليهما، والله - تعالى - هو الخالق المنعم فيجب أن يشكر ويفرد بالعبادة والطاعة.
- قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب وهو الإحسان إلى الوالدين، ولم تذكر بأسلوب النهى عن المرحم وهو الإساءة، سموا بالإنسان عن أن تظن به الاساءة إلى الوالدين، وكأن الإساءة إليهما، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها، ولأن الخير المنتظر من هذه الوصية وهو تربية الأبناء على الاعتراف بالنعم وشكر المنعمين عليها إنما يتحقق بفعل الواجب، وهو الإحسان لا بمجرد ترك المحرم وهو الإساءة. ولهذا وذاك قال - سبحانه - ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾.
- والإحسان يتعدى بحرفى الباء وإلى، فقال : أحسن به، وأحسن إليه، وبينهما فرق واضح، فالباء تدل على الإلصاق، وإلى تدل على الغاية، والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول " الباء " دون انفصال ولا مسافة بينهما، أما الغاية فتفيد وصول الفعل إلى مدخول ( إلى ) ولو كان منه على بعد أو كان بينهما واسطة، ولا شك أن الإلصاق فى هذا المام أبلغ فى تأكيد شأن العناية والإحسان بالوالدين، ومن هنا لم يعد الإحسان بالباء فى القرآن إلا حيث أريد ذلك التأكيد، وقد جاءت جميع الآيات القرآنية التى توحى بالإحسان بالوالدين على هذا الأسلوب ".
ثم جاءت الوصية الثالثة وهى قوله - تعالى - ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾.
الإملاق : الفقر، مصدر أملق الرجل إملاقا إذا احتاج وافتقر.
أى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكفلنا برزقكم ورزقهم. ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم. فمن الظلم البين الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من الفقر، مع أن الله - تعالى - هو الرازق لكم ولهم.
والمجتمع الذى يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفا من العار، هو الرازق لم ولهم.