تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
عن ابن عباس قال لما أنزل الله :﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] الآية، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] قال : فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وقوله تعالى :﴿حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، قال الشعبي ومالك : يعني حتى يحتلم، وقال السدي : حتى يبلغ ثلاثين سنة، وقيل : أربعون سنة، وقوله تعالى :﴿وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط﴾ يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء كما توعد على تركه في قوله تعالى :﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١-٣] وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان، وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان :« إنكم وليتم أمراً هلكت فيه الأمم السابقة قبلكم » وقد رواه ابن مردويه في تفسيره، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :« إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة : المكيال، والميزان » وقوله تبارك وتعالى :﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه. وقوله :﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾، كقوله :﴿يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط﴾ [المائدة: ٨] الآية، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال، وقوله :﴿وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ﴾، قال ابن جرير : يقول : وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنّة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، يقول تعالى : هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه.