المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
و ﴿أن﴾ من قوله ﴿أن تقولوا﴾ في موضع نصب، والعامل فيه ﴿أنزلناه﴾ والتقدير : وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن، وهذا أصح الأقوال وأضبطها للمعنى المقصود، وقيل العامل في ﴿أن﴾ قوله ﴿واتقوا﴾ فكأنه قال : واتقوا أن تقولوا، وهذا تأويل يتخرج على معنى : واتقوا أن تقولوا كذا، لأنه لا حجة لكم فيه، ولكن يعرض فيه قلق لقوله أثناء ذلك ﴿لعلكم ترحمون﴾ وفي التأويل الأول يتسق نظم الآية، و «الطائفتان » اليهود والنصارى بإجماع من المتأولين، والدراسة : القراءة والتعلم بها، و ﴿إن﴾ في قوله ﴿وإن كنا﴾ مخففة من الثقيلة، واللام في قوله ﴿لغافلين﴾ لام توكيد، هذا مذهب البصريين، وحكى سيبويه عن بعض العرب أنهم يخففونها ويبقونها على عملها، ومنه قراءة بعض أهل المدينة ﴿وإن كلاً﴾(١) وأما المشهور فإنها إذا خففت ترجع حرف ابتداء لا تعمل، وأما على مذهب الكوفيين ف ﴿إن﴾ في هذه الآية بمعنى ما النافية، واللام بمعنى إلا، فكأنه قال وما كنا عن دراستهم إلا غافلين(٢).
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : معنى هذه الآية إزالة الحجة عن أيدي قريش وسائر العرب بأنهم لم يكن لهم كتاب، فكأنه قال : وهذا القرآن يا معشر العرب أنزل حجة عليكم لئلا تقولوا إنما أنزلت التوراة والإنجيل بغير لساننا على غيرنا، ونحن لم نعرف ذلك، فهذا كتاب بلسانكم ومع رجل منكم.
١ - من الآية (١١١) من سورة (هود) وهي قوله تعالى: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير﴾..
٢ -قال الزمخشري: [وإن كنا] هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والأصل: "وإن كنا عن دراستهم غافلين" على أن الهاء ضمير. واعترض على ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" بما يفند كلامه فارجع إليه إن شئت، وقال قطرب في مثل هذا التركيب: "(إن) بمعنى (قد) واللام زائدة" وكأن الكلام –على قوله-: "وقد كنا عن دراستهم غافلين"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى