اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وقرأ الأخوان(١) :" فَارَقُوا " من المُفَارَقة.
قال القرطبي(٢) - رحمه الله عليه - :" وهي قِرَاءة عليِّ بن أبي طالب- رضي الله عنه - من المُفَارقة والفِرَاق، على مَعْنَى : أنَّهُم تركوا دينَهُم وخَرَجُوا عنه، وكان عَلِيٌّ - كرم الله وجهه - يقول : والله ما فَرَّقُوه، ولكن فَارَقُوه ".
وقال شهاب الدِّين(٣) : فيها وجهان :
أحدهما : أن " فَاعَل " بمعنى : فعَّل، نحو : ضاعَفْتُ الحساب، وضعَّفته.
وقيل : هي من المُفَارَقَة، وهي التَّرْك، والتَّخْلِية، ومن فرَّق دينَهُ ؛ فآمن بِبَعْض وكفر ببعض، فقد فَارَقَ الدِّين القيم.
وقرأ الباقون :" فرَّقوا " بالتَّشْديد، وقرأ الأعمش، وأبو صالح، وإبراهيم، :" فرَقُوا " مخفف الراء.
قال أبو البقاء :" وهو بمعنى المُشَدَّد، ويجُوز أن يكُون بمعنى : فَصَلُوه عن الدِّين الحقِّ " وقد تقدَّم معنى الشِّيع، أي : صَارُوا فِرقاً مختلفة.
قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : يريد : المُشْركين، بعضهُم يَعْبُدون الملائكة، ويَزْعُمون أنَّهم بنات اللَّه، وبعضُهم يَعْبدون الأصْنَام، ويقولون :" هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ(٤) الله " و " كانوا شِيَعاً " أي : فِرَقاً وأحزاباً في الضَّلالة.
وقال مُجاهدٌ، وقتادة : هم اليَهُود والنَّصَارى ؛ لأن النَّصَارى تفرَّقوا فِرَقاً، ويُكَفِّر بعضهم بعضاً، واليهُود أخَذُوا ببعض الكتاب، وتركوا بعضه(٥).
وقيل : هم أهْل البِدَع والشُّبُهَات من هذه الأمَّة وروى عُمَر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّ رسُول الله ﷺ قال لعائشة - رضي الله عنها - :" يا عائشةُ ! إنَّ الذينَ فَرَّقُوا دينَهُم وكانُوا شِيعَاً هُمْ أصْحَابُ البدعِ وأصْحَابُ الأهْوَاءِ من هذه الأمَّةِ " (٦).
وروى عبد الله بن عمر- رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ﷺ :" إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تفرَّقَتْ على اثْنَيْنِ وسَبْعِين ملَّة، وتفرَّفَت أُمَّتِي على ثلاثٍ وسبْعين ملَّة كُلُّها في النَّارِ إلاَّ واحِدة، قال : من هِيَ يا رسُول الله ؟ قال :" ما أنا عَلَيه وأصْحَابي " (٧).
قوله :" لست منهم في شيء ".
" لَسْت " : في محلِّ رفع خبراً ل " إنّ "، و " مِنْهُم " : هو خبر " لَيْسَ " إذ بِه تتم الفَائِدة ؛ كقول النابغة :[ الوافر ]
إذا حَاوَلْتَ فِي أسَدٍ فُجُورافإنِّي لَسْتُ مِنْكَ ولَسْتَ مِنِّي(٨)
ونظيرُه [ في الإثْبَات ](٩) :" ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦].
وعلى هذا، فيكُون " فِي شَيْءٍ " متعلِّقاً بالاسْتِقْرَار الذي تعلَّق به مِنْهُم، أي : ليست مُسْتَقِرّاً منهم في شيء، أي مِنْ تَفْرِيقهم. [ ويجُوز أن يَكُون " فِي شيءٍ " : الخبر، و " مِنْهُم " : حال مُقدَّمة عليه، وذلك على حَذْفِ مُضافٍ، أي : لَسْت في شيءٍ كَائِن من تَفْرِيقهم ](١٠)، فلمَّا قُدِّمت الصِّفَة نصبت حالاً.

فصل في المراد بالآية


في المَعْنَى قولان :
الأول : إذا أُريد أهل الأهْوَاء، فالمَعْنَى : أنت بَرِيءٌ منهم، وهم مِنْكَ بَرَاءُ، أي : إنَّك بعيد عن أهْوَائِهِهم ومَذاهِبِهم، والعِقَابُ اللاَّزم على تِلْك الأبَاطيل مَقْصُورة عَلَيْهم لا يتعدَّاهم.
وإن أُريد اليَهُود والنَّصَارى.
قال السُّدِّيُّ :" معناه : يقولون يُؤمَر بِقتَالِهم ؛ فلما أمر بِقِتَالِهِم نُسِخ " وهذا بعيد ؛ لأن المعنى : لَسْت من قِتَالِهِم في هذا الوَقْتِ في شَيْءٍ ؛ فوُرُده الأمْر بالقِتَال في وَقْتٍ آخَر، لا يُوجب النَّسْخ. ثم قال :" إنَّما أمْرُهُم إلى اللَّه " يعني : في الجَزَاء، والمُكَافأة، والإمْهَال، " ثم يُنَبِّئُهُم بما كَانُوا يَفْعَلُون " والمراد : الوعيد.
١ ينظر: النشر ٢/٢٦٦ السبعة ٢٧٤ الحجة لأبي زرعة ٢٧٨ ولابن خالويه ١٥٢ ومعاني الفراء ١/٣٦٦ والدر المصون ٣/٢٥ إعراب القراءات ١/١٧٣..
٢ ينظر: القرطبي ٧/٩٧..
٣ ينظر: الدر المصون ٣/٢٢٥..
٤ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٤/٧ ـ ٨)..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤١٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/١١٨) وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤١٤)..
٧ تقدم..
٨ تقدم..
٩ سقط في ب..
١٠ سقط في ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى