اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ﴾.
أي : لِئلاَّ تقُولُوا أو تَحْتَجُّوا بِذَلك، ثمَّ إنه -تعالى- قطع احتِجَاجَهُم بهذا، فقال :﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وهو القُرْآن العظيم بَيِّنَة فيما يُعْلم سَمْعاً، وهُو هُدَى فيما يُعْلَم سَمْعاً وعَقْلاً، فلما اختلفت الفَائِدَة، صَحَّ هذا العَطْف، ومعنى " رَحْمة " أي : نِعْمَة في الدِّين.
قوله : فَقَدْ جَاءَكُم " : جواب شَرْط مقدَّرٍ فقدَّرَه الزَّمَخْشَريُّ : إن صَدَقْتُم فيما كُنْتُم تَعُدُّون من أنْفُسِكم، فَقَدْ جَاءَكم، قال :" وهو من أحْسن الحُذُوف " وقدّرَه غَيْره : إن كُنْتُم كما تَزْعُمون : إنَّكم إذا أنزل عَلَيْكُم كِتَابٌ، تكونون أهْدَى من اليَهُود والنَّصَارى، فقدْ جَاءَكُم، ولم يُؤنّث الفِعْل ؛ لأن التَّأنيث مجازيُّ، وللفَصْل بالمَفْعُول، و " مِنْ ربِّكم " يجوز أن يتعلَّق ب " جَاءَكُم " وأن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّه صِفَةٌ ل " بَيِّنَة ".
وقوله :" هُدىً ورَحْمَة " : محذُوفٌ بعدهما : مِن ربِّكُم.
قوله : فَمَنْ أظْلَمُ " الظَّاهِر أنَّها جُمْلَة مُسْتَقِلة.
وقال بعضهم : هي جواب شَرْط مُقَدَّر، تقديرُه : فإن كَذَّبْتُم، فلا أحَد أظْلَم مِنْكُم.
والجُمْهُور(١) على كَذَّب " مُشَدّداً، وبآيات الله متعلِّق به، وقرأ يحيى بن(٢) وثاب، وابن أبي عَبْلَة :" كَذَبَ " بالتخفيف، و " بآيات اللَّه " : يجوز أن يكُون مَفْعُولاً وأن يكون حالاً، أي : كذَّب ومعهُ آيات اللَّه، و " صدف " مَفْعُوله مَحْذُوف، أي :" وصدف عنها غيره " وقد تقدَّم تَفْسير ذلك [الأنعام: ١٥٧]. والمُراد : تَعْظِيم كُفْر من كذّب بآيَاتِ الله " وصدَف عَنْها " أي مَنَع ؛ لأنَّ الأوَّل ضلال، والثاني مَنْع عن الحقِّ وإضْلال.
ثم قال -تعالى- :﴿سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سواء العذاب﴾ وهو كقوله تعالى :﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب﴾ [النحل: ٨٨].
١ ينظر: المحتسب ١/٢٣٥ الذر المصون ٣/٢٢٣..
٢ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٥٨، والدر المصون ٣/٢٢٣ والمحرر الوجيز ٢/٣٦٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى