فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ﴾ أي تقدّموا. قال ابن الشجري : إن المأمور بالتقدّم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعداً، فقيل له تعال، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدّم، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي. وهكذا قال الزمخشري في الكشاف : إنه من الخاص الذي صار عاماً، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثر واتسع فيه حتى عمّ. قوله :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿أتل﴾ جواب الأمر، وما موصولة في محل نصب به، أي أتل الذين حرّمه ربكم عليكم. والمراد من تلاوة ما حرّم الله تلاوة الآيات المشتملة عليه، ويجوز أن تكون ما مصدرية : أي أتل تحريم ربكم. والمعنى : ما اشتمل على التحريم. قيل ويجوز أن تكون ما استفهامية أي أتل أي شيء حرّم ربكم، على جعل التلاوة بمعنى القول، وهو ضعيف جداً، و ﴿عليكم﴾ أن تعلق بأتل، فالمعنى : أتل عليكم الذي حرّم ربكم، وإن تعلق بحرّم، فالمعنى أتل الذي حرّم ربكم عليكم، وهذا أولى، لأن المقام مقام بيان ما هو محرّم عليكم لا مقام بيان ما هو محرّم مطلقاً وقيل : إن عليكم للإغراء ولا تعلق لها بما قبلها. والمعنى عليكم أن لا تشركوا إلى آخره، أي الزموا ذلك كقوله تعالى :﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وهو أضعف مما قبله، وأن في ﴿أَن لا تُشْرِكُواْ﴾ مفسرة لفعل التلاوة، وقال النحاس : يجوز أن تكون في موضع نصب بدلاً من ما، أي أتل عليكم تحريم الإشراك. وقيل : يجوز أن يكون في محل رفع بتقدير مبتدأ، أي المتلوّ أن لا تشركوا، وشيئاً مفعول أو مصدر أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء، أو شيئاً من الإشراك. قوله :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أي أحسنوا بهما إحساناً، والإحسان إليهما البرّ بهما، وامتثال أمرهما ونهيهما. وقد تقدّم الكلام على هذا.
قوله :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق﴾ لما ذكر حق الوالدين على الأولاد، ذكر حق الأولاد على الوالدين، وهو أن لا يقتلوهم من أجل إملاق. والإملاق الفقر، فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكر والإناث خشية الإملاق، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، وحكى النقاش عن مؤرّج أن الإملاق الجوع بلغة لخم، وذكر منذر بن سعيد البلوطي : أن الإملاق الإنفاق. يقال أملق ماله : بمعنى أنفقه. والمعنى الأوّل هو الذي أطبق عليه أئمة اللغة، وأئمة التفسير ها هنا ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش﴾ أي المعاصي، ومنه ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ وما في ﴿مَا ظَهَرَ﴾ بدل من الفواحش، وكذا ما بطن. والمراد بما ظهر : ما أعلن به منها، وما بطن : ما أسرّ.
وقد تقدّم ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس﴾ اللام في النفس للجنس، و ﴿التي حَرَّمَ الله﴾ صفة للنفس، أي لا تقتلوا شيئاً من الأنفس التي حرّمها الله ﴿إِلاَّ بالحق﴾ أي إلا بما يوجبه الحق، والاستثناء مفرّغ، أي لا تقتلوه في حال من الأحوال إلا في حال الحق، أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصاً، وقتلها بسبب زنا المحصن، وقتلها بسبب الردّة، ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، والإشارة بقوله :﴿ذلكم﴾ إلى ما تقدّم مما تلاه عليهم، وهو مبتدأ ﴿وَوَصَاكم بِهِ﴾ خبره : أي أمركم به، وأوجبه عليكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت، قال : قال رسول الله ﷺ :«أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟» ثم تلا :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ﴾ إلى ثلاث آيات، ثم قال :«فمن وفَّى بهنّ فأجره على الله ومن انتقص منهنّ شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه»
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن المنذر، عن كعب الأحبار قال : أوّل ما أنزل في التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرها. وأخرج أبو الشيخ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال : سمع كعب رجلاً يقرأ ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ فقال كعب : والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآيات انتهى. قلت : هي الوصايا العشر التي في التوراة، وأوّلها أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك إله آخر غيري. ومنها : أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته [ بنت ] قريبك، ولا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئاً مما لقريبك، فلعل مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة وقد كتبها أهل الزبور في آخر زبورهم. وأهل الإنجيل في أوّل إنجيلهم، وهي مكتوبة في لوحين، وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت.
وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق﴾ قال : من خشية الفاقة، قال : وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبي ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال : سرّها وعلانيتها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق﴾ قال : خشية الفقر ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال : كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السرّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية.
وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا﴾ قال : اعلموا أن السبيل سبيل واحد، جماعه الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلاً متفرقة، جماعة الضلالة ومصيرها النار. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود، قال : خط رسول الله خطاً بيده ثم قال :«هذا سبيل الله مستقيماً»، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط، وعن شماله، ثم قال :«وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ :﴿وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن مردويه، من حديث جابر نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن مردويه، عن ابن مسعود أن رجلاً سأله : ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا محمداً ﷺ، في أدناه وطرفه الجنة، وعن يمينه جواد وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود :﴿وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل﴾ قال : الضلالات.
قوله :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق﴾ لما ذكر حق الوالدين على الأولاد، ذكر حق الأولاد على الوالدين، وهو أن لا يقتلوهم من أجل إملاق. والإملاق الفقر، فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكر والإناث خشية الإملاق، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، وحكى النقاش عن مؤرّج أن الإملاق الجوع بلغة لخم، وذكر منذر بن سعيد البلوطي : أن الإملاق الإنفاق. يقال أملق ماله : بمعنى أنفقه. والمعنى الأوّل هو الذي أطبق عليه أئمة اللغة، وأئمة التفسير ها هنا ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش﴾ أي المعاصي، ومنه ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ وما في ﴿مَا ظَهَرَ﴾ بدل من الفواحش، وكذا ما بطن. والمراد بما ظهر : ما أعلن به منها، وما بطن : ما أسرّ.
وقد تقدّم ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس﴾ اللام في النفس للجنس، و ﴿التي حَرَّمَ الله﴾ صفة للنفس، أي لا تقتلوا شيئاً من الأنفس التي حرّمها الله ﴿إِلاَّ بالحق﴾ أي إلا بما يوجبه الحق، والاستثناء مفرّغ، أي لا تقتلوه في حال من الأحوال إلا في حال الحق، أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصاً، وقتلها بسبب زنا المحصن، وقتلها بسبب الردّة، ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، والإشارة بقوله :﴿ذلكم﴾ إلى ما تقدّم مما تلاه عليهم، وهو مبتدأ ﴿وَوَصَاكم بِهِ﴾ خبره : أي أمركم به، وأوجبه عليكم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن المنذر، عن كعب الأحبار قال : أوّل ما أنزل في التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرها. وأخرج أبو الشيخ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال : سمع كعب رجلاً يقرأ ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ فقال كعب : والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآيات انتهى. قلت : هي الوصايا العشر التي في التوراة، وأوّلها أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك إله آخر غيري. ومنها : أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته [ بنت ] قريبك، ولا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئاً مما لقريبك، فلعل مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة وقد كتبها أهل الزبور في آخر زبورهم. وأهل الإنجيل في أوّل إنجيلهم، وهي مكتوبة في لوحين، وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت.
وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق﴾ قال : من خشية الفاقة، قال : وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبي ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال : سرّها وعلانيتها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق﴾ قال : خشية الفقر ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال : كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السرّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية.
وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا﴾ قال : اعلموا أن السبيل سبيل واحد، جماعه الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلاً متفرقة، جماعة الضلالة ومصيرها النار. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود، قال : خط رسول الله خطاً بيده ثم قال :«هذا سبيل الله مستقيماً»، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط، وعن شماله، ثم قال :«وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ :﴿وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن مردويه، من حديث جابر نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن مردويه، عن ابن مسعود أن رجلاً سأله : ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا محمداً ﷺ، في أدناه وطرفه الجنة، وعن يمينه جواد وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود :﴿وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل﴾ قال : الضلالات.